من السطحية والسذاجة بمكان أن نفكر بأن تجربةً سياسيةً خاصةً بمجتمع معين يمكن تطبيقها أو إسقاطها بشكل كامل على مجتمع آخر. فالمسارات التاريخية والشروط الثقافية تصبغ كل فضاء جغرافي واجتماعي بألوانه الخاصة به (بفلسفة أخلاقية خاصة أو بحساسية خاصة أو بتدين خاص أو بمسحات وعوامل نفسية خاصة، إلخ)، تحتم النظر إلى ذلك الفضاء والتعاطي معه ومعالجة قضاياه تبعاً لتلك المسارات وبموجب تلك السياقات. من الطبيعي أن يتكون كل مجتمع من عناصره التي يمكنها أن تتشابه وتتشارك مع عناصر مجتمع آخر، بما يوحي بأن هناك تماثلا أو توازيا بين الاثنين. ولكن من الناحية الثقافية هذا التشابه يكمن في القشرة فقط، أما لب أو جوهر كل ثقافة فله سماته الخاصة به.
هناك أنظمة سياسية كتركيا في زمن مصطفى كمال أتاتورك وبورقيبة في تونس، ومثقفون عرب ومسلمون كثر، استلهموا أفكارهم من نموذج الحضارة الغربية، واعتبروا أن تلك التجربة المغرية حقاً يجب استيرادها ونقلها ‘كوصفة جاهزة’ إلى مجتمعاتهم، مفترضين أن ذلك سيكون الحل الأمثل للخروج من المأساة الحضارية التي تعاني منها البلاد العربية والإسلامية، وأنه سيكون الأداة الأنسب للانضمام إلى العالم العصري والمتمدن. طرحهم هذا كان له بدون أدنى شك ما يسوغه ويبرره. فهؤلاء كانوا ينتمون إلى مجتمعات فقدت روح المبادرة وكانت ترضخ تحت أسباب العجز والشلل الحضاري من استبداد السلطة وعقلية دينية دوغمائية وتدين شعبوي طقوسي وتقليدي واستعمار.. بينما كانت المجتمعات الأوروبية تحكمها أنظمة أكثر عدلاً ومساواة وتنعم بالحيوية الاقتصادية والنشاط الثقافي والحريات. أياً كانت الأسباب التي تقف خلف هذا التفاوت الحضاري فما يعنينا في هذا المقام أن نقول ان الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء المثقفون المسلمون يكمن في أنهم من ناحية لم يأخذوا بعين الاعتبار الظروف الأيديولوجية التي نشأت فيها الحضارة الغربية ولا أبعادها ولا إطاراتها الفلسفية، ومن ناحية أخرى تجاهلوا خصوصية وهوية مجتمعاتهم.
هذا لا يعني أننا نقلل من أهمية تبادل المعارف والخبرات بين الثقافات.. فالعلم الذي توصل إليه الإنسان ما هو إلا حصيلة لتجاربه ولحدسه وتراثه وتبادل كل ذلك مع الآخرين. هذا المقال نفسه ثمرة آراء بعضها شخصي وبعضها مكتسب ومتعلم. فليس هناك إنسان إطلاقاً لم يتأثر بمن سبقوه ولم يسترشد بخطواتهم. فنظام الاستعارة والمقايضة كان ولا يزال وسيلة أصيلة ساهمت في نشر وازدهار العلوم، سواء كان ذلك على مستوى اللغة أو على مستوى الأفكار والسلع، ولكن نقول بأن الثقافات عندما كانت تسعى إلى تبني أساليب أو مناهج أو تجارب ناجحة لمجتمعات أخرى كانت تكيف تلك التجارب وتطوع تلك المفاهيم لكي تتلاءم مع منظورها وخصوصيتها الثقافية حتى تستطيع استيعابها أو هضمها. صحيح أنه يجب على الثقافات أن تطور قدراتها العقلية وبنيتها المفاهيمية والإدراكية وتكيف نفسها كي تستطيع أن تتماشى مع نجاحات ‘الآخر’، ولكن يجب أن يكون هناك توازن بين ما تتبناه من العالم الخارجي وما تحافظ عليه من عالمها الداخلي. وكلما كانت هناك إنجازات على المستوى الداخلي كان هناك توازن أكبر.
مما لا شك فيه أن ثورات الربيع العربي دعت الكثيرين للتفاؤل في تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود، إلا أن الثورات المضادة والاضطرابات والفوضى والانقلابات، بالإضافة إلى تعقيدات المنطقة وتنوع ظروفها، كل ذلك جعل الكثيرين يشككون في فعالية الربيع العربي وفي أهميته وضرورته. والحالة المصرية ليست استثنائية في ذلك السياق، فالصراع الذي نشب واستفحل بين القوى العلمانية والحركات الإسلامية أدى إلى زعزعة ذلك التفاؤل، فهناك تحديات سياسية كبيرة تقف أمام التحول الديمقراطي في مصر ربما تجعل هذا البلد العربي الكبير والمؤثر يسير في اتجاه مستقبل غير مطمئن.
هناك دول كثيرة في العالم عاشت تجارب مماثلة للواقع الذي تمر به مصر في الوقت الراهن، وخير مثال يمكن أن نستشهد به في هذا السياق الحالة الإسبانية، التي تعتبر أحد أهم النماذج الناجحة في ما يتعلق بإرساء المفاهيم الديمقراطية وإجراء تحول ديمقراطي عقلاني وسلمي. هذا النموذج يشكل عظة ممكن أن يستدل بها ويستفيد منها المثقفون والسياسيون والعسكريون العرب في بلد النيل، أو في غيره من البلاد العربية. لا نقول بأن الخيار الإسباني ‘وصفة سحرية’ بتطبيقها سوف تتقهقر كل العقبات والعوائق، وإنما هو ببساطة نموذج يستحق التأمل.
بدأت قصة تثبيت دعائم الديمقراطية في إسبانيا في أواسط السبعينات، شاركت شخصيات كثيرة في إنجاح عملية التحول تلك، من مثقفين وأكاديميين وسياسيين وناشطي المجتمع المدني وعمال وطلاب وفنانين وممثلي التيار الإصلاحي داخل الكنيسة الكاثوليكية وغيرهم. هناك العديد من العوامل التي ساهمت في دفع الجميع نحو تقديم تنازلات والبحث عن توافقات سياسية عريضة، وكان هناك سياسي له الفضل الأعظم في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ إسبانيا، إنه أدولفوسوارث رئيس الوزراء الأسبق الذي توفي قبل أيام يسيرة عن عمر يناهز 81 عاما.
تنصيب أدولفو سوارث جاء من منطلق الحاجة إلى إختيار شخص قادر على تهدئة الاضطرابات الشديدة التي كانت تعصف بإسبانيا قبل وبعد موت ديكتاتورها الجنرال فرانثيسكو فرانكو، الذي ترك خلفه طبقة عسكرية وسياسية متوغلة في مؤسسات الدولة كانت تعارض أي تغيير في نظام الحكم السابق الذي كان قد أرسى قواعده الديكتاتور. لقد كان أدولفو سوارث مستشرفاً للمستقبل ومدركاً للمناخ الثقافي والسياسي الجديد الذي سوف يطرأ على إسبانيا، ومن خلال شخصيته الكاريزماتية المميزة بدأ بتهيئة الأرضية للدخول في عملية الانتقال إلى الدولة الديمقراطية الحديثة، فقد كان ذلك هو المطلب الأساسي للشعب الإسباني آنذاك.
من الخطوات الأولى التي قام بها وكجزء من مشروع الإصلاح السياسي أنه جمع كل الفرقاء السياسيين الى طاولة واحدة شملت الشيوعيين والإشتراكيين رغم أنه كان يناهضهم أيديولوجياً، ولكنه كان يؤمن بدورهم في المجتمع وبحقهم في المشاركة في عملية بناء الوطن، وهنا يكمن جوهر أي مشروع ديمقراطي حقيقي. فانطلاقاً من إيمانه الراسخ بذلك منح ترخيـــــصاً قانونياً لكل الأحزاب السياسية التي كانت ممنوعة من النشــــاط السياسي أثناء حكم فرانكو. لم يكن من السهولة بمكان الترخــــيص للــــحزب الشيوعي لأن كبار العسكر كانوا يرفضون بشدة ذلك، وللإلتفاف عليهم ولتجنب تأثيرهم، ما كان من أدولفو سوارث إلا أن استغل فترة ‘عيد القيامة’ التي كان فيها معظم ضباط الجيش في عطلة رسمية وخارج ثكناتهم العسكرية وقام بمنح الشرعية القانونية للحزب الشيوعي لكي يعمل بعلنية وبكل حرية.
لم يتوقف أدولفو سوارث عند ذلك فقط ولكنه استمر وبنفس العقلية الإصلاحية في اتخاذ الخطوات الحاسمة التي ادت إلى إرساء نظام ديمقراطي مكتمل الأركان تنعم به كافة قطاعات المجتمع إلى يومنا هذا. وكان بعد ذلك إعداد دستور جديد وعصري وهو أحد أهم الإنجازات في تلك الحقبة. ذلك الدستور الذي ينادي بدولة القانون الاجتماعي والديمقراطي ويرسخ مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء ويضمن التعدد السياسي وكرامة وحريات المواطنين..
بعد هذا العرض الوجيز للتجربة الإسبانية، التي من الممكن أن نقارنها أو ننحو نحوها في الحالة المصرية، نستطيع أن نخرج بالكثير من الخلاصات والاستدلالات والدروس والعبر. أهمها أن التغيير أو تصحيح مسار الثورة في مصر سوف يعتمد على قدرة الجميع، خاصة القادة والنخب من الإسلاميين والعلمانيين، على نبذ العنف والتبرؤ منه أياً كان مصدره، وعلى التحلي بحس التوافق والالتزام بالعمل جنباً إلى جنب من أجل وضع البوصلة نحو هدف الثورة الرئيسي وهو دفع عجلة التحول الديمقراطي الحقيقي. وأقول ان مجريات الأحداث في مصر في المستقبل القريب سوف تعكس لنا مدى قدرة الجميع على تحقيق ذلك الهدف.
‘ أستاذ مساعد في جامعة دوستو وجامعة الباييس باسكو