قالت مصادر أمنية إن التواجد العسكري لإيران في العراق يشكل تهديداً على أمن الدولة. بدأت إيران في تعزيز المليشيات الخاضعة لها في العراق في أعقاب تزايد الهجمات ضد أهداف لها في سوريا، وبعد عودة بشار الأسد إلى السيطرة على معظم أراضي الدولة.
بسبب الجهود الإسرائيلية التي استهدفت إحباط محاولات إيران لأن تدخل إلى سوريا وسائل قتالية متطورة وقوات جوية وبحرية، تعود إيران إلى الطريقة التي عملت بها في السابق في العراق، بواسطة المليشيات. هكذا تأمل أن تضع صعوبات أمام نشاطات إسرائيل.
في تقدير الاستخبارات الإسرائيلية عام 2017، جاء أن إيران تجد صعوبة حقيقية في التمركز العسكري في سوريا، لكنها لم تتنازل بعد عن نيتها في “خلق هيمنة إقليمية بواسطة تحالفات تمتد من إيران ومروراً بالعراق وسوريا وانتهاء بلبنان”. مع ذلك، أوضحت المصادر الأمنية بأن “إيران اضطرت إلى إعادة حساباتها من جديد بشأن النهج الذي تحاول فيه تحقيق حلمها في المنطقة”. وحسب هذه المصادر، اعتقدت إيران في إطار إعادة الحسابات أن الوضع في العراق يمنحها فرصة أفضل لتحقيق خططها في المنطقة.
صحيفة “الشرق الأوسط” الصادرة في لندن نسبت أمس لإسرائيل عدداً من الهجمات بالعراق في الشهر الماضي. وحسب الصحيفة، استهدفت هذه الهجمات، ضمن أمور أخرى، المس بنظام الصواريخ الذي نقلته إيران إلى العراق. في أجهزة الأمن في إسرائيل شخصوا أن إيران تنقل إلى العراق معظم جهود التطوير لهذا النظام. هذا بعد أن طورت قدرات صواريخها من جهة المدى والدقة.
حسب تقديرات أجهزة الاستخبارات، فإن إيران تنقل الآن إلى العراق صواريخ بمدى 200 – 700 كم، قادرة على ضرب كل منطقة في إسرائيل. هذه الصواريخ ذات قدرة ودقة عالية أكثر من التي توجد الآن لدى حزب الله. تخطط إيران لاستخدام هذه الصواريخ ضد إسرائيل من شمال العراق، ثم نقلها عند الحاجة إلى سوريا ولبنان. تستثمر إيران معظم جهودها لتعزيز نظام صواريخها لأنها تعتقد أن سلاحها الجوي ومدرعاتها لن تنجح في مواجهة القوات الغربية.
حسب منشورات أجنبية، أمس، فإن الهجمات التي نسبت لإسرائيل كانت في شمال شرق العراق ودمرت مخازن سلاح وصواريخ في قواعد تواجد فيها مستشارون إيرانيون. قبل أسبوعين تقريباً نشر أنه في هجمات طائرات مسيرة في العراق قتل أعضاء من حرس الثورة الإيراني ومقاتلين من حزب الله. حسب هذه المنشورات كان الهجوم على قاعدة تم تخزين صواريخ إيرانية فيها خصصت للمليشيات العراقية الخاضعة لإيران. هذه المنشورات تضاف إلى عدد من التقارير في وسائل الإعلام الأجنبية عن هجمات في العراق نسب جزء منها لإسرائيل. في هذه المرحلة، تحافظ إسرائيل على الصمت في كل ما يتعلق بما يحدث في العراق باستثناء فيلم قصير نشره حزب الليكود، يَظهر فيه خطاب قديم لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة، قال فيه: “سنعمل ضدكم في العراق وسنعمل ضدكم في أي مكان من أجل الدفاع عن شعبنا”. الفيلم القصير نشر مرة أخرى بعد ثلاثة أيام على الهجوم الذي وقع قبل أسبوعين على قاعدة في محافظة صلاح الدين في العراق والذي قتل فيه مقاتلون إيرانيون. هكذا يمكن أن نفهم ذلك كرمز بأن إسرائيل هي التي تقف كما يبدو وراء الهجوم الأخير.
مع ذلك، حرية عمل إسرائيل في العراق تختلف عن حرية عملها في سوريا. صحيح أن إسرائيل تملك قدرات عملياتية لمهاجمة العراق، لكن من شأنها أن تتصادم بمشكلة من قبل الولايات المتحدة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معني بإعادة الهدوء إلى العراق في أسرع وقت. وكل هجوم في العراق يهز الاستقرار ويبعد المستثمرين الأجانب والدول المستعدة لتعزيز اقتصاد العراق. لهذا السبب يعد العراق الدولة الوحيدة التي يغمض ترامب عينيه عنها في الوقت الذي تحافظ فيه على الاتجار مع إيران رغم العقوبات. مؤخراً، زادت طائرات التجسس الأمريكية نشاطها في منطقة الحدود بين العراق وسوريا. وربما هذه هي الطريقة الأمريكية من أجل التوضيح لإسرائيل بأنهم سيزيدون الرقابة على ما يحدث في المنطقة وعلى مرور وسائل قتالية متطورة لحزب الله والمليشيات في العراق وسوريا. إضافة إلى ذلك، ربما بدأت الولايات المتحدة في العمل ضد التمركز الإيراني في العراق خشية من أن تتضرر هي نفسها في المستقبل من المليشيات الشيعية.
المليشيات الشيعية في العراق هي اللبنة الثانية لتمركز إيران في الدولة، إضافة إلى نظام الصواريخ. الوضع الاقتصادي الصعب والتطرف الديني في الدول العربية مكنت إيران من تجنيد متطوعين للمليشيات بالدعم والتمويل. عن طريق استخدام المليشيات، يمكن لإيران تنفيذ نشاطات عسكرية دون تحمل المسؤولية عن ذلك. ارتبطت إيران بالمليشيات في العراق في الثمانينيات والتسعينيات، لكن قوتها العسكرية أصبحت مهمة أكثر مع التطور التكنولوجي وتعزيز القوة السياسية لهذه المليشيات. الإيرانيون يمنحون هذه القوات الدعم العسكري والاقتصادي واللوجستي والروحي والديني أيضاً. في المقابل، ستقف المليشيات إلى جانب إيران حسب الطلب. وحسب مصدر أمني كبير في إسرائيل فإن هذه المليشيات ستصل إلى حدود لبنان وسوريا للمشاركة في القتال ضد إسرائيل. ومؤخراً، تناول هذا الموضوع أيضاً معهد “دادو”، وهو مركز المعلومات للجيش الإسرائيلي، الذي ظهر في أبحاثه أنه يجب على إسرائيل أن تركز على أهمية المليشيات في القتال.
المليشيا الأقوى التي تعمل برعاية إيران هي حزب الله، الذي يعمل بحسب النموذج الذي كان الإيرانيون يريدون تشكيله في كل الدول التي تريد إيران التمركز فيها. منذ عام 2014 عمل في العراق نظام مليشيات شيعية تسيطر عليها تنظيمات تحت سيطرة إيران – قوات الحشد الشعبي. نظام المليشيات هذا هو الثاني من حيث الأهمية بالنسبة لإيران بعد حزب الله. من وراء توحيد الميليشيات في جهاز واحد، يقف آية الله علي السيستاني، الزعيم الروحي للشيعة الذي هو من مواليد إيران.
المليشيا الأقوى في الحشد الشعبي هي منظمة بدر التي تضم حسب التقديرات 50 ألف مقاتل. ولديها ذراع سياسي وذراع عسكري بتمويل وتوجيه من إيران. ويترأس هذه المليشيا المقرب من قائد قوة القدس في حرس الثورة، قاسم سليماني، هادي الأميري، الذي شغل منصب وزير المواصلات في العراق، ورجاله سيطروا أيضاً على وزارة الداخلية. في موازاة القتال إلى جانب إيران، بدر تعاون مع الولايات المتحدة في الحرب ضد داعش.
منظمة مهمة أخرى في الحشد الشعبي هي “كتائب حزب الله”، ومؤسسها مهدي المهندس، العراقي الشيعي الذي اجتاز تدريبات في إيران بهدف تشكيل تنظيم عسكري في العراق يشبه من حيث عمله “قوة القدس”. المهندس مقرب جداً من سليماني، وقد أعلن في السابق أنه على استعداد للقتال إلى جانب إيران. الإيرانيون يوفرون لتنظيمه التدريب والاستشارة والصواريخ المتقدمة ووسائل استخبارية، ويمنحون تأهيلاً مهنياً لرجاله.
مليشيا أخرى تعمل في العراق برعاية إيران هي “عصائب أهل الحق”، التي وقف رجالها وراء الهجوم على قوات أمريكية في العراق. كبار رجال “عصائب الحق” مقربون جداً من زعماء حزب الله الذي يشارك في تدريبات المنظمة. إيران تمول المنظمة بملايين الدولارات شهرياً. رؤساء “عصائب الحق” اعتقلوا في السابق مع شخصيات كبيرة في حزب الله في عملية لقوات الكوماندو البريطانية، لكن تم إطلاق سراحهم في صفقة لتبادل الأسرى في عام 2011 وعادوا إلى العراق.
بقلم: ينيف كوفوفيتش
هآرتس 31/7/2019