بعيداً عن التأويلات والقناعات أو التنميط المُسبق، وبدون الدخول في تفاصيل ما حدث في مصر غداة الثلاثين من حزيران/يونيو، فالقضية لم تعد جدلاً ينحصِر فقط في المسميات، وهل ان ما جرى انقلاب ام ثورة شعبية، فلا ندفن رؤسنا في التراب، ولعل الكتابة أو إبداء رأي في قضايا الساعة غداً أمراً محيراً لدى البعض، رغم وضوح الرؤية ومن أي زاوية كانت. لقد فرقت تلك الرؤى المتضاربة للأسف الأمة بسبب تداخل الديني بالسياسي، وتصنيف الأمور من منطلقات وقناعات مسبقة، فقط من اجل إقصاء الآخر وعدم القبول بمبدأ المشاركة التي طالما تغنت بها كل الأطراف، وهذه الرؤية ليست دفاعا عن الإخوان بقدر ما هي تسليط الضوء على جملة من الحقائق والمعطيات، التي فرضت نفسها على المشهد السياسي المصري. وبغض النظر عن أخطاء الإخوان وصوابهم فهم في نهاية الأمر أتوا بصورة شرعية ديمقراطية، وعليه فان الإعلام منذ شهور وهو في حالة تهيئة وتعبئة الرأي العام المصري، بل والعربي، وشيطنة خصومهم ممن يسمونهم بالإسلاميين، لتغييرات وتحولات محتملة. اللافت ان الغرب، دولا ومنظمات، يستنكر هذه المجازر أكثر من ذوي القربي الذين يذهبون في اتجاه الحكم العسكري. في هذه الأجواء والعنف المستمر كيف يراد بمصالحة وخصومهم يقبعون في السجون، وقد لفقت لهم تهم أقبح من ذنب، منها التخابر مع حماس وهذا تطور خطير في الفكر السياسي المصري، ففلسطين وبكل مكوناتها ليست عدوة للشعب المصري ولا حتى لقياداته مهما تغيرت، من جهة أخرى ما ذنب الفلسطينيين، فمرسي نفسه هو من أغلق الانفاق في وجه هذا الشعب المنكوب، بمعنى أن عهد مبارك كان خيرا لهم ،على الأقل هناك منافذ أخرى، وعليه فحشر الشأن المصري في هكذا تُهم إنما يجعلهم في الخندق المعادي للمصريين، مشاكل مصر يجب أن تبقى داخل حدودها، فحتى لو كان لمرسي تواصل مع حماس فهي في نهاية المطاف كيان عربي، وليست إسرائيل، وكأنه كما لو كان يتعامل مع حزب او جهة عربية أخرى فما الضير في ذلك؟ فلو تفاوضوا مع مرسي قبل الكارثة، او تحملوا لحين اجراء انتخابات مبكرة، كما نادى بها، لما وصلت الأوضاع إلى ما هي عليه الان، فالحل الأمني بداهة ليس حلا في القرن الواحد والعشرين، حتى لو كممت الأفواه قسرياً فهنا تصدق المقولة نجحت العملية، ولكن للأسف مات المريض، فقد تم نحر الوطن بعد زج الجيش وإقحامه في السياسة، كما هز النظرة المثالية للجيش المصري، الذي اظهر حيادية في ثورة يناير وأقحم بالسياسة، وهو الأمر نفسه بالنسبة للقضاء ومؤسسة الأزهر، اللذين كانا محايدين ولهما دور مشهود أثناء الحملة الفرنسية على مصر، ولم يحجما إلا منذ حكومات العسكر قبل عقود. يُمكِن اعتبار الأسابيع المنصرمة ذروة التدهور في النظام الإقليمي العربي، فحالة عدم الاستقرار وتدني الأمن وتفاقم العنف الذي يعصف ببلدان ما عُرف بالربيع العربي، تظهر واضحة ابتداء من بغداد وحتى تونس مرورا بما تشهده سورية وانعكاساته على لبنان، وتعثر العملية السياسية في اليمن، ويتصدر ذلك المشهد المأساوي أحداث مصر الأخيرة، التي يمكن القول بأنه أسبوع مصري بامتياز، حيث تتزايد المخاوف من انزلاق مصر بكل ما تشكله من ثقل عربي وعمق تاريخي، أصبحت أم الدنيا شاغلة الناس والإعلام العربي والغربي على السواء، فالملايين في مصر ومن ورائهم العرب اياديهم على قلوبهم. ويبدو أن الأسبوع الجاري حاسم في تحديد مسار هذا الانقلاب، فقد بدأ العد العكسي لدى معارضي الانقلاب، بالفعل لكل شيء ثمن، وثمن جزمة العسكر دماء لا يعلم نهايتها إلا الله، فبعد رحيل مرسي لم تكن خارطة الطريق مفروشة بالورود، فرحيله لم يكن نهاية كل شيء، بل بداية سلسلة من المآسي والمحن، وقد لا تستقر مصر لشهور مقبلة، حيث يبدو انها تدخل نفقا مظلما بعد وأد الديمقراطية. يعتقد البعض أن الاتجاه هو لتقسيم مصر الى دولتين، علمانية وإسلامية، تظلان في تناحر في ما بينهما، لا أجد تفسيرا لمواقف عربية رسمية كانت أو شعبية وعلى أي أساس منطقي ينطلقون في تقييم الحالة في مصر، عندما يصبح دور العسكر ثورة، ولكنه في سورية يستحق الثورة عليه! تُلخص إشكالية السلطة في البلاد العربية ومأساة الحاكم والمحكوم في خلط السياسي بالديني وإقصاء الآخر، وتداخل الثورات بمراكز قوى وأطماع خارجية. لطالما هلل البعض لإقصاء الأخوان في مصر او في أي بلد آخر وكأنهم من كوكب آخر، والحال أنهم لو اعطوهم الفرصة طالما ارتضوا بالديمقراطية فما الإشكال في ذلك؟ لعله أفضل من أن ينطلقوا من تحت الأرض حينها يصعب التفريق بينهم وبين السلفيين والقاعدة، وتصبح مصر كالجزائر في التسعسينيات، عندما أصبح الكل يحارب الكل فلا يدري المرء بأي ذنب قتل! عندما تنتقد ثورات الربيع العربي يحلو للبعض قدح او مدح هذا الطرف أو ذاك، مع ان هذا يجافي الحقيقة والنقد العلمي البناء، فبداهة لكل ثورة مسبباتها، وعلميا يجب التفريق بين الثورة مهما كانت عفويتها وما يكتنفها من غموض وبين اللعبة الديمقراطية، وحسب الأخيرة فان ما يحدث في الشارع المصري هو خطأ من الإلف للياء، وسيتضح ذلك ولو بعد حين، ولو كنت بهذا الطرح أغرد خارج السرب. ثورة مصر كانت الثانية بعد شرارة تونس، ولو تم إحصاء عدد الجماهير الذين خرجوا لكانوا هذه المرة أكثر منهم قبل نحو عامين، حسب المراقبين، وانصافاً فلا يستطيع العطار إصلاح ما أفسده الدهر لنحو ثلاثين عاما في مصر، ففي سنة واحدة من حكم الرئيس مرسي والإخوان، الذين أتوا على تركة ثقيلة من الفساد المتراكم لعقود، تعرضت تجربتهم الوليدة لحملة شرسة محلية وعربية، وكــــان الغرب أكثر إنصافا لهم، وقد نجحت الآلة الإعلاميـــــة العـــــربية والمصرية بشيطنة تلك التجربة، مع أن أي نظام يأتي على أنقاض حكم عسكري لعقود وفي بلد بحجم مصر لها احتياجاتها التنموية وظروفها الاقتصادية المعروفة، قد تأخذ عقودا لإرضاء كل الناخبين.