مسلسل «العرض» يجدد شغفنا بفيلم «العراب» لفرانسيس فورد كوبولا

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»:  نادرا ما يقدم التلفزيون مسلسلا يحتفي بفيلم أو يسرد التحديات والتقلبات والصعاب التي شهدها إنتاج وإنجاز فيلم كبير. ولكن «العراب» لفرانسيس فورد كوبولا ليس كمثله من الأفلام، فهو علامة فارقة في تاربخ السينما، وأحد أبرز وأهم الأفلام التي أنتجتها هوليوود على الإطلاق. يصحبنا مسلسل «العرض» المكون من عشر حلقات تقارب مدة كل منها نحو ساعة، في رحلة إلى عالم صناعة فيلم «العراب». يمكن القول إن «العرض» يمنحنا دفقة من الحنين لإعادة مشاهدة «العراب» ويمنح الجمهور الشاب الذي قد يكون لم يشاهده بعد تلك الدفقة من الحماس لمشاهدته.

يدرك المشاركون في إنحاز «العرض» الذي أنتجته باراماوت بلاس، أهمية ومكانة فيلم «العراب» ويدرك الأسباب التي خلدته في ذاكرة السينما كتحفة سينمائية. ويحاول المسلسل، على الرغم من بعض الإخفاقات، تقديم عمل يليق بإنجاز «العراب». قدم لنا «العراب» شخصيات لا تبرح الذاكرة، والكثير من العمق والروح والذكاء المتقد في تقديم الشخصيات والأحداث وفي كتابة النص. ويقدم «العرض» ما دار في كواليس إنجاز تلك التحفة السينمائية، بدءا من تحويل رواية «العراب» لماريو بوزو إلى سيناريو للفيلم، والصراع على ميزانية الفيلم ومواقع تصويره، اختيار الممثلين الذين اضطلعوا بالأدوار الرئيسية، والصراع مع رجال عصابات المافيا في نيويورك، الذين ناصب بعضهم الفيلم العداء.
تطالعنا افتتاحية حلقات المسلسل بعبارة «مبني على تجربة ألبرت رادي في إنتاج العراب». إذن فنحن من اللحظات الأولى ندرك أن المسلسل مبني على رؤية رادي، منتج «العراب» للأحدات التي واكبت صناعة الفيلم، وندرك أن الشخصية المحورية في المسلسل هي رادي ذاته، الذي يلعب دوره مايلز تيلر، الذي لعب الدور الرئيسي في فيلم «ويبلاش» لديميان شازل. رادي هو مبرمج كومبيوتر، في بدايات بزوغ الحاسب الآلي في شركة تضطلع بمهام دفاعية، يقرر التخلي عن وظيفته لينجز مسلسلا كوميديا تلفزيونيا، ثم ليبدأ رحلته في الإنتاج السينمائي بتحويل رواية ماريو بوزو الرائجة «العراب» إلى فيلم سينمائي. يمكننا القول إن رادي، الذي أقنع استوديوهات باراماونت بإنتاج «العراب» هو العصب الرئيسي لصناعة الفيلم، فهو من تصدى لاختيار كوبولا لإخراج الفيلم وأقنعه بالتعاون مع ماريو بوزو لتحويل رواية «العراب» إلى سيناريو سينمائي، وهو من ساعد كوبولا على تحقيق رؤيته السينمائية للفيلم رغم عقبات الميزانية، وهو من تصدى لغضب المافيا في نيويورك عند علمهم أن الفيلم يتناول عالمهم.
تضع مساعي رادي لإنتاج الفيلم الرجل في مواجهة مع المافيا ورجالها ومسلحيها، وكان على رادي التعامل بحذر وأن يجد لنفسه حليفا وسط عالم الجريمة الذي لن يتورع عن إيقاف مشروعه أو عن إلحاق الضرر الجسدي به أو بمخرج الفيلم وطاقمه. يجد رادي ذلك الحليف في شخص جو كولومبو (جيوفاني ريبيسي في أداء متميز) رجل العصابات المهاب، الذي يجد رادي الجانب الإنساني لشخصيته ويحظى بدعمه لإنجاز الفيلم. نرى الكثير من العنف والدماء والشر من عالم عصابات المافيا في نيويورك التي يحاول رادي التحايل على عنفها لإتمام الفيلم، ويحاول المسلسل أن يحذو حذو «العراب» فيقدم لنا الجانب الإنساني، البراغماتي في آن، لشخصية كولومبو، ويقدم لنا دموع رجال المافيا لتأثرهم الكبير بالفيلم، بعد أن دعاهم رادي لعرض خاص لمشاهدة الفيلم بعد إنتهاء كوبولا من إخراجه. ربما لا يركز رادي المسلسل على رجال المافيا وعالمهم، ولكنه في تقديمه لهم يظمر شرهم ولكنه يسعى أيضا لتقديمهم كبشر يحبون ويبكون ويشعرون ويتأثرون بمشاهدة السينما. يحاول مسلسل «العرض» أنسنة رجال العصابات، مقتديا بكوبولا في «العراب».
يقدم لنا «العرض» الكثير من متعة المشاهدة التلفزيونية. نشاهد كوبولا وبوزو في عزلتهما لتحويل رواية بوزو إلى سيناريو، فنطرب لهذين الإيطاليين وهما يكتبان بنفس اللذة التي يحتسيان بها الخمر ويطهوان الطعام. لا يسعنا إلا أن ترتسم على وجوهنا ابتسامة رضى ونحن نشاهد دان فوغلر في أدائه لشخصية كوبولا. نشاهد هذا المخرج وعيناه تلتمعان ذكاء وحماسا وهو يقدم رؤيته للفيلم، فيتملكنا بدورنا الحماس لمشاهدة كل من الفيلم والمسلسل. نشاهد مأدبة الطعام التي قدمها كوبولا لطاقم ممثليه قبل بدء التصوير، وكيف بدأوا في خلالها في تقمص أدوارهم في الفيلم. لا يسعنا إلا أن نطرب ونحن نرى إرادة المخرج ورؤيته للفيلم تنتصر على إرادة شركة باراماونت، خاصة في اختيار آل باتشينو (أنتوني إيبوليتو في أداء متميز) للعب دور مايكل كورليوني، واختيار مارلون براندو للعب دور دون كورليوني، بعد معارضة شديدة من باراماونت لاختيار الممثلين.
ولعل أحد أبرز الشخصيات التي قدمها المسلسل شخصية روبرت إيفانز (في أداء متميز للغاية من ماثيو غود). إيفانز هو نائب رئيس أستوديوهات باراماونت، واضطلع بإنتاج عدد من أهم أفلام باراماونت مثل «طفل روزماري» و«تشايناتاون» لرومان بولانسكي و«قصة حب» لآرثر هيلر. إيفانز، كما نراه في «العرض» هو المنتج الذي صاحب الحس التجاري الحاد ولكنه أيضا صاحب رؤية فنية ثاقبة. هو الرجل الذي يمضي في عمله جل وقته ويبذل فيه قصارى جهده، لكنه أيضا العاشق الذي أضناه العشق وآلمه.
قد نتصور أن عالم شركات الإنتاج هو عالم ذكوري صرف، يهيمن عليه الرجال الذين يمسكون بزمام الأمور، ولكن «العرض» يقدم لنا شخصية نسائية قوية قادرة على تخطي الصعاب، بل على لقاء قادة المافيا ذاتهم. تلك المرأة هي بيتي ماكارت (جونو تيمبل في أداء متميز للغابة) وهي مساعدة آل رادي، الطموحة التي تتخطى كل الصعاب والتي لا غنى عنها وعن رؤيتها وذكائها في إنجاز «العراب». لا تقنع بيتي بدورها كمساعدة لمنتج بل تسعى لتحقيق طموحها في أن تصبح مديرة لأعمال عدد من النجوم والممثلين.
يبقينا مسلسل «العرض» تواقين لمشاهدة حلقاته، حلقة بعد أخرى، بل يغرينا بالمشاهدة النهمة التي نتم فيها مشاهدة المسلسل في جلسة واحدة. يدخلنا المسلسل في عالم إنجاز العراب وكواليسه، في رحلة كنا نود أن تدوم معنا. وربما يعد الإنجاز الحقيقي للمسلسل أننا بعد إتمام مشاهدته، دفعنا الشوق والحنين ودفقة الحماس التي حصلنا عليها من مشاهدته إلى إعادة مشاهدة «العراب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية