يأتي مسلسل «النهاية» للكاتب عمرو سمير عاطف، والمخرج ياسر سامي، مختلفاً من حيث الشكل والمضمون عن بقية المسلسلات المصرية والعربية، التي طرحت صور الصراع السياسي بكل أشكاله، حيث تتجاوز الفكرة، أساليب المعالجة التقليدية، التي تنتمي في معظم الأحيان لدراما الجاسوسية أو غيرها من الأعمال الوطنية، إذ تتجه البوصلة إلى ما هو أبعد بكثير من حدود الزمن الراهن عابرة سنوات وقرونا حفلت بالقضايا والمشكلات، من غير حلول جذرية تفض الاشتباك أو تضع حداً للنزاع.
ما يميز مسلسل «النهاية» هو ارتكانه لتصور الخيالي العلمي في ما يخص الحُلم الإنساني، المنشود بانتهاء الأزمات السياسية المزمنة، على خلفية التطور المتصاعد في الأسلحة الإلكترونية، وتقنيات الهجوم والدفاع الحديثة، وهو ما ينبئ بتغير استراتيجيات الحروب في الأزمنة المقبلة، وتحول الطاقة غير المرئية إلى عدة وسائل مختلفة، لتكون هي الفيصل في كافة التعاملات، بما فيها الأغراض السلمية، وهو ما نلحظه في الافتراض الدرامي، بتداول وحدات الطاقة كبديل للعملة المادية بين الناس، بعيداً عن كونها أسلحة نووية، أو شبة نووية بإمكانها القضاء على حيثيات وأسباب الصراع.
داخل هذا الإطار التكنولوجي الافتراضي، تتحدد مفاهيم العمل الفني الاستثنائي غير المسبوق على الشاشة المصرية الصغيرة، تبعاً لرؤية المؤلف، ومعطيات التقدم في الحلقات والمحكومة بالسياج الخيالي، لتكون مستساغة، باعتبارها حالة افتراضية تهدف إلى محاولة القراءة الغيبية للمستقبل البعيد، في ضوء المقدمات الآنية، وقد يبرر ذلك استخدام الرمزية في الإشارات الدلالية لمدينة القدس، كمسرح للأحداث، بوصفها واحدة من نقاط الخلاف الأساسية، وموطن الحرب المقبلة، حسب الرؤية الفنية المجازية، التي يستند إليها كل من الكاتب والمخرج، في ربط الأحداث الدرامية المتخيلة بصور الواقع العربي المعاش حالياً، واعتبار ما سوف يحدث نوعا من التطور الطبيعي لتفاقم الأزمات داخل فلسطين المحتلة.
وللتأكيد على أن المراحل المقبلة من الصراع سيكون بطلها العلم وحده فقد أشار المسلسل إلى دور المُعلم بتقدير وتبجيل شديدين، بوصفة المالك للحكمة، والقادر على التوعية والتحصين والمقاومة، بما تقتضيه الظروف، ولهذا جاء العلماء في هذا السياق مضطهدين مطاردين من قبل السُلطات والحكومات المهيمنة، بما يعني أن العلماء هم أعداء المستقبل، بالنسبة للقوى الساعية لإحكام السيطرة على العالم، فالجهل هو الصديق التقليدي والداعم المخلص لأي محتل.

في مسلسل «النهاية» تتعدد الفصول والرؤى، وتتباين المستويات الدرامية الفارقة بخصائصها وأبعادها، ومن ثم يمكن قراءة الأحداث بأكثر من طريقة وبزوايا مختلفة، حيث يجوز التعامل مع المُصنف بوصفة مادة فنية تخضع للخيال العلمي وحسب ولا صلة لها بالتضمينات السياسية، كما أنه على مستوى آخر، يُحتمل أن يكون رسالة مهمة للغير، الذي يعد ويتوعد بالانتقام ويبسط نفوذه ويُفرط في استخدام قوته للإرهاب والبطش، وإحكام قبضته الحديدية لإثبات وجودة، فضلاً عن أنه بالإمكان أيضاً مشاهدة المسلسل والاستمتاع به كعمل تأثيري، يرصد تطورات الحروب، ويقدم مادة مثيرة وجذابة خارج أي دلالة من أي نوع، اللهم غير التلويح بالصراعات والحروب، كمقياس للقوى ومضمون درامي يثير اهتمام المشاهد وينشط ذهنه ويوسع مداركه.
كل الاحتمالات واردة في مسلسل يتميز بقوة إنتاجية وفيرة، وكتابة نوعية مختلفة، وتكنيك إخراجي حديث، وتقدم بالغ في لغة الصورة ومستوى الخدع والغرافيك، غير أنه يضم عددا كبير من النجوم، يوسف الشريف وعمرو عبد الجليل وأحمد وفيق وناهد السباعي وسوسن بدر وسارة عادل، وهو بكل المقاييس يعد فرصة مهمة لتطور الأداء التمثيلي والتخلي عن نمطية التجسيد في تقديم الشخصيات المركبة والشريرة، أو النوع الآخر من الشخصيات المثالية البلهاء، وهو بالفعل تحدٍ نجح فيه غالبية الأبطال، بمن فيهم الأطفال، الذين شغلوا حيزاً درامياً لا بأس به، وفرضوا تأثيرهم ليصبحوا عناصر قوية مضافة إلى الحالة الجدلية الصحية والمثمرة.
وتبقى كل المسارات مفتوحة أمام المتلقي لتفسير ما يراه من مضامين، وما يصله من معانٍ يحملها المسلسل الغامض بتفاصيله وأجوائه وشخصياته ورموزه ومداه التاريخي القريب والبعيد.
٭ كاتب من مصر