دمشق ـ «القدس العربي»: دفع الانهيار الاقتصادي والتدهور المعيشي الذي عاشته سوريا خلال سنوات الحرب التي شنها بشار الأسد ونظام حكمه على الشعب، إلى ابتكار مشاريع سوّقت لنظام الأسد على أنه «الراعي» لإصلاحات اجتماعية واقتصادية، لكنها في جوهرها زادت من السيطرة والتجويع.
من أبرز هذه المشاريع ما عُرف بـ«البطاقة الذكية» التي روّج لها نظام الأسد على أنها خطوة نحو العدالة في توزيع الدعم والحد من الفساد والهدر، بينما وصفها السوريون بأنها أداة لإعادة هندسة الإفقار والإذلال اليومي للمواطنين، عبر آليات محسوبة بدقة لاحتكار السلع وإجبار الناس على اللجوء للسوق السوداء.
«القدس العربي» تفتح ملف البطاقة الذكية من زاوية الواقع المعاشي، حيث كشف الباحث السياسي والاقتصادي عبد الرحمن رياض في لقاء خاص مع «القدس العربي» عن آلية تحوّل هذه الأداة من مشروع تقنين إلى منظومة استنزاف، وكيف حاول النظام من خلالها تلميع صورته وهو يفرض قيودا قاسية على أبسط مقومات الحياة، وكيف انتهت هذه التجربة بواقع مرير من الجوع والعجز والاحتكار، وصولا إلى اللحظة التي أسقطت فيها البلاد هذا النظام، لتبدأ رحلة مساءلة كل ما أُنتج في ظله من مشاريع «ذكية» بُنيت على حساب كرامة المواطن وحقه في العيش.
ما بين المعلن والمخفي
ويقول الباحث الذي تابع الملف عن كثب: بدأ مشروع البطاقة الذكية في سوريا عام 2014 من خلال شراكة بين الحكومة السورية وشركة «تكامل» حيث استُخدمت البطاقة كأداة لتوزيع المواد المدعومة، وعلى رأسها المحروقات والخبز، في محاولة للحد من الفساد وضبط التوزيع. وفي دمشق وريفها، انطلقت أولى مراحل المشروع عبر التسجيل في البلديات، واستمر ذلك لمدة ستة أشهر، تم تمديدها لاحقًا لستة أشهر إضافية، وسط إقبال متفاوت من السكان بسبب التعقيدات الفنية والإدارية.
وحول دوافع النظام السابق الحقيقية، وكيف تناقض المشروع من حيث الأهداف والنتائج، قال المتحدث: قدّم النظام السوري السابق مشروع البطاقة الذكية كخطوة «إصلاحية» أراد من خلالها أن يضفي على نفسه صورة الحاكم المنظم الساعي لتقنين الدعم وحماية الموارد، وكأن الهدف هو بناء منظومة عادلة تحارب الفساد وتحمي الفئات الفقيرة. هكذا كانت الرواية الرسمية: أن المواد المدعومة لن تُوزع عشوائيًا بعد اليوم، بل ستصل إلى مستحقيها الحقيقيين من خلال نظام ذكي شفاف، يُنهي احتكار التجار ويضبط الاستهلاك ويمنع التهريب. لكن ما بدا في البداية على أنه محاولة لتصحيح الخلل، سرعان ما انكشف على حقيقته كمشروع ريعي هندسه النظام السابق لتجميل صورته بعد سنوات من الحرب، وللتغطية على فساد أزلامه ومؤسساته الأمنية والاقتصادية، التي نهبت الموارد أمام أعين الجميع دون رقيب أو محاسبة.
واجهة لاحتكار المواد
فبدل أن يتحول المشروع إلى أداة للعدالة الاجتماعية، صار واجهة منظمة لاحتكار المواد المدعومة ورفع أسعارها تدريجيًا وبطريقة ممنهجة. لم تكن الكميات التي تقدم عبر البطاقة كافية لتغطية حاجة المواطن، بل كانت شحيحة جدا، تجبره على اللجوء إلى السوق الحر، حيث الأسعار لا تطاق.
لقد صُممت المنظومة، وفقا لوصف عبد الرحمن، بحيث يُمنح المواطن رغيفا مدعوما واحدا، بينما يُدفع مجبرا على شراء تسعة بأضعاف السعر، في مشهد يظهر كيف تحول المشروع إلى أداة من أدوات الإفقار والاستنزاف الممنهج.
غلاف مغشوش
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن النظام استطاع من خلال البطاقة الذكية أن يفرض رقابة مركزية وهمية على التوزيع، ويوثق الاستهلاك بأسلوب إحصائي رقمي، ويقنن الدعم ظاهريًا بشكل موحد بين المواطنين.
آليات لاحتكار السلع وإجبار الناس على اللجوء إلى السوق السوداء
لكن هذه «الإيجابيات» وصفها عبد الرحمن بأنها «لم تكن سوى غلافٍ مغشوش، يخفي وراءه آليات تنظيم الفقر وتحويل أبسط حقوق العيش إلى وسيلة سيطرة واستغلال سياسي واقتصادي من قبل نظام كانت أولويته بقاء السلطة لا بقاء المواطن».
ولشرح آلية عمل البطاقة الذكية، يقول رياض: كانت آلية الحصول على البطاقة ميسرة نسبيًا، إذ يُسمح بالحصول على بطاقة بديلة في حال الفقدان للمرة الأولى عبر البلدية نفسها. أما في حال الفقدان للمرة الثانية، فكان يُشترط مراجعة المركز الرئيسي في جرمانا، ودفع غرامة مالية بقيمة 5000 ليرة سورية، في وقت كان سعر صرف الدولار لا يتجاوز 500 ليرة.
مع بداية تطبيق المشروع، استمر الدعم الكامل على بعض المواد كالخبز والمازوت والغاز، لكن التغييرات الفعلية بدأت تظهر بعد عامين، حين بدأت الحكومة بفرض شروط إضافية للحصول على الدعم، مثل حرمان من يملك سيارة أو عقارا من الاستفادة من المواد المدعومة، رغم عدم وجود بدائل واقعية تعوّض عن ذلك النقص. في هذه الفترة، توسع استخدام البطاقة ليشمل توزيع السكر، الرز، الزيت، المتة، وحتى البصل والمياه المعدنية، لكن آلية التوزيع بقيت صارمة، إذ لم يكن يحق للمواطن الاستفادة من هذه المواد إلا مرة واحدة كل ثلاثة أشهر، باستثناء المتة التي أصبحت توزع شهريًا لاحقًا.
واللافت حسب الباحث الاقتصادي، أن أسعار بعض المواد كانت ترتفع خلال فترة دعمها، في ظاهرة أثارت تساؤلات بين المواطنين. فعلى سبيل المثال، وصل سعر كيلو البصل إلى 20.000 ليرة خلال فترة دعمه، لكنه تراجع إلى 5000 ليرة فقط بعد رفع الدعم عنه، مما خلق قناعة شعبية بأن هناك علاقة عكسية بين الدعم الرسمي وارتفاع الأسعار.
بالنسبة لمادة الخبز، فقد كانت تُباع في البداية بـ 200 ليرة للربطة التي تضم 6 أرغفة بوزن 700 غرام إلا أن الدعم رُفع لاحقًا عنها بالكامل (أي بعد تحرير سوريا) ليصبح سعر الربطة المدعومة 4000 ليرة، مكوّنة من 12 رغيفًا بوزن يقارب 1200 غرام.
ويضيف المتحدث: استمر في عهد النظام السابق توزيع الخبز عبر البطاقة الذكية على شكل مخصصات أسبوعية، حيث كانت العائلات المكوّنة من 5 أفراد أو أقل تحصل على ربطتين في الأسبوع، بينما يحق للعائلات التي يزيد عدد أفرادها عن 6، ربطتان يوميًا، دون النظر للعدد الفعلي.
أما في ما يخص المحروقات، فقد كان الدعم مستمرا ـ وإن بشكل رمزي ـ على المازوت والغاز، حيث بقي سعر ليتر المازوت عبر البطاقة الذكية يتراوح بين 2000 و3000 ليرة، في حين بلغ سعره في السوق الحر أكثر من 22.000 ليرة في بعض الفترات في الشتاء القارس.
وكانت هناك فروق واضحة في أسعار المازوت حسب الغرض، إذ إن المازوت المخصص للتدفئة المنزلية يوزع بسعر مدعوم عبر البطاقة، بينما كانت شركات النقل والخدمات تحتاج إلى تقديم وثائق ومعاملات تثبت ملكية السيارات لها، حتى تحصل على سعر وسطي مثل 11.000 ليرة لليتر، في حين كان السعر في السوق الحر يتراوح بين 14.000 و22.000 ليرة.
التعامل مع المحروقات
كما بلغ سعر جرة الغاز 10.000 ليرة عبر البطاقة الذكية، وكان من المقرر أن تُصبح بسعر 30.000 ليرة عند الانتقال إلى نظام البطاقة البنكية. لكن هذا النظام لم يُفعّل قط، إذ كان موعد إطلاقه الرسمي 31/12/2024، وهو التاريخ الذي تزامن مع سقوط النظام السابق، ما أدى إلى توقف الإجراءات المتعلقة به، دون أن يدخل حيّز التنفيذ فعليًا.
في سياق التعامل مع أزمة المحروقات، لجأت نسبة كبيرة من الأسر إلى استخدام الحطب بديلًا للمازوت، رغم تكلفته العالية، إذ بلغ الاستهلاك الوسطي لعائلة متوسطة 100 كيلوغرام من الحطب خلال الشتاء لأغراض التدفئة فقط، ويُضاف إليها 100 كيلو أخرى في حال استخدامه لتسخين مياه الحمام. سعر الكيلو الواحد بلغ 4000 ليرة، في حين كانت بعض الجمعيات الخيرية تقدم للعائلات 12 كيلوغرامًا سنويًا فقط، بسعر 1000 ليرة للكيلو، وهي كمية غير كافية سوى ليوم أو يومين على الأكثر.
دعم نظري أو محدود
كما أن الكهرباء لم تكن بديلا فعالا، حيث كانت تصل إلى المنازل كل سبع ساعات لمدة تتراوح بين ربع إلى نصف ساعة فقط، ما جعل الاعتماد عليها في التدفئة أو تسخين المياه غير واقعي.
مع نهاية عام 2024، بدا واضحا أن مشروع البطاقة الذكية قد فقد فعاليته الحقيقية، وتحول من أداة دعم إلى وسيلة تقييد. أما البطاقة البنكية، فرغم ما أُشيع حولها من روايات، كأن تكون وسيلة للحصول على دعم شهري من دول الخليج يصل إلى ثلاثة ملايين ليرة، فإنها لم ترَ النور فعليا، وربما كانت مجرد محاولة لدفع الناس إلى فتح حسابات بنكية، وهو ما اعتبره البعض تهديدا مبطنا لاستفادة النظام السابق ماديا من رسوم التفعيل وغيرها، خاصة بعد أن أعلنت الحكومة أن من لا يفتح حسابًا بنكيًا ستُلغى بطاقته الذكية تلقائيًا.
في النهاية، استمر العمل بالبطاقة الذكية في ظل تراجع تدريجي لمحتواها ودورها، إلى أن أصبح معظم الدعم نظريا أو محدودا جدا، وبقيت فقط كأداة تنظيم شكلية حتى لحظة سقوط النظام في أواخر عام 2024.
a