كنا في الطريق من الملعب إلى الجميلية عندما اعترضنا حاجز عسكري. طلبوا الهويات ثم رخصة القيادة من مضيفي. ومدّ العسكري رأسه من النافذة، وتأملني بعينين نفاذتين كأنه محكمة تفتيش. لم أعرف ماذا يتوقع أن يرى في رأسي؟ كانت أفكاري كلها مثل غمامة. مجرد ضباب بسبب النعاس والإرهاق والخسارة أيضا. فالحظ لم يواتيني الليلة على كل المحاور. لا زهر الطاولة ولا الطرنيب. في النهاية أشار لنا بمصباح في يده لنتابع.
دخلنا من تحت جسر الملعب، ولم يكن يسمع غير صوت دوي المحرك. تأملت القمر من خلف الزجاج، أصفر كريميا بلون القشدة وممتلئا بشحنة من الحزن التي نشترك بها جميعا، وهنا قاطع مضيفي هذه التأملات وسأل: عاشق؟
لم أرد.. ثم نفخت من أعماق قلبي، وأطلقت سراح ضحكة ليس لها معنى. عاشق ماذا؟ وهل في الحرب شيء تحبه. كنا في السيارة ثلاثة. أنا وآدم السائق، وهو زميل خدمة العلم لكن ليس السنوات الأساسية بل الاحتياط. ومضيفنا ميمو، وهو ابن تاجر خردة، تعرفنا عليه أيام الاحتياط كذلك.. كنا نزور متجر والده، ونشتري لوازمنا بالقروش القليلة التي يكرمون بها. الخدمة في الجيش عذاب، كنا في مستوى أشجار الصبار، مكتوب علينا التأقلم، السرير يشبه التابوت، والغرفة مثل حذاء ضيق، وكل شيء ممنوع، حتى الموت رفاهية. وكلمات المدرب لا تزال ترن في رأسي: أنت ملك الوطن، ولكن لحينه لم أحل لغز هذه الكلمات.. هل الوطن تاجر ونحن رأسماله مثلا؟ لماذا لا يقول أنتم أبناء هذه الأرض، أو أنتم حماة الديار؟
٭ ٭ ٭
تابعت السيارة طريقها، وألقيت رأسي على ظهر المقعد، كانت السماء تطير فوقنا بهدوء لا يعكر صفوها شيء، لا غيوم ولا نجوم.. سماء غريبة من نوعها تباري بهيئتها صفحة الزيت الأسود. لها لمعان خفيف مع إيحاءات بأشياء كثيرة وراءها. ترى ماذا يوجد بعد ذلك؟ ثم لمحت حاجزا آخر، وخففت السيارة من سرعتها للتفتيش، لكن العسكري أشار بمصباحه اليدوي لنتابع.
وهنا قال ميمو بتهكم: يبدو أن الأحوال اليوم أمان..
لم أعرف لمن يوجه كلامه، لي أم لآدم الذي تولى القيادة، ولم يكلف أحد منا عناء الرد. أنا من ناحيتي حاولت أن أفتح النافذة قليلا لتغيير الجو، كان الهواء يبدو أثقل من أفكارنا الحزينة، وماذا تتوقع من بلد منكوب؟ كل شيء سيكون أثقل من الحديد. غير أن الزجاج لم يتحرك وبقي بمكانه كأنه جدار شفاف. ولاحظ ميمو ارتباكي فابتسم ومد يده وقال: لو سمحت، ثم ضغط على زر في الباب، وبدأ الجدار يهبط.
٭ ٭ ٭
لم أكن آمل أن يفتح كل النافذة، فقط لسنتمتر أو اثنين، فالجو بارد. كنا في الخريف والهواء بعد الغروب أمضى من حد السيف. كنا نقول عنه صناعة روسية، ونضيف: جاء الروس ومعهم هواء سيبيريا. ثم ننفجر بالضحك. طبعا كانت الدبابات الروسية في كل مكان. أمام بيت ميمو شاهدنا، ونحن نغادر، مدرعة ترفع العلم الروسي، وقال ميمو للعسكري (زرادسفيتييه (مرحبا، فرد عليه بابتسامة. أخيرا بشكل أتوماتيكي ضغطت على الزر، فارتفع الزجاج، وبدأت أعرف كيف أتحكم به.
٭ ٭ ٭
عند بستان الزهرة واجهتنا أول قافلة عسكرية. عدة سيارات جيب وشاحنة مموهة في طريقها إلى الميدان، ثم سيارة نصف نقل حملت البيكاسي. وكان حزام الرصاص يتدلى منه، وهو يلمع تحت أنوار المركبات المتتالية، لمعة حزينة وبريئة. وانتشر تيار في داخلي بسرعة ومضة، شيء لا يمكن أن تسميه، ولكن تشعر به. واشتعل رأسي بعدة أفكار يغلب عليها الحنين مثل شموع عيد ميلاد. ترى ماذا بعد هذه الحرب؟ وهل سننجو؟ الليلة قلبنا صفحة من أعمارنا. هل سنفتح صفحة جديدة في الغد؟ واختلطت هذه المشاعر في أرجاء قلبي، ولم أكن متأكدا أن ما أتكلم عنه حقيقة أم هو مجرد هلوسة. لماذا يقود آدم سيارة ميمو. وماذا كنا نفعل في بيته أصلا؟ ولأتغلب على هذه الأفكار المحيرة ركزت نظراتي على المركبات. رأيت أنها بطيئة، وتزحف أمامنا على الأرض. ولها هيئة مركبات الفضاء. وكان هناك عسكري بلا غطاء رأس يرسل لها إشارات غير مفهومة من مصباحه اليدوي. وانتبهت إلى أن وراءه شجرة نخيل هندي، وأوراقها محروقة. هل حصدها الجيش لإشعال نار التدفئة أم أصابتها قذيفة؟ ولم يكن هذا السؤال عادلا. فالحرب كلها مفاجآت واستثناءات.
٭ كاتب سوري