قست الحياة كثيرا على السوريين، لكن مهما تخيلنا هذه القسوة فهي آنية بالنسبة لنا، تنخُرُ قلوبنا من حين لآخر عبر ما تبثه قنوات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم نصدق ما يناسب طاقة استيعابنا، كما لا نصدق الكثير مما يصلنا.
هذا ما حدث لي حين تابعت مسلسل «النار بالنار» لمخرجه محمد عبد العزيز ومؤلفه رامي كوسا، وبطولة كوكبة من الفنانين السوريين واللبنانيين، الذي حدث أني أقف عند أحداث معينة وأسأل أصدقائي من اللبنانيين والسوريين الذين أقاموا أو يقيمون في لبنان.
قلت لصديقتي اللبنانية كيف لشخصية عزيز (جورج خباز) أن تكون بهذه السلبية تجاه اللاجئة السورية مريم (كاريس بشار) رغم أنه مدرس موسيقى، عازف بيانو ومثقف؟ وكيف اخترع الكاتب حكاية والده الذي اختفى منذ ثلاثين سنة ولا يزال يبحث عنه؟ الصدمة التي لم أتوقعها هو جوابها: «مئات المخطوفين اللبنانيين اختفوا في السجون السورية، ولا أحد يعرف مصيرهم، رغم مواصلة ذويهم البحث عنهم بطرق عديدة، وفي مناسبات عدة يتظاهرون لإسماع صوتهم للرأي العام العالمي دون جدوى»! إذن فقصة الأب المخطوف لم يبتكرها المؤلف، لكنها حقيقة نجهلها كما نجهل تفاصيل أخرى عن الوضع على أرض الواقع عن لبنان خلال الحرب، وبعدها، ثم بعد اندلاع الحرب السورية حين انقلبت الموازين، واضطر السوري البسيط إلى اللجوء إلى أقرب بلد إليه «لبنان».
قصة الحب التي اقترحها هذا العمل الدرامي قد تكون مستحيلة، لكنها حدثت، وتكررت، وهي ممكنة جدا، كون الحب في الغالب «الخارج الوحيد عن القانون» حين يستسلم الجميع لقانون الكراهية والانتقام ورد الصاع صاعين. فعل الحب فعلته إذن وأذاب أحقادا كثيرة وقع ضحيتها المواطن الذي لا حول له ولا قوة. إذ لم يطل الأمر بعد شجارات عنيفة بين عزيز ومريم وعمران (عابد فهد) وسكان الحي الأصليين والوافدين، حتى بدأت العلاقات بين الأفراد تأخذ سبُلا غير متوقعة.
المسلسل الذي اكتشفت من خلاله ما تخفيه الستارة اللبنانية الجميلة، كان من الأعمال الممتازة فعلا، إن لم يكن أفضلها على الإطلاق، على الأقل على مستوى السقف الدرامي العالي وليس مقارنة مع نسبة المشاهدات. فقد جاء هذا العمل كما عودتنا الدراما السورية دائما، بمنح الشخصيات جميعا أدوارا قوية، تجعلها في صف البطولة دون منازع. عاد عابد فهد مثلا بطاقته العظيمة التي عهدناها، بعد أن كاد يفقدها وهو يقف في أدوار رئيسية دون أي انسجام مع نجمات جميلات فشلن في تقمص أدوارهن أمامه. أخرج عابد فهد الوحش الذي تطلبته شخصية عمران، حتى جعلنا نشك أن من أمامنا هو عمران المرابي نفسه وليس عابد الممثل. تدهشنا كاريس بشار بدور جديد ومختلف، وترفع من رصيد إعجابنا بها بأدائها الرائع وهي تصارع من أجل البقاء في مجتمع لا يريدها ولا بديل آخر لها غيره. وقد شكلت ثنائيا استثنائيا مع جورج خباز كسَر القوالب الجاهزة لأبطال الدراما العربية (والتركية إن شئتم).
ومع هذا فإن «النار بالنار» لم يكن مسلسلا للتسلية أو للسهرات الرمضانية التي يتخللها تناول الحلويات وشرب الشاي، لقد كان عملا جادا، أمسكت فيه كل شخصية من شخصياته بمشرط الجراح، وقامت بتقطيع الستارة الجميلة التي غطت الورم المتعفن في جسد لبنان.
لا أجساد رشيقة فارهة في هذا المسلسل، لا بدلات تحمل ماركات عالمية، لا خدود ولا شفاه منفوخة، حتى ساشا دحدوح تخلت عن زينتها وقدمت دورا في منتهى الروعة مع طارق تميم الذي تقمص دور اليساري الواقف عند عتبة أحلامه دون أن يخطو خطوة فعالة نحو الأمام. يصعب أن نتوقف عند كل شخصية، لكن بيروت ما بعد الحرب والنزوح السوري العشوائي بعد 2011 أصبحت شبيهة ببيت «الدكتورة (هدى شعراوي) كل ما يحدث فيه «مقامرة كبيرة» قليلا ما يشهد رابحا.
المفاجأة الكبرى في هذا العمل كان الشاب بارود (تيم عزيز) الذي ما إن بلغ الحلقة الأخيرة حتى تسلق سُلم النجومية بجدارة إلى جانب الصبية الجميلة رؤى (فيكتوريا عون) في دور يترك لنا توقع مستقبل الأجيال القادمة مبهما وغامضا، وإن كان فيه بريق أمل وفرصة خلاص. ندوب الإنسان العربي المسحوق تحت نير بعض الأنظمة تبدو واضحة جميعها، في ذلك الحي اللبناني الصغير، بعيدا عن تلك الصورة القديمة التي تربط مشاعر الطيبة ببساطة الأحياء الفقيرة وأهلها.
لقد شوهت الحرب التركيبة الاجتماعية للمجتمعات، وفشلت كل المعادلات السياسية التي تستعمل خاصية الضرب لتدجين الشعوب ومضاعفة قوتها، وقد كانت ثورة «بارود» النتيجة غير المتوقعة لتلك المعادلة، حين طعن الأخطبوط عمران الذي يملك أيدي كثيرة في أجهزة الدولة، أما نهوضه في آخر مشهد من الحلقة الأخيرة، فقد قرأته على أنه «الشرير المعطوب» الذي يعتقد أن عودته سهلة لبسط سلطته كسابق عهده. تلك النهاية مغرية جدا لإنجاز جزء ثانٍ، لكن كيف يمكن للحياة أن تستمر دون مريم وعزيز معا؟ كيف يمكن لعزيز أن يتقبل كل خساراته بعد أن فقد والده الفنان اللبناني الجميل (أحمد قعبور) وحبيبته السورية الشفافة مريم؟ تبقى مصائر أبطال الحي مجهولة، لأن النهايات ليست نهائية، إلا مصير زكريا (طوني عيسى) كان موتا يستحقه، لكن الأمر تطلب مبالغة غير منطقية لإبراز تلك النهاية. ففي كل الحالات إن كان هناك دور بدا أقل من توقعات المشاهد فهو دور طوني عيسى الذي لم «نهضمه» كرجل متطرف دينيا تزوج مرتين من قاصرتين، ومع هذا قرر أن يفجر نفسه في عملية انتحارية. الجدل الذي أثاره المسلسل لم يتوغل في التفاصيل العميقة لقضايا إنسانية مهمة، وظل سطحيا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أثبت أن الحساسيات بين الناس خلال الحرب تزداد، وأن التدخلات العسكرية دائما ما تذكرنا برواية العظيم ريمارك الشهيرة «كل شيء هادئ في الجبهة الغربية» فيما الحرب تطحن الأخضر واليابس وتحصد الأرواح، وتتمدد في العروق وتلوث الداخل. كل ما كان مسكوتا عنه دراميا على الأقل، عولج بطريقة جريئة، فلطالما كانت الدراما «المدرسة الأسهل» لإيصال المعلومة بعيدا عن التحليلات السياسية التي لا تهم الجمهور العربي العريض.
ومع هذا فإن «النار بالنار» لم يكن مسلسلا للتسلية أو للسهرات الرمضانية التي يتخللها تناول الحلويات وشرب الشاي، لقد كان عملا جادا، أمسكت فيه كل شخصية من شخصياته بمشرط الجراح، وقامت بتقطيع الستارة الجميلة التي غطت الورم المتعفن في جسد لبنان. منذ سنوات والمواطنون البسطاء يتراشقون بالتهم والشتائم تماما مثلما فعلت مريم وعزيز بعد تعليقه يافطة «ممنوع تجول السوريين بعد الساعة الثامنة» – وهذه إحدى الحقائق المؤلمة التي كنت أجهلها – لكن الاحتقان الذي ذاب بين بطلينا وتحول مع الأيام إلى حب لم يكن سوى حدث درامي جميل لم يكتمل، فقد ماتت مريم مقتولة بعد أن طعنها زوجها، الواقع في فخ عمران، وأصبحت مهمة عزيز نقل جثمانها إلى سوريا، لدفنها حسب وصيتها في الوطن الذي لفظها وهي حية. لا يمكننا أن نتجاهل هذا الموقف، حين يعود بحبيبته إلى حيث جذورها ويدفن حبه الكبير في التربة السورية. ربما غصبا عنا سنتذكر حلم سوريا الكبرى، وأفكار أنطون سعادة، والقوميين العرب الأوائل الذين حلموا بوطن يتسع للجميع، فإذا بكل أحلامهم تتشظى مرتدية أثوابا على غير مقاساتها، وينتهي معظم الحالمين قتلى برصاص الغدر، وتنتهي الأوطان إلى مجرد ساحات وغى.
أقل ما يقال عن هذا العمل أنه رائع، وواقعي، معتمدا إبراز جماليات منابع الوجع وطرق مداواته. وقد أخرجنا من دوامة العنف المصطنع، والعصابات الـ»الشيك» واستعراض الأزياء والبيوت الفخمة والسيارات الفاخرة، والصراخ الذين لا معنى له.
شاعرة وإعلامية من البحرين