يمكن لمسلسل “حارس القدس” أن يلخّص العلاقة المزيّفة مع قضية فلسطين، إذ يكفي أن تتلطّى باسمها، أن “تناضل”، أو تزعم أنها بوصلتك الوحيدة، لتضمن مديحاً استثنائياً، ولتضمن كذلك غضّ الطرف عن أية أخطاء كارثية، إن كان على مستوى التوثيق التاريخي، أو بخصوص الاستسهال ورداءة الصنعة، إذ لن يلقي أحد بالاً إلى أمور تفصيلية كهذه، فالأولوية الآن، تماماً، كما يحدث دائماً في أنظمة “الصمود والتصدي”، أنظمة الممانعة، لخطاب تحرير فلسطين وحده، وكل ما عداه مؤجل، أو أن مصيرك التخوين إن كان لك رأي آخر!
هكذا ستجد أن معظم من كتبَ وامتدحَ العمل هم من السياسيين والممانعين غير المعروف عنهم الكتابة عن الفن والدراما، لأن الواجب هو هنا من ينادي، لا شؤون الصنعة. ولذلك أيضاً لن تجد مقالاً واحداً صدَرَ من مناطق سيطرة النظام غير معجب بالمسلسل، فالذائقة مصادرة، بعضها يتحرك بأوامر عليا، ما يريح صنّاع العمل من المساءلة النقدية.
-يبدو المسلسل وكأنه خطبة طويلة مكرورة، تقوم على بضع عبارات يعاد استخدامها هنا وهناك، فكثير من المشاهد هي للمطران كبوتشي واقفاً (أو جالساً) يخطب في الناس، وبالتالي فإن الحوار الذي تفترضه الدراما غائب لصالح صوت وحيد. إنه حتى أقل من أن يكون مونودراما، هذه التي قد تعجّ بأصوات شتى. بل إن صوت بطل العمل طغى في كثير من المشاهد الحوارية، لم نكن نسمع سوى صوته. ومثلاً في لقاء بين المطران وأحد المستشرقين يجيب كبوتشي عن سؤال نقله المترجم، يسأل فيه لماذا عدم التضامن مع اليهود الذين تعرّضوا للإبادة. هنا ستسمع فقط جواب المطران، لكنك لا تسمع المستشرق يجادل في ذلك. مهمة الكاتب، حتى لو لم يكن لديه وثائق تفصيلية، أن يتخيل محاججة تليق بعقل مستشرق لا بجدار أصمّ يتلقى باستسلام خطبة المطران! أن يصوغ محاورة تليق بعقل المتلقي قبل كل شيء.
مما زاد من طين الخطابة بلّة أن أداء الممثل رشيد عساف لدور المطران جاء هو الآخر فاقعاً في خطابيته؛ النبرة الصاخبة، إيماءات الوجه، إشارات اليدين، كلّها جاءت لتصوّر شخصية زعيم سياسي، لا روحيّ، ولربما كان الممثل غسان مسعود، الذي كان مرشحاً للدور ثم اعتذر من دون أن نعرف سبباً لذلك، أنسب للشخصية، كان من شأنه (ربما) أن يخفف من تلك النبرة العالية التي عرف بها عساف في أدوار سابقة (دوره في مسلسل “البركان” مثلاً).
-كيف يمكن لكاتب، بل لجملة مشتغلي العمل، الذي تنتجه مؤسسة رسمية، القبول بأن يوظف المسلسل في تقديم خدمات عائلية للمخرج! لقد حضر الشاعر الراحل يوسف الخطيب (والد المخرج) في المسلسل على نحو لا نحسبه يحدث في مكان آخر في العالم. لا يتوقف الأمر عند استماع المشاهد يومياً لقصيدة الشارة المغناة بصوت ميادة بسيليس وتعود للخطيب الأب، فالأخير سيدهمُنا في أكثر من موقع، مرة عندما يرسل حلبيّ أمانة إلى المطران في منفاه الإيطاليّ، يقول إنه كان قد طلبَها منه منذ سنوات طويلة، وهي عبارة عن كتاب مفقود في الأسواق، إنه “ديوان الوطن المحتل” للشاعر يوسف الخطيب! ومرة عندما يرسل رفاق السجن، من المهجع المجاور لزنزانة المطران، رسالة مع الثوب الذي خاطوه له فيها مقاطع من قصيدة “الاعتراف” للشاعر يوسف الخطيب!
أما المرة الفاقعة فكانت حين طلبت والدة المطران منه أن يسمعها شعراً (من دون مناسبة، فقط لأنه من زمان لم يسمعها شعراً!)، عندها سيختار لها قصيدة صاخبة للشاعر الخطيب (لا قصيدة هامسة تليق بجلسة هادئة بين أم وولدها)، يروح الرجل يلقيها كما لو أنه أمام جمهور في ملعب لكرة القدم.
-كيف حدث أن ينطق الجنود الإسرائيليون جميعهم بالمحكية السورية (ولأي سبب جعل سجيناً بريطانياً فقط يتحدث بعربية مكسرة، ما دام اختار للجميع الحديث بالشاميّ)؟
على الأقل كان يمكن الاستعانة بجنود من أصل عربي، أو إسرائيليين تعلموا العربية من فلسطينيي الداخل، وبالتالي مفهوم أن يتحدثوا بلهجة فلسطينية. لكن هذا هو حال الشخصيات كلها، إذ قلّما تطابقت لهجة الشخصية مع حالها وتاريخها ومرجعيتها. انظروا مثلاً والدة المطران، والتي تؤديها الممثلة سامية جزائري في سن متقدم، وبلهجة شامية خالصة، فيما تؤديها أيام الشباب ممثلة تتحدث بلهجة حلبية خالصة! وبالمناسبة، انظروا كذلك لاستحالة الشبه بين شخصية الأم الشابة، والأم العجوز. ولو دققنا أكثر لاكتشفنا كوارث أخرى، إذ كيف تقدم شاباً يقول إنه في عمر التاسعة عشرة بينما شكله يعطي أكبر بعشر سنوات على الأقل!
– المسلسل لا يخالف الوقائع حين يتحدث عن إعجاب المطران الشديد بحافظ الأسد، لكنه في التركيز على ذلك فقط، عبر تصوير خطبته (يستحضر الخطبة الأصل بالأبيض والأسود) إثر حرب تشرين، واستحضاره على لسان ضابط المخابرات الذي التقاه في بيروت، وقال له: “بعد عام 67 جاءتنا تعليمات من الفريق حافظ الأسد وزير الدفاع بتوسيع دائرة المعلومات باتجاه كل ما يخص العدو الإسرائيلي، استعداداً للمرحلة القادمة المفتوحة ع كل الاحتمالات”، ثم استعادة مقطع مصور من جنازته (الوحيد الذي استحق الاستعانة بوثائق تاريخية!)، والتركيز على صوره الضخمة في مكتب هذا السفير أو ذاك، لكن حين يسلط المسلسل الضوء على كل ذلك فإنه يؤكد أن وجهته ليست القدس كما يدّعي، وإنما دعم نظام الأسد القاتل والمتوحش، ومطران المسلسل، كما مطران الواقع، لم يخفِ هذه الوجهة، إذ هو يتحدث صراحة عن اختياره مثلاً الجلوس ضمن الوفد “الحكومي” في مفاوضات جنيف، بين المعارضة والنظام.
هذا في وقت لا يأتي أي ذكر لياسر عرفات، وعلاقته بالمطران، علماً أن العملية التي اعتُقل وحُكم وأُبعد بسببها كانت برعاية وترتيب حركة “فتح”، لا بترتيب حافظ الأسد.
يكتفي المسلسل بتسجيل بعض اللقاءات مع أبو جهاد، الذي يبدو مجرد مسؤول ما في بيروت.
-يبدو أن المسلسل استرخص كثيراً من حيث الكلفة الإنتاجية، فهو يكتفي بقاعة معتمة يلقي المطران خطبته فيها، كناية عن مطار روما، مبرراً بأن “الطائرة حطّت بعيداً”، كذلك يكتفي من مطار دمشق بسلم الطائرة، بلقطة ضيقة، كما لو أنه يصور المسلسل كله في غرفتين.
-ختاماً، نود لو نسأل فريق العمل، كاتبه حسن م يوسف ومخرجه باسل الخطيب، وبطله رشيد عساف: بضميركم، كيف تشعرون، كسوريين، حين يمرّ مشهد يطالب فيه المطران المحكمة الإسرائيلية بفنجان قهوة، أو يصرّ على ارتداء ملابسه كرجل دين في السجن، رافضاً ثياب السجن الموحدة. وحين يمسك متحدياً يد سجان كان ينوي حرقه بسيجارة في يده؟ أنتم من صوّر المحكمة والسجون الإسرائيلية على هذا النحو، ولذلك لا بدّ أن نضم صوتنا، مع كاتب فلسطيني، بالسؤال؛ هل كانت المحكمة الإسرائيلية ديمقراطية ومرنة، كما بدت في مسلسل “حارس القدس”؟!
كاتب فلسطيني سوري