«مسيرة الإعلام»: مقاومة غزة ترفض التعهد بالصمت وتتخذ قرار الرد الآجل غير العاجل

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: لم تنته حالة التوتر بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال، بانتهاء «مسيرة الأعلام» الاستيطانية، التي هاجم خلالها عشرات آلاف من المستوطنين وبحماية مشددة وكبيرة من قوات الاحتلال، مدينة القدس والمسجد الأقصى، إذ أبقت المقاومة الفلسطينية المسلحة، أعين الاحتلال ترقب حدود غزة، وتتوقع تصعيدا وعمليات في القدس ومناطق التماس بالضفة الغربية، بإعلانها أن فاتورة الحساب، والرد على ذلك الهجوم لم يقفل، ورفضها إعطاء ضمانات للوسطاء، حول عدم قيامها بالرد.

وطوال أسبوع سبق المسيرة التي نظمت يوم 29 من الشهر الماضي، ظلت قوات الاحتلال تحشد قواتها العسكرية على حدود غزة، وتنصب مزيدا من بطاريات «القبة الحديدية» المضادة لصواريخ المقاومة، كما قامت بنشر المزيد من وحدات القنص، فيما دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة للضفة الغربية، كان أبرزها لمدينة القدس المحتلة، التي انتشر فيها الآلاف من أفراد الشرطة والجيش والأمن، في ظل توقعها بحدوث رد فلسطيني قوي على تلك المسيرة الاستفزازية، التي جاءت في ذكرى احتلال القدس، والتي أرد من وراءها المستوطنون تثبيت نظرية «القدس الموحدة».
لكن رغم مرور ذلك اليوم الذي ترقبته المنطقة والوسطاء والجهات الدولية التي تدخلت بهدف التهدئة، وعدم انفلات الأمور إلى مربع التصعيد العسكري، بهدوء وبدون أي ردود فلسطينية، إلا أن ذلك الأمر لم ينه حالة الاستنفار القصوى التي أعلنتها دولة الاحتلال، وفرضتها على شرطتها وقواتها العسكرية، بعد أن أبقت المقاومة على تهديداتها بالرد، من دون أن تحدد المكان أو الموعد.
وأشارت تقارير عبرية إلى وجود خشية إسرائيلية بسبب ما وصفته بـ «الصمت المطبق» من قبل قادة كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، ردا على مسيرة الأعلام التي نظمها المستوطنون المتطرفون في القدس، واستمر بسبب ذلك نشر بطاريات «القبة الحديدية» على حدود غزة، كما استمر الدفع بأعداد كبيرة من جنود الاحتلال لمناطق الضفة، والتي شهدت أيضا تصاعدا بعد المسيرة في هجمات المستوطنين، التي تعد صاعق تفجير إضافي لثورة الغضب الفلسطينية.
وجاء هذا التخوف من تجربة دولة الاحتلال السابقة مع غزة، وتحديدا العام الماضي، فجرت تلك المسيرة الاستيطانية حربا على غزة، عندما قامت المقاومة المسلحة بإطلاق رشقات على مدن إسرائيلية رفضا لتدنيس المسجد الأقصى، كما جاء التخوف الإسرائيلي، بعد الصور التي خرجت من القدس، تظهر اعتداءات المستوطنين على المواطنين، ورفعهم العلم الإسرائيلي في باحات المسجد الأقصى، وكذلك أداء «طقوس تلمودية» فيما ظهر جنود الاحتلال وهم يعتدون على النساء المعتكفات في المسجد، وعلى المصلين وسكان المدينة الذين تواجدوا قرب منطقة باب العامود والحي الإسلامي، وهي الأماكن التي جابتها المسيرة قبل الوصول إلى حائط البراق.
ويقول حسام بدران عضو المكتب السياسي لحركة حماس، إن قيادة المقاومة حكيمة وحازمة وواعية وتدرس كل الخيارات، وقال وهو يعقب على الرد على المسيرة «الرد مرتبط بكثير من الحسابات الميدانية، وليس بالضرورة أن يكون لكل حدث ذات الرد وفي نفس الساحة» وأكد أن لدى المقاومة «رؤية واضحة حول ماذا تريد ومتى تفعل».
وأوضح بدران: أن المواجهة مع الاحتلال مفتوحة، وقال «بالنسبة لنا وجود الاحتلال نفسه سبب أساسي للمقاومة وتطورها وعنفوانها واستخدامها كل ما يلزم لمواجهة الاحتلال، وكل الخيارات مفتوحة في التوقيت المناسب حسب الساحة والظروف والإمكانيات» وفهم من تصريحاته أن رد المقاومة سيكون آجلا غير عاجل.

اتصالات الوسطاء

وقد أكد الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم، أن الاتصالات مع الحركة وقصد في الفترة قبل تنظيم «مسيرة الأعلام» كانت مكثفة في ظل الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية، مؤكدًا أن حماس أبلغت الوسطاء أن الشعب الفلسطيني «لن يتسامح مع أي عدوان على مقدساته» وأوضح أن الوسطاء حاولوا الحصول على تعهد من حماس بعدم تصعيد الأمور، وقال إن ذلك رفض من الحركة، وأنه «لا يمكن الحديث عن تهدئة في ظل استمرار الاحتلال وسلوكه العدواني، وسنواصل نضالنا وجهادنا وقتالنا حتى تحرير أرضنا».
وأشار إلى أن الوساطات تتحرك للتواصل مع حركة حماس لأنها تمثل المقاومة صاحبة الحضور والقوة الفاعلة، لاستكشاف موقفها في كل ما يتعلق بالساحة الفلسطينية، وشدد الناطق باسم حماس على أن المقاومة هي صاحبة الحضور الأوضح وهي العنوان الحقيقي للشعب الفلسطيني، وكل الوساطات تدرك ذلك، وكل الاتصالات الأخيرة ناتجة عن رعب لدى الاحتلال من المقاومة، وكان واضحاً الإرباك الصهيوني في كل التفاصيل.
ونوه بأن حكومة الاحتلال انحازت للمتطرفين الصهاينة، وتعاملت باستهتار مع كل طلبات الوسطاء، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني سيواصل الجهاد والمقاومة حتى طرد الاحتلال وتطهير المقدسات، وقال إن حركته التي لها علاقات متعددة على المستوى الإقليمي والدولي، تتعامل مع الوساطات «بما يخدم أبناء شعبنا ويعزز حضور قضيتنا الفلسطينية وترسيخ معادلات المقاومة».
وجاء ذلك بعد أن أعلن طاهر النونو المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بعد ساعات من انتهاء المسيرة، أن بعض الأطراف بدأت الاتصال برئيس الحركة إسماعيل هنية من أجل العمل على احتواء الموقف، وعدم تدهور الأمور أكثر مما جرى حسب قولهم، غير أن رئيس الحركة أكد لهذه الأطراف أن ما جرى في القدس والمسجد الأقصى «لن يغتفر، وأن المقاومة ستواصل طريقها حتى اجتثاث الاحتلال عن أرضنا وقدسنا».
وأضاف النونو، بأن هنية رفض أن يعطي تعهدا أو ضمانات لأي طرف لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع داخل فلسطين المحتلة، بل إن ما جرى هو اعتداء على كل مسلم وحر في هذا العالم.
وجاء إعلان حماس هذا، في وقت أبقت فيه الفصائل المسلحة في قطاع غزة ناشطيها على أهبة الاستعداد والتأهب، حسب ما أكد مصدر مطلع لـ«القدس العربي» وذلك بعد انتهاء «مسيرة الأعلام» وحسب المصدر فقد أكد أن عدم الرد على تلك المسيرة في يوم انعقادها، لا يعني أن المقاومة ستقبل بما حدث، وأن الحوادث التي شهدتها مدينة القدس من اعتداء قوات الاحتلال على المقدسيين وعربدة المستوطنين، لن تمر من دون رد الفعل المناسب.
وأشار المصدر إلى أن اتصالات عديدة أجراها الوسطاء قبل وبعد المسيرة، لمعرفة توجه المقاومة في غزة، وأن الوسطاء حاولوا تهدئة الموقف، وأخذ رد نهائي من المقاومة بأنه لن تكون هناك ردود على ما حصل، إلا أن الأمر لم يتم، وقد جددت فصائل المقاومة للوسطاء الذين تدخلوا عبر اتصالات كثيرة، أنها لن تقبل أبدا بتغيير «قواعد الاشتباك» وأنها تنظر بخطورة كبيرة لما جرى في القدس.
وفي هذا السياق، كانت كتائب الناصر صلاح الدين، الجناح العسكري لحركة المقاومة الشعبية، وهي أحد الأذرع المسلحة في غزة، أعلنت «حالة التعبئة العامة ورفع الجهوزية الميدانية واستنفار المقاتلين» وقالت في بيان أصدرته «لن نقف مكتوفي الأيدي ونحن نشاهد مسجدنا الأقصى تدنسه قطعان المستوطنين والمتطرفين الصهاينة، وستظل أيدينا ضاغطة على الزناد استعدادًا لأي طارئ» مؤكدة أن الشعب الفلسطيني سيبقى «الدرع والسيف الذي يقطع دابر الأعداء وأعوانهم» وقالت «لن يغمض لنا جفن أو تلين لنا قناة ونحن ندافع عن مسرى رسول الله».

مخاوف إسرائيلية

ودفع ذلك قادة الاحتلال وأبرزهم وزير الجيش بني غانتس، إلى توجيه تهديدات بالقيام «ضربة قاسية» لكل من يحاول تهديد إسرائيل، وإعلان أن جيشه يستعد باستمرار لعمليات مختلفة، في مختلف الجبهات.
ولكن رغم تلك التهديدات، إلا أن إسرائيل لا تزال تتخوف من رد عسكري، يكون على غرار الحرب الماضية، برشقة صواريخ كبيرة تطلق من غزة على العديد من المناطق الإسرائيلية، ومن موجة عمليات فدائية في القدس والضفة، من شأن أي منها أن تطيح بالحكومة الائتلافية التي تتحكم فيها أحزاب اليمين المتطرف، خاصة وأن رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار، توعد بالرد القوي، في حال ارتكبت اعتداءات همجية للمستوطنين ضد المسجد الأقصى.
ولذلك عاودت دولة الاحتلال، واستكملت تمرينها العسكري الكبير «عربات النار» بعد انتهاء المسيرة، من خلال إرسال فرق عسكرية إلى قبرص للقيام بتدريبات أطلق عليها اسم «ما وراء الأفق».
وحسب ما أعلنت إسرائيل فإن الهدف من المناورات هو «تحسين جاهزية الجنود وزيادة كفاءتهم في المهام في أعماق أراضي العدو غير المألوفة» وقالت إن جميع الوحدات تشارك في المناورة ومنها الذراع البحري والبري وجناح المخابرات الإسرائيلية كجزء يحاكي مواجهة «حرب متوقعة».
وقد ذكرت تحليلات إسرائيلية أن تزامن مناورات «مركبات النار» مع المسيرة لم يكن صدفة، بل جرى التخطيط له مسبقاً وذلك سعياً لإرسال رسالة قوة لجبهة قطاع غزة حول جاهزية الجيش لأي طارئ، بالإضافة إلى استنفار الجيش بشتى تشكيلاته العسكرية وإمكانية تحويل المناورات إلى حرب حقيقية حال تدهورت الأمور بالتزامن مع المسيرة.
وقبل انطلاق المسيرة، قال هنية «لدينا خيارات عديدة لمواجهة مسيرة الأعلام ومحاولات تدنيس المسجد الأقصى». وأضاف في تصريح صحافي «جاهزون لكل السيناريوهات».
أما رئيس الدائرة السياسية في حركة الجهاد الإسلامي، الدكتور محمد الهندي، فقال إن الشعب الفلسطيني سيواجه كل مخططات الاحتلال، لافتاً إلى أن كل الاحتمالات مطروحة على الطاولة. وأضاف منذرا «الاحتلال يستهين بقدرات المقاومة، وهذه الاستهانة ستكون حسرة عليه وعلى مستوطنيه» وأكد أن إسرائيل «لا تزال تعيش حسرة ارتدادات معركة سيف القدس، وفي هذا العام ستزيد حسرتها أكثر من العام الماضي» وحين تطرق إلى الوساطات التي تبذل لمنع التصعيد في الأراضي الفلسطينية، قال الهندي إن دولة الاحتلال «لا تقيم اعتبارا للوساطات وتقيم فقط حسابات للشأن الداخلي لها وللموقف الأمريكي».
فيما أكدت الجبهة الشعبية جهوزيتها للدفاع عن المقدسات والشعب الفلسطيني «بكل الطرق والوسائل» ودعت إلى تصعيد المواجهة الشاملة مع الاحتلال ردًا على الاقتحامات الاستفزازية، وأكدت على ضرورة مواجهة هذه الاقتحامات بـ «تفجير الغضب الفلسطيني والعربي في وجه الاحتلال».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية