مسلسل «نيتفلكس» الجديد «هوليوود»: معاناة الأقليات العرقية والنساء

حسام عاصي
حجم الخط
0

لوس أنجليس – «القدس العربي» : منذ نشأتها عام 1913 حتى ستينيات القرن الماضي، شهدت هوليوود نهضة سميت بالعصر الذهبي، حيث هيمنت استوديوهاتها الضخمة على صناعة الأفلام الكلاسيكية، وتوزيعها وعرضها في أرجاء العالم وخلقت ظاهرة نجوم السينما، الذين باتوا أكثر جذبا للجماهير من الأفلام نفسها، ما جعلهم سلعة تجارية تدر الأرباح.
لكن ذلك العصر لم يكن ذهبياً للجميع، بل كان مظلماً لغير البيض والنساء والمثليين جنسياً، حسب مسلسل «نيتلفكس» الجديد، «هوليوود»، الذي يعود فيه منتجه الشهير، رايان ميرفي، الى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مازجاً الحقيقة في الخيال ليعيد كتابة التاريخ ويقلب نهايات واقعية تراجيدية إلى نهايات خيالية سعيدة. فمعظم أحداثه وشخصياته وهمية، لكنها تعكس شخصيات حقيقة كانت في هوليوود حينها.

شخصيات شابة متعددة الأعراق

المسلسل يتمحور حول شخصيات شابة متعددة الأعراق والميول الجنسية، ويسلط الضوء على التحديات التي يواجهونها في محاولاتهم لاختراق هوليوود: ممثل أبيض، جاك، وكاتب سيناريوهات أسود مثلي، ارتشي، ومخرج نصف فلبيني، ريموند، وحبيبته الممثلة السوداء. وجميعهم من ابتكار ميرفي ما عدا نجم خمسينيات هوليوود المثلي جنسيا، روك هدسون.
إلى جانب هدسون يظهر أيضا وكيله الشهير، هنري ويلسون، الذي يلعب دورا رئيسياً في مجرى أحداث المسلسل. كما أن بعض نجمات هوليوود من تلك الحقبة يظهرن في أدوار هامشية، مثل بطلة فيلم «ذهب مع الريح» البريطانية، سكارليت أوهارا وزميلتها النجمة السوداء هاتي ماكدانيل والنجمة الأسيوية آنا ماي وونغ. تلك الشخصيات تتفاعل مع الشخصيات الخيالية، التي تساهم في تغيير مصيرها.
ماكادنيل كانت أول ممثلة سوداء تفوز بجائزة الأوسكار عام 1940 وذلك عن دور الخادمة «مامي» في «ذهب مع الريح». ومن المفارقات أنه لم يسمح لها دخول قاعة حفل توزيع الجوائز بسبب قانون الفصل العنصري آنذاك، حتى أُعلن عن فوزها. وكغيرها من الممثلات السوداوات، كانت أدوارها محصورة دائماً في شخصيات الخادمات.
ماكدانيل تظهر في مسلسل هوليوود للتشجع وتنصح «كاميل»، التي تواجه تحديات مشابهة، إذ يصر المنتجون والمخرجون على حصرها في أدوار خادامات، مع أنها تفوق زميلاتها البيض جمالا وموهبة.
وفي حديث معها، قالت الممثلة لورا هاريير، التي تجسد كاميل، إن ماكدانيل مصدر إلهام لها. «لقد كانت معركة شاقة حقا للممثلات الملونات اللواتي توجب عليهن كسر الكثير من الحواجز العنصرية والنضال بشدة، لكي تطرح أسماؤهن للحصول على أدوار بعيدة عن أدوار الخدم والعبيد وعمال المنازل. وأنا ممتنة للغاية لهن لأنهن كافحن بشدة لكي أتمكن من أن أكون هنا اليوم.»

الفائزة السوداء الوحيدة

ورغم أن ماكدانيل بقيت الفائزة السوداء الوحيدة في الأوسكار حتى عام 2002، عندما حصدت هالي بيري أوسكار أفضل ممثلة إلا أنها واجهت انتقادات لاذعة من ذويها، الذين اعتبروا أدوارها إهانة لهم. وفي حديث مع جيريمي بوب، الذي يؤدي دور آرتشي، أكّد أن ممثلين وممثلات سود آخرين كانوا أيضا يتعرضون لانتقادات مجتمعهم.
«حتى أنجح ممثل أسود، وهو ستيفن فيتشت، كان عليه التظاهر بالغباء في أدواره معظم الوقت، إذ كانت تلك نظرة الناس ووسائل الإعلام إلى الأشخاص السود. ولم يعجب ذلك مجتمع السود، لأنهم لم يشعروا أنه تمثيل دقيق لجميع الأمور التي عملوا جاهدين للتغلب عليها.»
أما وونغ، التي تعتبر أول نجمة هوليوودية صينية، فكانت أيضاً محصورةً في لعب أدوار آسيوية نمطية شريرة، منذ بداية سيرتها المهنية أوائل العشرينيات في أفلام مثل «حرامي بغداد» (1924) و«إبنة التمساح» (1931) و«قطار شنغهاي» (1932). وعندما قام استوديو «أم جي أم» عام 1935 في إنتاج أول فيلم ببطولة آسيوية إيجابية وهو «الأرض الطيبة»، رفض منحها الدور، رغم أنها أكثر ملائمة له، وعوضاً عن ذلك منحه للممثلة الألمانية لويز رينر التي نالت الأوسكار عنه.
حرمان وونغ من أدوار بطولية أتى نتيجة قوانين مكافحة تمازج الأجناس، التي كانت تفرض الفصل العنصري على مستوى العلاقات العاطفية والجنسية في الولايات المتحدة، وبما أن أبطال الأفلام كانوا دائما من البيض، فإن تقبيلهم أو الارتباط بهم عاطفيا على الشاشة كان ممنوعا، فوقعت فريسة للإحباط وإدمان الكحول، وتوفيت إثر نوبة قلبية في سن السادسة والخمسين.
«كونك ملوناً هو أمر لا يمكن اخفاؤه»، تعلق لورا. «فشخصيتي امرأة سوداء وليس في إمكانها التظاهر عكس ذلك، هكذا يراها العالم وبالتالي كان عليها إيجاد طريقة للعيش وتفادي أن يتم تهميشها وتحقيق إمكاناتها الكاملة في عالم كانت فيه تلك الاحتمالات ضدها».
لكن في المسلسل، ريموند، الفلبيني، الذي يبدو أبيض يمنح وونغ دورا آسيوياً إيجابياً في فيلمه، ويقلب مصيرها.
«أحد الأمور المثيرة بشأن تصنيف ريموند أبيض، كان استخدامه ذلك كبطاقة للعبور الى داخل هوليوود»، يعلق دارين كريس، النصف فلبيني، الذي يجسد دوره. «لكنه يتطلع أيضا إلى نصفه الآخر بينما يشعر بالمسؤولية لاستخدام نفوذه في مناصرة الأشخاص الذين هُمشوا على مر التاريخ».
أما النساء البيض فكان الكثير منهن يتمتعن بنفوذ قوي في العصر الذهبي، لكنهن دفعن ثمناً باهظاً من أجل تحقيق ذلك، إذ توجب عليهن تحمل الاستغلال الجنسي، الذي كان متفشياً ومقبولاً، وتتعرض له جل النساء في مسيرتهن إلى النجومية.«لم يكن هناك الكثير من النساء اللواتي امتلكن نفوذاً كبيراً»، تعلق هولاند تايلور، التي تؤدي دور مساعدة مدير الاستوديو. «أما الممثلات اللاتي امتلكن النفوذ فكان ذلك متمثلاً في الحصول على أجرٍ جيد وليس بالضرورة لتكون لهن الكلمة الفصل وراء الكواليس.»
وفي ما يتعلق بالرجال البيض المثليين، فقد كانوا يحققون نفوذًا قوياً في كل المجالات موازياً لمستوى نفوذ غيرهم من الرجال، شرط إخفاء أو إنكار حقيقة ميولهم الجنسية. أشهرهم كان روك هدسون، أحد أكثر نجوم السينما شعبية وجاذبية في الخمسينيات. وقد اضطر الى الزواج من سكرتيرته لكي يخفي مثليته الجنسية، التي ظل ينكرها حتى انكشف أمره بعد وفاته بمرض الإيدز عام 1985.

أبواب النجومية

في المسلسل يرضخ هدسون للاستغلال الجنسي من قبل وكيله هينري ويلسون، الذي يتحكم في كل شؤون حياته لكي يفتح له أبواب النجومية. لكن هدسون يتحدى هوليوود والمجتمع لاحقاً فيكشف عن علاقته المثلية مع آرتشي، أي جيريمي بوب، الذي يعتقد أن معاناة المثليين لم تختلف عن معاناة الملونين.
«نتكلم عن أشخاص مثل روك هدسون، الذي اضطر إلى إخفاء هذا الجزء من حياته، رغم تحقيقه نفوذاً هائلاً في حين أن لون بشرتي هو أول ما تشاهده عندما أدخل إلى مكان ما وبالتالي هذا ليس أمراً يمكن إخفاؤه».
هنري ويلسون كان أيضا مثلياً في الواقع وكان من أكثر الشخصيات نفوذاً في هوليوود وكان معظم زبائنه من المثليين. لكن عندما صار يتبجح بمثليته قاطعته هوليوود وتجنبه جميع زبائنه المثليين. فأدمن الكحول والمخدرات ومات وحيداً ومفلساً عام 1974. لكنه يحظى بنهاية سعيدة في المسلسل، رغم أنه معروف باستغلاله الجنسي لزبائنه وتحطيمه كل من لم ينصاع له.
«أؤيد ما تقوله ولا أوافق على تصرفاته»، يقول جيم بارسونز، الذي يجسد دور ويلسون ببراعة. «ومع ذلك سأقول إنها كانت حقبة مختلفة خصوصاً للمثليين في ذلك الحين. وهناك جانب آخر لذلك أي إمكانية إخفاء ميولك وإحاطتها بالسرية التي لا يسعها إلا أن تدمر الناس وقلوبهم وأرواحهم.»جميع الشخصيات النافذة في المسلسل، نساء ورجال، يعيشون حياة بذخ وفجور، وكثيراً ما يكون ذلك على حساب الحالمين بالنجومية. لكن الخصم الوحيد لأبطال المسلسل هو رئيس الأستوديو، الرجل الأبيض الذي يستغل نجماته جنسيا ويرفض مشاركة المواهب من غير البيض في أفلامه عندما يحاول مدير الأستوديو المثلي، ديك، ونائبته إيلين، إقناعه بصنع فيلم من سيناريو آرتشي وبطولة كاميل. إلا أن زوجته آفيس، التي تتولى إدارة الأستوديو بعد وفاته، تنجد المشروع.
وفي الواقع، كان هناك العديد من المثليين البيض وبعض النساء في مناصب نفوذ، مثل ماري بيكفورد، التي كانت تترأس استوديو «يونايتد ارتيستس»، لكنهم لم يساهموا في صنع أفلام ذات تعددية عرقية ولم يدعموا المواهب من الأعراق غير البيضاء.
«صحيح». تقول تايلور. «لم يحصل ذلك في تلك الأيام وأعتقد أن ما يحاول رايان قوله هو: تخيل لو حصل ذلك وأنهم تمتعوا بتلك الشجاعة.»
«هوليوود تتمحور حول جني الأموال»، يضيف جو مانتيللو، الذي يؤدي دور مدير الاستوديو ديك. «وأساس هاجسها هو هل في إمكان مشروعك أن يعود بالأرباح في شباك التذاكر؟ وهل سيشاهده كثيرون؟ وحتى لو كان هناك جانب أخلاقي في الفيلم، لا يعني ذلك بالضرورة أنه في صدارة المشروع.»
إذاً تطور التعددية العرقية مؤخراً في أفلام هوليوود كان نتيجة توسع سوقها إلى ثقافات وأعراق غير بيضاء. لكن ذلك التطور التعددي لم يطل المستوى الإداري والتنفيذي، الذي ما زال يهيمن عليه البيض بغض النظر عن ميولهم الجنسية.
«صحيح أننا حققنا التعددية العرقية على الشاشة وهناك نساء قادرات على اتخاذ القرارات، لكن ما زال أمامنا طريق طويل»، تختم لورا.
في مسلسل «هوليوود» ينتصر الأبطال على خصومهم ويحققون أحلامهم. لكن ما يطرحه كحل هو فعلياً المشكلة، إذ لا يمكن حل آفة التمييز العنصري وانعدام التعددية العرقية في الأفلام باستبدال مسؤولين بيض غير مثليين بمسؤولين بيض مثليين أو نساء، وإنما بمشاركة أبناء الأعراق الأخرى في اتخاذ القرار وإدارة الأمور وصناعة النجوم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية