قد يعرف الكثيرون منا أن مسيحيي الشرق هم نسيج من نسيجنا، وجذر وفرع من أصولنا، ولون من طيفنا وتلوننا، لكن البعض فقط يدركون تأثرهم بربيع عربي لم يكتمل، وتجاذبات سياسية واجتماعية أعلن الساسة والمنجمون فيها عن خوفهم ثم عجزهم، فمسيحيو الشرق قلقون، يغذي قلقهم اضطرابات كبرى وتوترات سياسية وطائفية، ليس فيها مجال للحياد والصمت، ولا مفر من خوض غمارها لأنها ببساطة قد أصبحت أمراً واقعاً، يخفف من خشيتهم قراءتهم لشعوبٍ أصبحت تثور على ظلم حكامها، تسقط وتبدل الأنظمة السياسية التي لا ترضاها، وبالتالي فلن يصعب عليها إسقاط وتحجيم بواعث وبؤر التطرف إن قدر لها أن تحيا وتتجذر. بحضور الرئيس اللبناني وجمع غفير من الوزراء والنواب والبطاركة ورؤساء الأحزاب من لبنان والمشرق والعالم، وبعناوين الواقع الديموغرافي والهجرة والحريات الدينية، وبفرص ونسب مشاركة المسيحيين في مؤسسات الدول ومفاصلها، وبدعوات البطريرك الماروني مار بشارة الراعي، بأن يلَهم مسيحيو الشرق العمل لكي يحافظوا على وجودهم الفاعل في أوطانهم تحت مبدأ ووصية (لا تقتل وأحبب قريبك مثل نفسك)، عقِدَ في مركز حوار الحضارات العالمي في لبنان مؤتمر عام لمسيحيي المشرق، هو المؤتمر الأول والأكبر الذي يدق ناقوس الخطر عالياً أمام ظاهرة تناقص أعداد المسيحيين في المشرق تحت وطأة تراجع دور الدول في قراراتها السياسية والمصيرية، وترنح أركانها الاقتصادية والاجتماعية، معززة بذلك نتاجا بغيضا من تنامي الحركات والأفكار الأصولية الرافضة للغير، والكارهة للآخر، والمتعطشة لاستنساخ الماضي بلا تروي ولا بصيرة. وقد يكون المؤتمر فرصة في زمن من التغير والتبدل العربي، يجمع فيه المسيحيون آمالهم وأحلامهم وأحزانهم في بوتقة واحدة، يعلنون من خلالها أن مستقبلهم لا يكون بالانعزال والتقوقع بحجة حفظ الطاقات بالنأي بالنفس عما يجري، ولا يكون بالإستقواء بالخارج وطلب الحماية منه، لأن في ذلك خراب البلاد وانكشافها لمن أراد، ولا يكون بالتباهي والتناغم مع أنظمة مستبدة، تدعي وتنظر لحماية الأوطان وصون الأقليات بين مطرقة التجبر وسندان تكميم الأفواه حتى تصمت، فالمسيحيون مدعوون للبقاء في منطقتهم وبين أشقائهم، وهم مدعوون للمشاركة في بناء مستقبل أوطانهم كما فعلوا دائماً من أجلها ، فالقضية ليست جديدة، والمهمة غارقة في القِدم. رغم تمسك مسيحيي المشرق بمكان تجسدهم، حيث كان وما زال تاريخ وحاضر ومستقبل أصلهم وفصلهم، ورغم كونهم إحدى مسائل وزوايا الربيع العربي، فان لما يشغل بالهم ويؤرقهم أسبابا لا بد وأن ترى وتؤخذ بجدية تامة، لتدفع أشقاءهم الآخرين لتعزيزهم وتطمينهم، كوننا نحيا جميعا في بلدان لا بد وأن تكون ركائزها خليط من المحبة والتفاهم والعيش المشترك. م. زيد عيسى العتوم اربد – الاردن [email protected]