مصر: ثورة 1919 الركيزة الوطنية للإبداع الفني ونشيد الاستقلال

كمال القاضي
حجم الخط
0

 ثمة متغير سياسي ووطني، ومفهوم جديد للثقافة المصرية صار سائداً فجعل حدثاً تاريخياً كثورة 1919 يتجدد ويتم الاحتفال به على نطاق واسع بعد مئة عام من وقوعه، فتُستدعى على إثره مضامين الأعمال الفنية التي ترجمته بالصوت والصورة ووضعته في الأرشيف الفني كمكون رئيسي من المكونات الإبداعية وخلفية سياسية ووطنية للأحداث الجسام.

على مدار عقود طويلة طغت ثورة يوليو 52 على الحالة الثقافية والفنية فتوارت الثورة الأم في زاوية من الزمن، ولم تعرف الأجيال الجديدة الكثير عنها سوى ما سُطر في كتب التاريخ، ولم يكن متوافراً غير الملامح الواردة في بعض الأفلام التي يتكرر عرضها في وسائل الإعلام المرئية كثلاثية نجيب محفوظ التي تحولت إلى ثلاثة أفلام ذات صله بثورة 1919 وما نتج عنها من حراك سياسي ووطني ركز علية المخرج الكبير حسن الإمام في فيلمي “بين القصرين والسكرية” فسلط الضوء على خروج المرأة المصرية لأول مره للمشاركة في المظاهرات الشعبية للمطالبة بالاستقلال وجلاء الاحتلال، وكانت حينئذ صيحة مدوية أحدثت تحولاً جذرياً في المسيرة النضالية وأعطت للمرأة حق تقرير المصير كعنصر محوري وفعال في التركيبة الاجتماعية المصرية.

 وبتنامي الوعي الجمعي للجماهير بدأت عمليات الكشف والتنقيب عن الأعمال الفنية والسينمائية الأخرى السابقة على الفيلمين المذكورين فظهرت تجارب الرواد الكبار كعلامات ووثائق دالة على الحقائق التاريخية المهمة في مسيرة كفاح الشعب المصري ومعطيات انطلاق الثورة المجيدة أوائل القرن العشرين، وبالقطع كان من بينها فيلم “مصطفى كامل” للمخرج أحمد بدرخان الذي يحكي السيرة الذاتية للزعيم الوطني صاحب الرسالة ومُلهم الجماهير ومُلهب مشاعرهم الوطنية لصالح قضية بلادهم العادلة. ومن آيات التميز أن الفيلم تناول السيرة والمسيرة وعرج على ثورة 1919 وكفاح زعيمها سعد زغلول كنموذج مضيء للنضال والمثابرة، متضمناً أبعادا أخرى كان لها الأثر البالغ في حيوية الثورة ونجاحها كالوحدة الوطنية والعلاقة السوية المستقرة بين عنصري الأمة.

وقد نحج بدرخان في اختيار الموضوع والشخصية المحركة للأحداث، حيث لا يمكن الخلاف عليها ولا التشكيك في وطنيتها ونزاهتها ودورها، كما أحسن اختيار الممثل الذي جسد الدور وقدم شخصية مصطفى كامل ببراعة متناهية وهو الفنان أنور أحمد الذي تناغم أداؤه مع أداء النجوم الكبار، حسين رياض ومحمود المليجي وماجدة الصباحي.

 ولعل ما أسهم في نسيان الفيلم وكان سبباً في عدم تقييمه التقييم الإيجابي المستحق، ما أثير حوله كعمل تحريضي يثير الجماهير ويحض على التمرد، وإزاء هذا التوصيف ظل الفيلم الراوي لسيرة مصطفى كامل حبيس الأدراج لفترة طويلة قبل قيام ثورة يوليو، ولم يُفرج عنه إلا بعد الثورة وسُمح بعرضه على استحياء في المناسبات الوطنية فقط.

وفي السياق وبمبادرة من المخرج الرائد أحمد بدرخان جاء فيلم “سيد درويش” ليكون إضافة تالية للسينما المصرية وشهادة أخرى توثق تفاصيل المرحلة وتوفر ما أمكن توفيره من بعض المعلومات عن ثورة 1919 وظروف قيامها وتجاوب الشعب معها بكل طوائفه وفئاته، وكالعادة جاء ذلك متوارياً خلف السيرة الذاتية للمطرب والملحن الكبير سيد درويش، صاحب السبق في استخدام الأغنية كسلاح نافذ وفعال ضد الاستعمار الانكليزي في تلك الفترة بالمشاركة مع الشاعر بديع خيري الذي كتب معظم أغاني سيد درويش بإسقاطاتها السياسية ودلالاتها الوطنية.

وقد منح المخرج فرصة العمر للفنان المسرحي كرم مطاوع ليقوم بالبطولة التاريخية ويجسد حياة الموسيقار والفنان الكبير، وبالفعل نجح مطاوع في تقديم الشخصية وأحدث الصدى المطلوب فعاش سيد درويش في وجدان الجماهير وبقي الفيلم علامة ووثيقة وتاريخ.

ومن السينما إلى الدراما التلفزيونية كان التأثر والانتقال من الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة متمثلاً في بعض المسلسلات، من بينها “جمهورية زفتي” للكاتب يسري الجندي والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، حيث تم عرض مزيد من التفاصيل حول ثورة 1919 وأثرها في الشخصية المصرية، إذ وثق الجندي واقعة إعلان مدينة زفتي استقلالها الرمزي عقب قيام ثورة سعد زغلول إسقاطاً على الحُلم المنشود باستقلال مصر كلها.

وفي مسلسل “مصر الجديدة” كان الاسترجاع التاريخي هو السمة الأساسية أيضا لإحياء الثورة الأم لقائدها وزعيمها سعد باشا ولكن من خلال السيرة الذاتية لرائدة الحركة النسائية هدى شعراوي صاحبة الامتياز في العمل على مناهضة الاحتلال وتحقيق الاستقلال.

ويعد المسلسل واحداً من الأعمال المهمة للمخرج محمد فاضل والفنانة فردوس عبد الحميد التي جسدت حياة الشخصية النسائية القيادية وحظيت بثناء الجمهور والنقاد.

تلك كانت قراءة في أهم الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي تعرضت للمرحلة التاريخية الاستثنائية من عمر مصر وأماطت اللثام عن ثورة 1919 التي يحُتفل الآن بمئويتها في إشارات عديدة لدورها وأهميتها وتأثيرها السياسي والوطني والاجتماعي.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية