لا يمضي يوم إلا ويطرح الجهل المزيد من ضحاياه، ويزيد الغرور من تعنت يافعيه، فتعمق العصبية الجراح، وتقبع الأوطان رهينة التفتت بعد التمزق، فاتسعت رقعة الآلام حتى شملت سورية وليبيا، وتونس والعراق، أما مصر فقد أسقطت رهانات بقائها كحصن عربي منيع ينأى بنفسه عن الانزلاق نحو درك الاقتتال الداخلي، بعد أن أضحت المحطة الجديدة المرشحة بكل أسف للحاق بشقيقاتها. أفزعني خلال الأيام الماضية حجم التعصب والتصلب في مواقف أطراف الخصام (ولن أقول الاقتتال)، ووجدت تمترساً معيباً في المواقف لم أعهده من قبل، فقست القلوب، وأقفلت العقول، فاستقدمت مقومات الانحدار وأثيرت كل أسباب انفجار البركان، ولأن الجهل والتعصب لا يعدوان أن يكونا سوى نذير وإعلان نهاية أعظم البلدان، تظهر الكلمات كغذاء للأفكار، وتغدو الأفكار عماد بناء الأوطان، فنطرح في مقالنا اليوم الحالة المصرية من كل الأركان، نستعرض الأفكار ونحلل الحقائق بموضوعية أملاً بتقريب الرؤى نحو بر الأمان. وقبل الخوض في الحالة المصرية، درع العرب الأخير، أود أن أذكر هنا أنني لست من أشد المعجبين بما يسمى الإسلام السياسي ‘المعتدل’، وما أفرزه من أحزاب وحركات، خاصة من وصل منها للسلطة، حيث تكثر الفتاوى وتعج الخطابات بأحاديث دينية لتبرير سياسات تخدم في الأصل مصلحة هذه الفئة أكثر من خدمتها للأمة أو للإسلام. أما إضافة وصف المعتدل على ‘الإسلام السياسي’، فهو ابتداع غربي للتفريق بين الحركات الإسلامية المتطرفة (أو كما يطلقون عليها الجهادية)، وتلك الحركات الإسلامية التي تقبل الانخراط في العمل السياسي، وتتبنى في خطاباتها ألفاظا تروق لصانع القرار الغربي، كمصطلحات مثل حقوق الإنسان، والديمقراطية، ودور المرأة، وسيادة القانون، والحكم الصالح. ونستذكر هنا حال أوروبا إبان العصور الوسطى، حين غرقت في ظلام دامس، بعد أن استحكمت الكنيسة وتحكمت بالقرار السياسي، فأضحت الخطب والأحاديث تعج بالنصح والإرشاد، بل ووصلت للتهديد بعقاب كل من يخالف الإرادة الربانية المتجسدة في قرارات ورؤى الكهنة الذين رأوا أنهم يمتلكون- دون غيرهم – الحقيقة المطلقة. بالعودة للحالة المصرية، ورغم تحفظاتي السابقة، إلا أنني لا أرى ما قام به الجيش في مصر سوى ‘انقلاب’، تماماً كما حدث في العديد من الدول الأفريقية، فكثرت الانقلابات في هذه البلدان عقب حصولها على استقلالها، فقيام الجيش بعزل رئيس منتخب (على الرغم من تشكيك الأطراف الأخرى بصحة نتائج انتخابه رئيساً- وهو أمر معتاد في مثل هذه الحالات)، وتعليق العمل بالدستور (الذي تم الاستفتاء عليه)، وحل مجلس الشورى المنتخب، وإغلاق المحطات الإذاعية والتفلزة، من دون أوامر قضائية، لا يمكن وصفه سوى بالانقلاب. وأعتقد أن مجرد التشبيه بين ما حدث في 30 يونيو 2013 و25 يناير 2011 تشبيه مغلوط يراد به الخلط بين الحقائق، خاصة أن النظام الذي أزيح في 25 يناير لم يأت بالانتخاب الحر، ولم يكن لمؤيديه وجود حقيقي على الأرض إذا ما قورن بتحركات وحشود الثائرين. أما ما حدث في 30 يونيو فكان إزاحة رئيس جاء بانتخابات حرة ونزيهة، هي الأولى من نوعها منذ عقود في مصر، ووسط وجود واضح وحضور ملحوظ لمؤييده ومناصريه في شوارع مصر. أختلف مع الكاتب Rosa Massagu’ الذي وصف في مقالته ‘الجزائر، فلسطين، والآن مصر’ بصحيفة ‘Elperiodico’ الإسبانية، أن سبب إقصاء الإخوان المسلمين في مصر هو ذات السبب الذي أقصى جبهة الإنقاذ الوطني في الجزائر عام 1992، وحركة المقاومة الإسلامية ‘حماس’ في فلسطين عام 2006، عقب فوزهم في الانتخابات البرلمانية. ويرى الكاتب أن الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، يرفض وصول الإسلام السياسي للحكم في المنطقة العربية، إلا أن الشواهد والدلائل تشير إلى أن الإسلام السياسي ‘المعتدل’ لم يرفض مطلقاً من الغرب، بل أصبح نموذجاً مستحباً، مقبولاً، بل ومدعوماً خاصة مع التغيرات العظيمة التي طرأت على المنطقة. فعلى سبيل المثال، ومنذ تسلم حزب الحرية والعدالة مقاليد الحكم في مصر، لم يتوقف التنسيق مع القوى الغربية، ولم تنقطع اللقاءات مع المسؤولين الأجانب، ولم تتوقف الزيارات المتبادلة، واستمر الدعم الأمريكي ولم ينقطع يوماً، بل وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بوقف صفقة طائرات حربية لمصر عقب الانقلاب الأخير. إذاً، ما حدث في مصر لم يكن بدعم أو بتفويض من الغرب من أجل الإطاحة بحركة إسلامية، ولكن بقرار مصري داخلي. الأسباب المعلنة من قبل الجيش المصري والنخبة الحاكمة الجديدة في مصر يشوبها الكثير من الشوائب، فالحديث عن الانحياز للشعب في مواجهة الإخوان المسلمين هو أمر يجانبه الصواب، خاصة إن كان معيار التصنيف هو الوجود في الميادين والشوارع، يكون الانحياز لفئة (قد تكون أكبر من غيرها) على فئة أخرى. أما القول بأن أداء حكومة الرئيس المعزول كانت من الضعف لدرجة دفعت الجيش الى التحرك لوقف هذا التراجع فهو أمر مغلوط أيضاً، فالحكم على أداء رئاسة وحكومة جديدة لا يمكن أن يكون ناضجاً ومعقولاً بعد أقل من عام من الحكم، خاصة أن مصر لم تهدأ يوماً خلال هذا العام بعد أن تسلم مرسي البلد بأوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة للغاية. وإن ارتضى المصريون بأحكام الديمقراطية، فالأخيرة ضمنت وجود مؤسسات تشريعية تراجع وتدقق وتحاسب قصور عمل الحكومة أو الرئاسة على حد سواء، وليس من خلال حشد الحشود في الميادين والأزقة. هذا الأمر يمثّل سابقة خطيرة، فلا أمان لأي فريق سياسي في مصر من الآن فصاعداً، لأنه سيكون عرضة لموجات من الغضب في الشارع من قبل الفرقاء السياسيين، الذين يرفضون نتائج الاحتكام لصندوق الاقتراع، حال علموا بهزيمتهم في الانتخابات. وبمقارنة سريعة لما حدث في مصر مع الاخفاقات والفضائح التي التصقت برئيس الوزراء الإيطالي السابق برلسكوني، والأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع نسبة البطالة في الولايات المتحدة الأمريكية، إبان حكم بوش الابن، لم نر أيا من الجيشين الإيطالي أو الأمريكي يعزل رئيساً أو رئيس وزراء بسبب الاخفاقات أو انه حشد الحشود. وإن ذهبنا للحديث عن التهم الموجهة للرئيس المعزول، فنجد أن هناك علامات كثيرة تؤرق مضاجع المراقبين. فالقول بأن مرسي كان قد هرب من السجن هو حديث يحمل في طيّاته الكثير من التساؤلات، فأولها كيف للدولة المصرية (التي كان يديرها الجيش آنذاك) تقبل بأوراق ترشح شخص سبق حبسه؟ ولكن أليس من اعتقل مرسي هو ذاته النظام السابق الذي نبذه ولفظه الشارع المصري؟ وما هي التهمة التي اتهم بها آنذاك مرسي لكي يصبح هروبه من سجون النظام السابق تهمة بحد ذاتها؟ الجانب الآخر من هذه التساؤلات يأخذنا لقول وزير الدفاع المصري بأنه قام بعزل مرسي بعد أن حاول معه مراراً لاحتواء ووقف حالة التدهور في الأوضاع الأمنية في مصر، فتم عزل الرئيس، ووجهت له لوائح اتهام وصلت لثماني عشرة تهمة مختلفة، إذا إن أنصت الرئيس المعزول لنصائح قائد الجيش لكان الأخير قد غض الطرف عن جميع هذه التهم، وتجاوز المصداقية والشفافية مع شعبه. لا أرى في أسباب ما حدث في مصر سوى ضعف وقلة الخبرة السياسية لحركة الإخوان المسلمين، فبخلاف حركات ذات طابع إسلامي في المنطقة، لم تستطع حركة الإخوان المسلمين أن تطمئن الشارع المصري، وتزيل مخاوف الشرائح المختلفة من أسلمة المجتمع، فباتت قراراتها وتحركاتها تسابق الزمن لتعمق وتزيد الشكوك، بعد أظهرت وجهاً يرفض أي شكل من أشكال الشراكة السياسية مع القوى الأخرى في المجتمع، خاصة غير الإسلامية. تقاطعت هذه الأسباب مع ضعف في الأداء السياسي واستمرار التراجع الاقتصادي، وتنامي حالة الاستقطاب، مع مزيد من قرارات وتعيينات وإقصاءات سياسية أدت لتصاعد حالة التوتر والاحتقان، فأفردت الصحف مقالات، وكرست قنوات التلفزة ساعات، للتحريض تارة وكشف ممارسات الحكام الجدد تارات، إلى أن حانت لحظة الانفجار. ولأن الديمقراطية ممارسة وشراكة، لا يمكن اختصارها بالاقتراع (كما يفهمها البعض)، كما لا يمكن استبدال صندوق الاقتراع بحشد الحشود في الميادين والأزقة. وكما ذكرنا في مقال سابق، لا يسع العرب سوى أن يسلكوا طريقهم الخاص بالديمقراطية، وبناء تجربتهم من دون نسخ أو تقليد، فتحصين ديمقراطيتهم بمؤسسات وأجسام تشريعية تراقب وتحاسب هو الطريق الأمثل لضمان وحدة الأمة وتجاوز أزمات نحن في غنى عنها. ونذكر هنا أن قسوة قلوبنا على بعضنا هي أول خطوة في درب الشقاء، وسفك المزيد من دماء إخوتنا إيذاناً ببلاء يأخذنا بلا ريب نحو الفناء، فنلبي دعوة الحاقدين، وننزل عند رغبة المتربصين، فتتحقق أمنيات الأعداء، الشامتين المهللين المتفرجين، الذين يكتمون ما يتمنون، ويقولون ما يكرهون، فنصدق من جاء من خلف الأسوار، ونكذب ونقسو على أهل الديار، فيأتي أحدهم يقول: قد يكون من وراء البحار أرحم علينا من أنفسنا، فيا ليتها تعود أيام الإستعمار.