غزة – “القدس العربي”:
بعد غياب دام لأشهر طويلة، وانتظار ليومين في العراء وتحت درجات حرارة باردة يراقبون فيها الطريق، عادت أعداد كبيرة من سكان غزة النازحين إلى مناطق الشمال، تاركين خلفهم مناطق النزوح في الوسط والجنوب، ليعيشوا فصولا جديدة على أطلال السكن القديم، مليئة بالألم ومشقة الحياة.
سيول بشرية
ولم تمض سوى لحظات على انسحاب قوات الاحتلال من منطقة شارع “الرشيد” الساحلي، الواقع في نطاق “محور نتساريم”، الذي يفصل شمال غزة عن جنوبه، عند الساعة السابعة والنصف من صبيحة الاثنين، حتى تدفق سيل بشري كبير من المواطنين، الذين كانوا على مدار اليومين الماضيين يرقبون الطريق، من اعلى نقطة قريبة “تبة النويري”، وساروا باتجاه الطريق المؤدية إلى مدينة غزة، وهي ذات الطريق التي سلكها الكثير منهم قبل عام وأكثر، خلال رحلة النزوح الأولى.

وتحامل النازحون العائدون مشيا على الأقدام إلى الشمال، وبينهم أطفال ونساء وكبار في السن على أنفسهم، وقطعوا مسافة طويلة من الطريق الساحلي، وهم يحملون أمتعتهم وأطفالهم الرضع، ويسيرون في شارع غير معبد، تعتليه في كثير من المقاطع الرمال، لكن رغم الصعوبة والمشقة، ساروا وقطعوا طريق “محور نتساريم”، وعلى مقربة منهم تقف آليات عسكرية إسرائيلية، حتى وصلوا إلى مدينة غزة.
وقد تعمدت قوات الاحتلال خلال فترة التوغلات البرية السابقة، ومع توسيع رقعة “محور نتساريم” تدمير الطريق الساحلي بشكل ممنهج، وحولت طريقه المعبد إلى كثبان من الرمال.
صاحب بداية رحلة العودة التكبيرات التي يصدح بها يوم العيد
ومع بداية عملية العودة ووصول الأخبار للنازحين بإمكانية الانطلاق في الرحلة الشاقة، تدفق المواطنون في مشهد أشبه بالحجيج يوم النزول من جبل عرفات في يوم الحج الأعظم، وقد صاحب بداية رحلة العودة التكبيرات التي يصدح بها يوم العيد.
ورغم مشاعر الألم التي عاشوها طوال فترة الحرب الماضية، وعلمهم بمشقة الطريق الوعرة وطول المسافة، إلا أن العائدين عبروا عن اشتياقهم للحظة الوصول إلى مكان السكن قبل النزوح، رغم أن الكثير منهم يعلم أن منزله أو منطقة سكنه قد دمرت بالكامل، خاصة أولئك العائدين إلى بلدات شمال قطاع غزة، وإلى أحياء مدينة غزة التي طالها التوغل البري، ومنها الشجاعية وتل الهوا وغيرها الكثير.
يبحث الجنرالات عن خطتهم..
وفي الصورة مشهد العودة إلى شمال غزة..
العودة الأولى في تاريخ فلسطين pic.twitter.com/iGS1aQRozX— صُهيب العصا | SUHEIB ALASSA (@SuAlassa) January 27, 2025
رحلة شاقة
أحمد الشيخ (46 عاما)، أحد النازحين العائدين سيرا على الأقدام، كان يحمل على كتفه كيسا بلاستيكيا كبيرا، وضع فيه أمتعة أسرته، فيما تجمعت أسرته من حوله، يجمل أفرادها حقائب وأكياسا بلاستيكية مليئة بالملابس والأغراض الأخرى، وعلى عجالة وخلال رحلة السير باتجاه القاطع الجنوبي للمحور، قال لـ “القدس العربي”: “تعبنا، كثير من النزوح، دخلنا الشهر الـ 16 وإحنا من مكان لمكان”، وكان يصف أحواله وأسرته خلال فترة الحرب الماضية.
وهذا الرجل يقول إنه قد نزح سبع مرات خلال فترة الحرب، متنقلا ما بين وسط وجنوب القطاع، أقام خلالها في مراكز إيواء، وفي خيام النازحين، ويشير إلى أنه سيعود للسكن في منزله في مدينة غزة، الذي طاله دمار بليغ، وأنه سيبدأ على الفور بإزالة الركام لو من غرفة واحدة، تتسع لإقامة أسرته هناك، وقد عبر عن اشتياقه للعودة.

وكغيره كان هذا الرجل ممن أقاموا طوال اليومين الماضيين على مشارف المحور، وتحديدا على مقربة من “تبة النويري”، ينتظر العودة، بعد أن أخلت إسرائيل بالاتفاق، وحرمتهم من ذلك يوم السبت الماضي.
وقالت عبلة (58 عاما)، العائدة من رحلة النزوح الطويلة لـ”القدس العربي”: “عشنا أشهر كلها تعب في تعب”، وقد تحدثت عن صعوبة العيش المرير في خيام النزوح في مواصي خان يونس طوال الثمانية أشهر الأخيرة، بعد أن اضطرت لمغادرة مدينة رفح، وقالت “من يوم خروجنا حتى هذا اليوم، ما شفنا (لم نعش) ولا يوم راحة، تعب في الخبز وتعب في الطبيخ وتعب في احضار المي (المياه)”، وجميعها أعمال تحتاج إلى مشقة من النازحين لتدبيرها، بسبب ظروف الحياة الصعبة.
دموع الفرح في اللقاء الأول بين أفراد عائلة فلسطينية تفرقوا عن بعضهم بين شمال وجنوب القطاع خلال حرب الإبادة. pic.twitter.com/tTNUicjp20
— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) January 27, 2025
وأضافت هذه السيدة التي قالت إن منزلها في منطقة جباليا تعرض للتدمير الكلي خلال الاجتياح الأخير، إنها وعائلتها التي تسير برفقها قررت العودة والعيش هناك، وقالت “الظروف كلها زي بعض (مثل بعضها البعض)، خلينا نرجع لديارنا، خيمة في الجنوب وخيمة في الشمال”.
وقد أشارت هذه السيدة إلى أنها نزحت بقسم كبير من عائلتها من شمال القطاع، بعد شهرين من الحرب، وتحديدا بعد تصعيد العمليات العسكرية ضدهم هناك، وطلب جيش الاحتلال نزوحهم إلى جنوب وادي غزة، إذ تركت خلفها أفرادا من اسرتها، حيث رفض وقتها أحد أبنائها وأسرته النزوح، وقرر النزوح وقتها إلى مدينة غزة، والبقاء فيها يعاني مرارة الحياة، وقد عبرت عن لهفتها لرؤيته بعد الغياب الطويل، واحتضان أحفادها.
اضطرت العوائل لسلوك الطريق الساحلي “الرشيد” مشيا على الأقدام، لعدم توفر العربات والشاحنات الكافية لنقل جميع النازحين للشمال من الطريق الرئيس “صلاح الدين”
واضطرت العوائل لسلوك الطريق الساحلي “الرشيد” مشيا على الأقدام، لعدم توفر العربات والشاحنات الكافية لنقل جميع النازحين للشمال من الطريق الرئيس “صلاح الدين”، ولعدم امتلاكها المال اللازم لرحلة العودة على متن تلك العربات والشاحنات، والتي تحتاج بالمتوسط إلى ما يزيد عن الـ 200 دولار، وشوهد في ذلك الطريق الساحلي الكثير من كبار السن، الذين حملوا على كراس متحركة، لعدم قدرتهم على المشي، وآخرين كانوا يتكئون على عكاز طبي، بسبب إصابة في القدم جراء غارات سابقة على مناطق النزوح.
وانتشرت على طول الطريق عربات اسعاف ونقاط طبية، لمساعدة العائدين خاصة المرضى، في حال حدوث أي طارئ، خاصة وأن الكثير منهم من ذوي الأمراض المزمنة.
وفي ذلك الطريق الساحلي الطويل، الذي أنهك الكبار قبل الصغار في رحلة العودة، اضطر أحمد زيدان لحمل طفله ذي الأربعة أعوام، بين ذراعيه، فيما علق على ظهره حقيبة كبيرة فيها شيئا من أمتعة العائلة، وقال بلهفة “شعور لا يوصف بدي أرجع على البيت بعد غياب طويل”، وهذا الرجل يقول إن منزله لم يدمر في الحرب، وطاله بعض الأضرار.

فلسطينيون يعودون إلى منازلهم في شمال غزة
فشل مخطط التهجير
وبصوت متقطع من شدة التعب والمشي، قال المسن محمد حسان الذي فقد منزله في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، خلال العمليات العسكرية البرية لجيش الاحتلال “مش مهم المهم نرجع”، وتحدث لـ “القدس العربي” عن خططه القادمة للسكن، والإقامة في غرفة بمنزل العائلة القديم، وأضاف “أحسن من النزوح والسكن في الخيام”، وقد تحدث كغيره عن قصص العيش الصعب طوال فترة النزوح الماضية، والتي تنقل فيها 10 مرات بسبب الهجمات الحربية، والتي كادت تبيد عائلته التي كانت برفقته، حيث أصيبت بجراح متفاوتة، في الغارات على مناطق النزوح جنوب غزة.
وسألت “القدس العربي” هذا النازح العائد، إن كان قد سمع عن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول تهجير سكان القطاع إلى كل من مصر والأردن، فقال “ما بهاجر وما بترك غزة، الاحتلال الي لازم (يجب أن) يرحل عنا”، وهنا قاطعته زوجته بالقول “لا حنرحل الآن ولا بعدين، إذا هو بدو يرحل عن أرضه (ترامب) يرحل، إحنا ما بننتقل من فوق أرض غزة إلى تحت”، وكانت تشير إلى أنها لن تترك غزة إلا في حالة موتها ودفنها في أرضها.
غزة.. حكاية شعب لا يُهزم pic.twitter.com/ONYS6sbuCK
— أنس الشريف Anas Al-Sharif (@AnasAlSharif0) January 27, 2025
هذا وقد اضطر العائدون لقطع مسافة أقلها 10 كيلو مترات، فيما اضطر العائدون لمناطق شمال القطاع، للسير إلى أكثر من 25 كيلو مترا.
وخشية من مشقة الطريق، وعلى ضياع الأطفال من أسرهم بسبب التزاحم، انتشرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو الأسر العائدة إلى كتابة أسماء الأطفال ورقم اتصال في ورقة توضع في جيوبهم، للتواصل مع ذويهم في حالة فقدانهم.
غزة ترحب بكم
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي جرى تناقل صورة لشاب وهو يحمل أمتعته ويسير بين جموع العائدين إلى الشمال، وبين يديه لافته كتب عليها “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”.
في المقابل، وبعد ساعتين من فتح الطريق الساحلي، لعودة النازحين سيرا على الأقدام، وبعد تأخير امتد لساعات، انسحبت دبابات إسرائيلية إلى جانب طريق “صلاح الدين”، وسمحت للعربات والشاحنات التي تقل النازحين العائدين للشمال بقطع هذه الطريق الذي حرم على حركة المركبات منذ الشهر الأول للحرب، حيث دخلت مئات العربات والشاحنات وهي تقل على ظهورها وفي صناديقها الخلفية عشرات المواطنين والأمتعة والخيام، للإقامة في مناطق السكن القديمة في الشمال، رغم أن الكثير منهم إما دمر منزله أو تعرض للتدمير الكبير والبليغ، حيث قرروا كباقي النازحين معايشة رحلة النزوح والإقامة في الخيام أو مراكز الإيواء، القريبة من مناطق سكنهم.

وعلى مدخل مدينة غزة علقت لافتة كبيرة كتب عليها “غزة ترحب بكم”، فيما وضعت لافتة أخرى على أحد المنازل التي تعرضت للتدمير في الطريق الساحلي لمدينة غزة، كتب عليها إلى جانب عبارة الترحيب “شكرا لصمودكم، تقبل الله رباطكم، وتقلقش حنعمرها”، فيما بكى الكثير من النازحين لحظة وصولهم إلى المدينة، وإلى مناطق سكنهم التي أصبحت أثرا بعد عين، فيما تعالت الصيحات والبكاء وسط عناق شديد، حين تمكنت الكثير من العوائل للالتئام للمرة الأولى منذ بداية الحرب، والتي فصلت ما بينها وجعلت منها من يقيم نازحا في مناطق الشمال وآخرين في الوسط والجنوب.
دموع العودة
وقال الشاب أمجد، الذي التقى بأسرته العائدة من جنوب قطاع غزة بعد غياب طويل “شعوري لا يوصف اليوم، أبوي وأمي وأخواتي شفتهم من جديد”، وهذا الشاب الذي انتظر عائلته على مدخل مدينة غزة، قال إنهم سيسرون حتى شمال المدينة حيث مكان سكن الأسرة السابق، فيما روت والدته بعد أن احتضنت نجلها طويلا وقد غمرت الدموع أعينها لـ”القدس العربي”، مشقة طريق العودة، ومن قبل فترة النزوح وآلام الفراق، وختمت والدموع تفيض من عينيها “الحمد لله اني شفت ابني”، لافتة إلى أنها شاهدت مناظر على جانبي طريق العودة، تدلل على حجم الدمار الكبير الذي لحق بمدينة غزة، كما قالت إنها في فترات سابقة قطعت الامل بإمكانية العودة للشمال.
