مصر التي لم تتغير في اتجاه العدالة الاجتماعية!

أمر مصر غريب بعد ثورتين عظميين كان من أهم المطالب فيهما تحقيق ‪»العدالة الاجتماعية»، من هنا يتمسك عموم الحزبيين بـ»الليبرالية»، لا فرق بين قدامى وجدد، أو بينهم وبين «نخب سياسية» مستقلة؛ بتأثيرها المحدود على الشارع؛ وعجزها عن ملء فراغ سياسي وفكري حاد تعيشه البلاد، في نفس الوقت فإن أغلب هذه «النخب» ما زالت تراهن على مقاولين ورجال مال وأعمال وحملة مباخر في الإدارة السياسية والتنفيذية والإعلامية؛ اعتمادا على المال وحده في صناعة النمو والتقدم ومعالجة مشاكله، دون الالتفات كثيرا إلى المشاركة الشعبية وتعبئة طاقتها والارتقاء بأدائها!!.. و»الليبرالية» وهي تدعو للحريات السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية، لا تهتم كثيرا – خاصة في بلادنا – بالعدالة الاجتماعية..
ومن «الليبراليين» من يتصور أن كيل المديح للرئيس السيسي يغطي على هذه الحقائق، وقد صنع الرئيس معروفا بمنع الإشادة به من قبل المسؤولين في اللقاءات والمؤتمرات والاجتماعات الرسمية والعامة، ومن المعروف عنه انحيازه العاطفي للفقراء ومحدودي الدخل، وهذا يفتح باب الأمل في ترجمة مشاعره العاطفية إلى إجراءات عملية!. هذا بجانب ما يبدو من عزوف عام بين الشباب، حتى يخيل للمدقق وكأنه يئس من التغيير، وقد يكون في هذا بعض الصحة، وهذا دفعني إلى القول مؤخرا: أن الثورة عندما تكون مؤجلة فالبديل حكم رشيد معقم من الفلول؛ يحتاج جهدا وإعدادا وفتح آفاق المشاركة الحقيقية، ونقل وتبادل الخبرات بين القوى الحية، وتجاوز الحلول التقليدية والمكتبية والأمنية.
وإطلاق المشاركة يخفف من الاستقطاب، ويقيم توازنا مطلوبا بين القوى الاجتماعية ويلبي طموحاتها المتنوعة، خاصة بعد إلغاء نسبة تمثيل العمال والفلاحين في المجالس المنتخبة، وقد كانت صمام أمان يواجه الامتيازات الزائدة لملاك الثروة وورثة المناصب وأصحاب الحظوظ، ويتصدى لمبدأ «اللياقة الاجتماعية» الشاذ، الذي يحرم «سلالة» الفقراء من ثمار جهدها وتفوقها.
ما زال دولاب السياسة المصرية يشجع على ممارسة رذيلة «الصمت العقلي»، ويتحرك على إيقاع «ظواهر صوتية»؛ تبيع الكلام وتحجم عن الفعل، ولا تقدم شيئا لوجه الله، وتطلب المقابل دائما. وعمرو موسى كأبرز «ظاهرة صوتية» عينه على رئاسة مجلس النواب القادم، وفاروق الباز يسوق مشروعات بالمليارات دون عرضها على العلماء والخبراء المشهود لهم النزاهة والجدارة، وقد حضرت لقاءات مع علماء وأكاديميين وخبراء مصريين في الزراعة والري واستصلاح الأراضي، ولا يطلبون أكثر من التأكد من جدوى المشروعات المسوقة كي لا تلحق بــ «مشروع توشكى» الفاشل، ولا يلحق الباز بمحمد البرادعي، ويعود للاستقرار خارج مصر. والبرادعي غادر فور أن حمل لقب «نائب رئيس جمهورية سابق»، وهو ما يرفع قيمته في البورصات الغربية، والرهان عليه في مشروعاتها المستقبلية!.
من ناحية أخرى ما زالت مصر تدفع ثمنا باهظا في اعتمادها على «الاقتصاد العشوائي»، وعلى القروض والقبول بشروط المؤسسات والمنظمات المالية الإقليمية والغربية وامتيازات المستثمرين والمغامرين الأجانب. والأزمة الاقتصادية الراهنة ليست من صناعة جماعات العنف المسلح وحدها إنما نتاج تكالب كل هؤلاء على «مصمصة» مصر وتفتيتها، والتخلص مما تبقى منها ومن قواها المنتجة والمبدعة والخلاقة على اتساعها.
وساءلت نفسي لماذا يتم تجريب المُجرّب، دون بحث عن بدائل تخفف من حدة التأثير المدمر للثروات الحرام، واختلال موازين الثروة الوطنية مع الانخفاض المستمر في مستوى المعيشة وزيادة البطالة؟، و»المال السياسي» يستفيد من هذه الأوضاع المتردية، وهو ما دفع كثيرين إلى العمل لحساب جماعات العنف المسلح بالقطعة أو كـ»موردي أنفار» بالأجر للاغتيالات والتخريب وقطع الطرق وحرق حافلات النقل العام وتعطيل مترو الأنفاق والقطارات، ودولة تغيب فيها الحماية الاجتماعية تبقى دولة ظالمة لمواطنيها ومساعدة على تفشي هذه الظواهر، ومشجعة على الانفلات والفوضى والعنف. واستطلعت رأي أحد ثوار يناير عن رأيه؛ فرد الناس متحملة حتى الانتخابات البرلمانية، وبعدها سيكون لكل حادث حديث، حسب رأيه!!.
ولنتعرف على أباطرة «الاقتصاد العشوائي»، ولنبدأ بحسين صبور رئيس اتحاد الصناعات؛ مقاول كبير ومحتكر أعظم؛ يأخذ ولا يعطي، وعلق في تموز/يوليو الماضي على رفع أسعار الطاقة بقوله أنه جاء متأخرا «ولن تكلف الطبقات الكادحة إلا القليل وأقل من القليل»(!!)، وكان ذلك في اتصال مع الإعلامي مصطفى شردي. وقال عمن وصفهم بـ«رجال الأعمال الشرفاء» أنهم يشغّلون عمالة ويدفعون ضرائب، ومن يريد منهم أن يتبرع فليتبرع ومن لا يريد فهذا باختياره. وأن تبرُّع الرئيس «ليس إلزاما لكل رجل أعمال ومصر لن تبنى ولن تتقدم إلا برجال أعمال شرفاء»! ولم ينس إدانته المعهودة للقطاع العام كتقاليد لـ»رجال الأعمال الشرفاء»، وتدارك: «إن الموظفين ورجال الأعمال غير الشرفاء لابد أن يحاسبوا والمحترم لابد أن نحميه». ومن «مآثر» صبور منع الفلاحين وأبناء الصعيد من دخول «نادي الصيد»، وهو سلوك يقوم على التمييز والاستعلاء والعنصرية المفرطة..
وإن كنت أستخدم تعبير رجال المال والأعمال فهو بالنسبة لي تعبير مجازي يلائم الحالة المصرية، فأكثر من ثروات 90٪ منهم مجهولة المصدر، وتحققت مقابل تخريب وتصفية الاقتصاد المصري والقضاء على استقلاله، والتزاما بعشوائية سوق منفلت واقتصاد «سداح مداح»؛ بدأ بمزارع الدواجن وتجارة العملة وشركات غسيل و»توظيف الأموال»، وانتهى بـ»الخصخصة» وتصفية القلاع الصناعية والإنتاجية الكبرى وتسريح العمال والمنتجين!!.
وامتدت آفة التمييز والاستعلاء إلى منتسبين إلى مرفق العدالة، ومن طالع صحف الشهر الماضي فسوف يُفاجأ بتصريح منسوب لنائب أول رئيس محكمة النقض؛ القاضي أحمد على عبد الرحمن يعلن رفض قبول أبناء عمال النظافة فى النيابة العامة، وجاء ذلك في حوار تليفزيوني على إحدى الفضائيات!!.
هذا التمييز ما زال مستفحلا بعد عشر سنوات من انتحار محمد عبد الحميد شتا، المتفوق على كل المتقدمين لامتحان الملحقين التجاريين، وتصور أنه حقق حلمه لمكافأة أسرته البسيطة على تضحياتها، التي أهلته للالتحاق بالسلك الدبلوماسي، فيريح والده من عناء عمله الشاق، وجاء قرار «سارقي» الفرح، ليحطم آماله ويسحب منه لياقته العلمية وجدارته الشخصية، ورُفض لكونه «غير لائق اجتماعيا»، ولم يقو على العودة إلى أسرته، وذهب وألقى بنفسه في النيل؛ ذكرتنا بمأساته الكاتبة الصحافية نور الهدى زكي في آب/أغسطس الماضي، وعرضت معها صورة أخرى للتمييز الفج مع فلاح أقصري؛ هو إسحاق تادرس بطرس، رجل له مكانته بين الفلاحين الذين انتخبوه نائبا لرئيس اتحادهم، وجاء لموعد مع الأكاديمي والاقتصادي صلاح جودة في «نادي التجارة»؛ التابع لـ»نقابة التجاريين» بالقاهرة؛ فقيل له: ممنوع دخول الفلاحين بأوامر رئيس النادي»، ولم تُجْد جهود صاحب الدعوة في اقناع حراس «المستوطنة المهنية»، وثار وصرخ فيهم وحاججهم بثورتين، وكرروا على مسامعه: «ممنوع دخول الفلاحين»!!، وطوى إسحاق مشاعر الإهانة بين جوانحه وعاد إلى بلده، وهو على يقين أن مصر لم تتغير ولم تُسترَد بعد.
والسيسي الذي أهدى قناة السويس الجديدة للعالم عليه إهداء الفقراء والكادحين وتحريرهم من التمييز العنصري والاجتماعي البغيض، والدولة نفسها تمارسه في توزيع مشروع استصلاح المليون فدان، فلن يستفيد منه فلاح واحد؛ سبعون في المئة منه لـ»المستثمرين»، وعشرين في المئة لشباب الخريجين، وعشرة في المئة تباع بالمزاد العلني، ولا عزاء للفلاحين والفقراء. وكان الواجب توزيع هذه النسب بشكل عكسي!

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية