مصر… أم الفنون الجميلة

يبدو أن نظرة العلماء إلى الفن تختلف، إذ يراه بعضهم ضرورة حياتيّة للإنسان كالماء والهواء، ويراه بعضهم ترجمة فقط لمشاعر وأحاسيس تَرِد في ذهنه، وليس تعبيرا عن حاجته. وإذا كان الفن ضروريا بالنسبة للإنسان على المستوى الفردي، فهو بالأحرى ضروريّ على مستوى الأمم والشعوب الإنسانية.
يقول الرسام البريطاني جون راسكين إن الأمم العظيمة تكتب سِيَرها في ثلاثة كتب: كتاب الوثائق، كتاب الفكر، وكتاب الفنون، ولا يُفْهم أيٌّ منها إلا بعد قراءة الكتابين الآخرين. لكن أصدقها وأحقها بالثقة هو الكتاب الأخير، كتاب الفنون.
بالطبع ينطلق راسكين في مقولته هذه من حقيقة مؤكدة مفادها أن الأمم والشعوب لا تُقاس قيمتها ولا تأثيرها في هذه الحياة إلا بمقدار رصيدها من الفن بشتى أنواعه وأجناسه، الفن الذي يسمو ببعض الأمم، إن كان متواجدا بفاعلية، والذي يُهيل التراب على بعضها، حين تفتقر إليه، وإلى الفنانين المبدعين الذين يضعون لها خريطة الطريق ويرسمونها بأقلامهم وبريشتهم وبأفكارهم الولود، التي تنبني الأمم عليها، وعليها تقتات مكانتها التي تليق بها وسط بقية الأمم. والفن، مثلما يرى الأديب الإنكليزي كلايف بل، هو كشمس تدفئ بذرة صالحة في ترْبةٍ صالحةٍ، متيحة لها أن تؤتي ثمارا صالحة. وهل يجد الفن تربة صالحة أفضل من مصر التي يقول عنها المفكر الفرنسي جان جاك روسو، في أحد كتبه المهمة «رسالة في العلوم والفنون»: انظروا إلى مصر، هذه المدرسة الأولى في الكون، هذا المناخ الخصب تحت تلك السماء الصافية، وذلك البلد المجيد الذي كان ملوكه ينطلقون في زمن سابق لغزو العالم. لقد صارت مصر أم الفلسفة والفنون الجميلة.
وفي بحثٍ له، يؤكد محمد زكريا توفيق، أن اليونانيين قد تعلَّموا في مدارس المصريين وعلى أيدي كهنتهم. ثم نقلوا علومهم إلى العالم الغربي وبقية المعمورة. لذلك، دراسة الحضارة المصرية القديمة، ومنها الفن المصري القديم، لها أهميتها البالغة، لفَهْم جذورنا الحضارية بصفة خاصة، وفهم الحضارة الغربية الحديثة بصفة عامة، وهي حضارة بدأت بذورها في مصر هبة النيل. هذا ومن يقرأ التاريخ المصري، يجد أن مصر هي أكثر بقعة في العالم إخراجا للفنانين الموهوبين. وها هو المصري القديم الذي برع في فن العمارة حتى أصبح أفخم الفنون المصرية على الإطلاق. وقد بدأ هذا الفن، كما تذكر موسوعة ويكيبيديا، بداية متواضعة بتزيين المقابر ونقش الوجهة الخارجية لجدران المنازل. وكانت مساكن كثيرة تبنى من الطين، تتخللها في بعض الأحيان أعمال بسيطة من الخشب (كالنوافذ الشبكية اليابانية أو الأبواب الجميلة الحفر) والسُّقُف المقامة على جذوع النخل السهلة العلاج.

ن هنا نجد أن الفن، والقول لأحد المؤرخين، كان أعظم عناصر الحضارة المصرية القديمة؛ فنحن نجد في هذه البلاد، وفي عهد يكاد يكون عهد بداية الحضارات، فنا قويا ناضجا أرقى من فن أي دولة حديثة، ولا يضارعه إلا فن اليونان.

وكان يحيط بالدار عادة سور يضم فناء، يصعد منه درج إلى سطح البيت؛ ومنه ينزل السكان إلى الحجرات. وكان للموسرين من الأهليين حدائق خاصة يعنون بتنسيقها؛ وكان في الحواضر حدائق عامة للفقراء، ولا يكاد يخلو بيت من أزهار الزينة. وكانت جدران المنزل تُزين من الداخل بحُصر ملوّنة، وتفرش أرضه بالطنافس.
من هنا نجد أن الفن، والقول لأحد المؤرخين، كان أعظم عناصر الحضارة المصرية القديمة؛ فنحن نجد في هذه البلاد، وفي عهد يكاد يكون عهد بداية الحضارات، فنا قويا ناضجا أرقى من فن أي دولة حديثة، ولا يضارعه إلا فن اليونان. لقد كان ما امتازت به مصر، في أول عهودها من عزلة وسِلْم، ثم ما تدفق فيها بعدئذ من مغانم الظلم والحرب في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، ما أتاح لها الفرصة المواتية والوسائل الكفيلة بتشييد المباني الضخمة، ونحت التماثيل المتينة، والبراعة في عدة فنون أخرى صغيرة، كادت تبلغ حد الكمال في هذا العهد السحيق. وإن المرء ليقف حائرا مشدوها لا يكاد يصدق ما وضعه الباحثون من نظريات لتطور الرقي البشري إذا نظر إلى منتجات الفن المصري القديم، وكذلك يقف المرء مندهشا إلى أقصى حد وهو يرى ويشاهد روعة الفن المصري المتمثل في الرسومات والنقوش التي تُزين جدران المعابد، يقف المرء مندهشا، متسائلا: كيف تمكن الفنان المصري القديم في أزمانه تلك، من أن يبدع فنا جميلا ورائعا وعبقريا كهذا الفن؟ وكما تقول موسوعة تاريخ مصر، إن الفن المصري القديم نشأ وتطور وازدهر متأثرا بعناصر حضارية مصرية خالصة، غَذّته البيئة المصرية بمقوماتها، وتعهده العقل المصري المرهف الحس، وطورته الأحداث السياسية والاجتماعية، وفرضت عليه العقائد الدينية والجنائزية قيودا الْتزمها طوال العصور الفرعونية. والفن المصري يتميز بتأثره بعامليْن أساسيين: أولهما الجوهر، والثاني الأسلوب. بالنسبة إلى الجوهر فإن الصورة في شتى أنواع تشكلها، نحتا أو نقشا أو رسما تحوي عنصرا حيا مما تمثله سواء إنسانا أو حيوانا، أي أن الصورة تمثل عند المصري القديم نوعا من «الخَلْق» يتم عن جوهر ما تمثله الصورة. فالصورة ما دامت كاملة فهي تمثل صاحبها كاملا، وإذا تصدعت أو محيت فهي تؤثر أيضا فيه. غير أن رسوم القدماء، والقول لزكريا توفيق، لم تكن بغرض إظهار الجمال والتكوين الفني فقط، إنما كانت بهدف إظهار الكمال والتمام أيضا. وفي كل لوحاته، يثبت لنا الفنان المصري القديم، أنه لا تنقصه قوة الملاحظة، أو تعوزه دراسة الطبيعة من حوله.

٭ شاعر ومترجم مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية