يا حبيبتي يا مصر، من منا لا يحب مصر، ومهما بلغنا من الحِل والترحال، حقيقة أم خيالاً، تبقى أم الدنيا وِجهة كل عربي، فهي حلم راودنا جميعاً، وكانت مصر ولا تزال دعامة من دعائم حلمنا العربي ذاك، الذي مهما حاول البعض النيل منه وجعله في خانة الإعدام، يتعذر عليه ذلك. فمصر هي بعدنا القومي والاستراتيجي وركيزة لقوتنا المعنوية، وهيبتنا في العالم كله ومناعة جسدنا العربي، التي نعول عليها كعرب، فإذا، لا قدر الله، حل بها أي مكروه فسيبقى مبتوراً وعرضة لأي مرض عضال، وما من حدث يحدث في مصر إلا وكانت له انعكاساته على الدول المجاورة وامتد حتى إلى البعيدة منه جغرافياً، سلباً أم أيجاباً. فهي ثقلنا السياسي والتاريخي والبشري، الذي يُخطط دائماً إلى النيل منه على عدة محاور، منها محاولة إقصاء المؤسسة العسكرية وتحييد دور مصر، وإضعاف حضورها في العالم العربي والمحافل الدولية. لقد شهد تاريخنا تراكمات عدة من مآسي العبودية والحروب والاستعمار والهجرة. وعند ذكر العبودية تتراءى لنا تلك الممارسات، التي كان يضطلع بها بعض روادها، الذين آلوا على أنفسهم إلا أن يفعلوها بجدارة، فتفيأوا ظلها وكرسوها لمآربهم، وكعملاء أنعموا بها على أسيادهم وأولياء نعمتهم لتثبيت عروشهم، فكلما تكرست العمالة ازدادت العطايا والهبات، وفتحت آفاقاً واسعة لتكالب الطامعين فينا، وفتحت الشهية والشراهة لاصطناع أزمات وفبركتها للانقضاض على انجازاتنا، وسال اللعاب لامتصاص خيراتنا. فالاستعمار له وسائله المتعددة وحيله البارعة لباعه الطويل في هذا المضمار. فهو بدل أن يكشر عن أنيابه بصدام عسكري بالغ التكلفة وعبء على ميزانياته، وتجنباً لمقاومة الشعوب بظهوره ميدانياً، لجأ إلى أساليب أخرى أو آليات أخرى. فنراه يتسلل إلينا بانسيابية مقنّعة، فالأرضية مهيأة تماماً لمآربه، فينقلب الصدام العسكري إلى صدام حضاري وثقافي ليتغلغل فينا كما يشاء حتى نكون في حال تبعية، وينعدم فينا الإحساس بالانتماء، وبالتالي فقدان الهوية وخلق حالة ارتباك تؤدي إلى ضياعنا بين هذا وذاك حتى لا تقوم لنا قائمة، ناهيك عن أنه يسهر منكباً على النبش في تاريخنا الديني ليغذي نعرات طائفية وكراهية ضد أبناء الوطن الواحد، وبالتالي نتشرذم ونصفي أنفسنا بأيدينا، والذي كانت له اليد الطولى بريء براءة الذئب من دم يوسف. غير أننا دائماً نراهن على حسنا الوطني العالي وحدسنا الذي في غالبه لا يخيب، رغم أن الرؤية حتى الآن تعتليها الضبابية، والحقيقة الكاملة مغيبة، وانقسم الشعب على نفسه مؤيدا لهذا ومعارضا لذاك، وعليه يتعذر علينا أن نميز كثيراً بين عدونا الداخلي والخارجي، فكلاهما يسعى حثيثاً لتحقيق أغراضه، ويسعى لضربة قاضية تقصم ظهر الثورة وتقضي عليها، ويخلو الجو للأدلجة وللحُنيّنَة أمريكا وفلذة كبـــــدها إسرائيل لتصول وتجول في المطبخ البريطاني، الذي عادة ما يــــعد لطبخات كهذه، لترش عليها أمريكا رشة الملح الأخيرة، وإسرائيل تلتهم تلك الأطباق الواحد تلو الآخر بشراهة ونهم، متكئة على أريكة أمريكية ومائدة عربية فاخرة، وتقول هل من مزيد. والمحزن هنا أن تلك الوجبات يسهم فيها طباخون متجذرون في فن الطبخ من بين ظهرانينا، ويستمرؤها ملء شدقيه من يتربص بالثورة ويسعى لدحضها على الصعيد الداخلي والخارجي. أما الفتات فهو دائماً من نصيب الشعب الكادح. وأمريكا هذه تعزف على كل الأوتار، غير أنها أحيانا تشد على وتر دون اخر، لحاجة في نفس يعقوب قضاها، فهي بدل أن تمضي في عدائها لجماعة الإخوان، رأت من الأنجع لها أن تحتويها لتأمن شرها من ناحية، ولتدفع بها لتحقيق أغراضها من ناحية أخرى، بحيث تظهر وكأنها تؤيد المسلمين وتساندهم بحكومة مسلمة فتستحوذ بذلك الرياء على عقولهم، وكأن الإسلام يتمثل في هذه الجماعات فقط. نحن مع الشرعية، ولكن عندما يقول الشعب كلمته، خاصة أنه الأغلبية، وقد تبين له فشل نظام الإخوان في تسيير أمور الدولة على مدى سنة، فلا نستطيع إلا أن نرضخ لحكمه، وهو في انتخابهم لاعتلاء سدة الحكم لم يعتدِ على الشرعية، رغم أن نسبة الفوز كانت ضئيلة نوعاً ما نتيجة عزوف البعض عن الاقتراع حتى أنهم سموا بـ(ابتوع الدكك). ولربما ترتب عن ذلك التقاعس زيادة فرصة الإخوان في الفوز، غير أنه في النهاية لم يكن فوزاً ساحقاً. وأقرب مثال على كلمة الشعب هي العليا، أن مبارك كان منتخباً في انتخابات يحوز فيها بأبدية التسعة والتسعين والنصف مئوية المعتادة والنصف الباقي لدرء (العين)، على مدى الثلاثين سنة الماضية، وهو البطل، الذي تحسب له الضربة الأولى لحرب أكتوبر، ولو أن البعض يشكك في صدقية ذلك، غير أنه عندما فاض الكيل بهذا الشعب نتيجة ممارسات عدة خاطئة، خاصة في العشر سنوات الأخيرة، قام بثورته ثورة 25 يناير 2011 فلماذا لم تعترض أمريكا يا ترى؟ هنا يجدر القول بأن الشعب المصري منحهم تلك الفرصة الذهبية التي كانوا يتعطشون لها على مدى 80 سنة، ولكنهم لم يثبتوا فيها جدارتهم في إدارة البلد بعد ثورة تخضب فيها التراب المصري بدماء شهداء ثورة 25 يناير ولم يمعنوا النظر ويلتفتوا إلى أوليات المرحلة ومتطلباتها.. يقول قائل إن قيادات الجيــــش المصري ترنو إلى الاستيلاء على السلطة وإنها تمهد لها منذ فترة، نتيجة رؤية ما، كإعادة مثلاً البلاد لحكم عسكري أو لاستعادة عهد مبارك بعباءة جديدة، غير أن الشعب المصري لا تخيل عليه كل هذه الالتفافات والخزعبلات التي ذاق مرها لسنين عـــــدة، وميدان التــــحرير يسع الكثير، كما اتسع لملايين الثـــورتين، فمعاناته لا تعــــفي تلك القيادات من نفس الفـعل، مهما استقوى الجيش عليه، في حال تبينت تلك الأطماع. وكما نعلم الآن أن كفة الجيش هي الراجحة عند جل الشعب المصري، خاصة أنه لمس بقــــوة مؤازرة الجيش إذ كان الدرع الواقي لثورتيه. ومهما تغنت أمريكا وأعارتنا ديمقراطية مزدانة بالديباج والحلي والحلل، لن يتعلق هذا الشعب الصبور بشعارات زائفة يرفعها الغرب والأمريكان، ويتلقفها حكامنا الذين يقدمونها بمذاق البهارات الأمريكية والطبخات البريطانية بمقاديرها الإسرائيلية، ليسيل لعابنا فيستهوينا الطَعم ونبلع الطُعم. مصر دائماً تفيق من كبواتها في أحلك الظروف، وحتى أحمي نبرتي التفاؤلية وأعززها، المواطن المصري يذوب في أرضه فهو يلغي كينونته لأجلها، ويتناغم مع امتداده العربي ويذود عنه، ونحن العرب نأمل من مصر الكثير ونثمن مواقفها ودائماً نلقي بعبئنا عليها للخروج من الأنفاق المظلمة، فهي عوننا وزادنا وقوتنا لمستقبل مشرف. واليأس في مثل هذه الظروف التي تمر بها مصرنا يكاد يكون مرادفاً للخيانة الوطنية، فالأنجع وأده في مهده، لأنه إذا تمكن منا واستفحل فينا فمصيرنا سيكون على كف عفريت وعلى شفا حفرة من الضياع.