مصر: حكاية “الجيوشي” و”السبع بنات”

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

آثار إسلامية تحيط بها الأساطير

القاهرة-“القدس العربي”: بخلاف آثار العصور العديدة التي عاشتها مصر، والممتدة طوال تاريخها، وبخلاف القيمة أو السمة الفنية والجمالية لهذا الأثر أو ذاك، نجد البعض منها يحمل أساطيره الخاصة، والتي ابتدعتها وأحيتها المخيلة والمعتقد الشعبي تبجيلاً وربما تقديساً لصاحب الأثر، أو بحثاً عن ذي سلطة في عالم الأموات يعينهم على بلاء الزمن وسلطة الأحياء، فأعلت من شأنه وجعلته يعيش بين الناس حتى الآن، وكأنه حي لا يموت، خاصة وأن المصري عشق إحياء الموتى، ولو اقتصر سبيل ذلك على مخيلته الرحبة. وما بين “الجيوشي” و”السبع بنات” تكمن مفردات الأسطورة التي صاغها الشعب المنسي من الجميع، والمتعلق فقط برحمة مخيلته.

الجيوشي

“مما أمر بعمارة هذا المشهد المبارك فتى مولانا وسيدنا الإمام المستنصر بالله أمير المومنين، وعلى آبائه الأئمة الطاهرين وأبنائه الأكرمين وسلم إلى يوم الدين، السيد الأجل أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين نصر الله به الدين وأمتع بطول بقائه أمير المومنين وأدام قدرته وأعلى كلمته وكيد عدوه وحسدته، ابتغاء مرضاة الله في المحرم سنة ثمان وسبعين وأربعمئة”. (عبارات منقوشة على لوحة من الرخام تعلو عتب المدخل الرئيس لجامع الجيوشي).

هو أبو النجم بدر الجَمالي، مملوك أرميني الأصل اشتراه جمال الدولة بن عماد ولذلك عُرف بالجَمالي. وإليه ترجع تسمية “حي الجَمالية” بهذا الاسم. أما اسم “الجيوشي” فيعود إلى لقب أمير الجيوش، الذي منحه إياه الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، أو “ميرجوشي” كما ينطقها العامة.

حينما وقعت الشدة المستنصرية، وكادت الخلافة الفاطمية أن تنهار، استدعاه المستنصر ــ وقد كان الجمالي وقتها والياً على دمشق ــ فوصل القاهرة عام 1072 ميلادية، ليُعيد الأمور إلى نصابها، خاصة وقد شاعت الفوضى في البلاد بسبب انقسام فصائل جيش الترك والأفريق، إضافة إلى هجمات البربر على دلتا مصر لإسقاطها، فضلاً عن المجاعة التي ضربت المصريين، نتيجة انخفاض مستوى مياه النيل، والأوبئة التي استفحلت في البلاد. منحه الخليفة لقب “أمير الجيوش” بعد ما نجح في السيطرة على البلاد وتخلص من قادة الفتنة، وفرض النظام على الجميع. كذلك أعاد الجيوشي بناء سور القاهرة لتقويته ولزيادة مساحتها، فأصبحت القاهرة مدينة دفاعية مسوّرة لصد هجمات السلاجقة المحتملة عليها، وقد بقيت أجزاء من هذا السور وبعض أبوابه الشهيرة، مثل، باب النصر، باب الفتوح، وباب زويلة. ولما استقر حال الخلافة، تحكّم في مصر الملوك، ولم يبق المستنصر معه أمر.

توفي بدر الجمالي سنة 1094 ميلادية عن ثمانين عاما، من دون معرفة مكان قبره الحقيقي، فالبعض يقول إنه دُفن في زاويته “زاوية الجيوشي” بجبل المقطم في مواجهة قلعة صلاح الدين، والذي بناها عام 1085 ميلادية. بينما البعض الآخر يقولون بدفنه في مقبرة خارج باب النصر، وأن هذه الزاوية أو الجامع وتكوينه المعماري ــ رغم جمالياته من حيث كونه من أول المساجد التي تم بناؤها كاملاً بالحجر، ومأذنته تعتبر من أول المآذن الفاطمية ــ لا يتناسب ومقام أمير الجيوش، وأنه كأمير للجيوش وللدهاء أيضاً كان هذا الجامع من قبيل التمويه، وما هو إلا برج مراقبة يكشف القاهرة بالكامل، حيث لا تناسب طول المأذنة ــ حوالي 20 مترا ــ مع مساحة الجامع البالغة 270 مترا مربعا. مع ملاحظة أن هذه المأذنة كانت أول مكان في مصر يتم من خلاله طقس استطلاع هلال رمضان. كذلك تبدو على عمارة الزاوية أو الجامع أن تصميم المأذنة قد استوحىّ من أبراج الكنائس المسيحية في الشام، حيث كان الجيوشي والياً على دمشق. كما جاء منقوشاً على شكل دائرة في سِمت القبة الآية رقم (39) من سورة يس: “والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم” وفي الوسط نُقش اسم (مُحمّد) و(علي) مكررين ثلاث مرّات على شكل نجمة مسدسة الرؤوس.

من ناحية أخرى نجد أن المبنى قامت بترميمه ــ أعادت بناؤه بمعنى أدق ــ طائفة “البُهرة” ــ وهي طائفة شيعية فرّت من مصر في عهد صلاح الدين الأيوبي، واستقرت في الهند، ثم عادت إلى مصر آواخر سبعينيات القرن الفائت ــ التي أخذت على عاتقها ترميم آثار الدولة الفاطمية وبعض آثار آل البيت، كتجديد مرقد السيدة زينب ومقصورتها، إضافة إلى تجديدهم مقصورة الحسين.

وبما أننا في العصر الحديث، فاختلاق الأساطير حل محله اختلاق المؤامرات، فيُقال إن هذه الطائفة قد طمست الزخارف السُنيّة التي طرأت على المسجد بعد العصر الفاطمي ــ لاحظ أن هذه الزخارف لم تكن موجودة في الأصل، وأضيفت إلى البناء بعد تخلص صلاح الدين من الفاطميين ــ ولم تقف المؤامرة عند هذا الحد، فالطائفة قامت بطلاء البناء بالكامل باللون الأسود! تعبيراً منهم عن حزنهم الشديد على سقوط الدولة الفاطمية، وعندما اعترض رجال الآثار الشجعان، قامت الطائفة بإعادة طلاء المسجد باللون الأبيض، للتعبير عن أملهم في إحياء الدولة الفاطمية من جديد. هذه آراء أحد مفتشي الآثار المصريين، ولله في خلقه شؤون.

المهم، هذه الزاوية أو المشهد الذي بُنيّ فوق مشهد (أخوة يوسف) مباشرة، كان يشرف على منطقة القرافة الصغرى بالإمام الشافعي وعلى الجزء المطل على النيل من جهة مصر القديمة وعلى المراعي الخضراء المعروفة بالبساتين، أو بساتين الوزير ــ الوزير الذي فرّ أو قُتل هو وعائلته على يد الحاكم بأمر الله ــ ويرجع بعض الباحثين سبب اختيار الجيوشي لهذه البقعة هو رغبته في أن يُدفن في موقع مرتفع حتى يشرف منه على قباب السبع بنات ــ بنات الوزير ــ الأثيرات لديه.

السبع بنات

“ستات كتير راحوا حنّوا البنات وربنا استجاب”

في كل يوم جمعة، تتوافد البنات والسيدات، حاملات الشموع والبخور والحناء، إلى مقابر السبع بنات يُشعلن شموعهن وبخورهن، ويقمن بخلط الحناء ووضعها فوق أحجار الضريح من الداخل والخارج، ويطفن سبعاً، مرددات بعض من آيات الذكر الحكيم، داعيات راجيات بأن يقرّب الله ما ابتعد، متوسلات ببركة العذارى الشهيدات، فهذه لم تنجب بعد، وأخرى تجاورها أمها باكية وقد فاتها قطار الزواج، وأخيرة عليها عفاريت. والأمل معقود على هذه الزيارة ــ الأمر لا علاقة له بالشِرك أو ما شابه ــ فالفقراء الذين لا يستطيعون الذهاب إلى بيت الله الحرام في آخر الدنيا، يعتقدون في رحمة ربنا الواسعة، بأن لديهم أماكنهم القريبة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا ــ حتى تجف الحناء وتنطفئ الشموع. ولابد من إتمام الطقس حتى الزيارة الثالثة، بدون انقطاع. وما بين الرقم (7) والرقم (3) ربك قادر على المعجزات.

تباينت الأخبار المتواترة حد التناقض في أمر ضريح القباب السبع أو قباب السبع بنات الواقعة جنوب الفسطاط، بالقرب من القلعة أعلى جبل المقطم. مع ملاحظة أنه لم يتبق سوى أربعة، ومؤخراً تم اكتشاف اثنين آخرين، جميعهم من دون قباب، أما الأخير فاندثر تماماً. والقبة هي غطاء الضريح، الذي حل محل المصطبة أو الهرم في مصر القديمة، وتقع جميع الأضرحة على صف واحد غير مستقيم، متماثله البناء، كل منها على شكل مربع طوله 6 أمتار. ويتكون من ثلاثة طوابق، أولها من الحجر، والثاني والثالث من الآجر، والأخير فيه نوافذ ثماني.

فرغم التأكيد بأن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله هو الذي بناها، إلا أن الأسباب تختلف تماماً، فقيل إنها أضرحة دُفن فيها سبع بنات من أسرة مغربية واحدة، كان الحاكم بأمر الله قد أعدم والدهن عام 1010 ميلادية. أو أن الخليفة نفسه بعد أن قتل أحد وزرائه ويدعى (أبو سعيد الحسين بن علي المغربي) قتل أفراد عائلته لأنهم خرجوا عن المذهب الشيعي، وعندما شعر الحاكم بأمر الله بالذنب، قرر إقامة هذه القباب تكريماً للقتلى وتخليداً لذكراهم. أو أن الوزير المغربي بعد فراره من مصر إلى مكة، تم قتل أقاربه، بعدها حاول الخليفة استرضاء الرجل فأمر ببناء القباب. من دون تأكيد فكرة أنهن بنات الرجل أو من أفراد عائلته، أو حتى أنهن بنات في الأساس. رأي آخر يرى أن الناس في ذلك الوقت شعروا بالحزن والأسى على المقتولات غدراً، فأقاموا لهن هذه القباب. أما الخيال الشعبي فينسج حكاياته، وبما أن الجيوشي كان رجلاً عادلاً بين الناس، و”مشهده أو زاويته” تطل على هذه القباب، فالفتيات يصبحن بنات الشيخ الجيوشي ــ لقد صار شيخاً أيضاً ــ وحتى تكتمل فكرة القداسة فقد كُن يُحاربن اليهود مع والدهن، وتم قتلهن ودفنهن فى هذه المنطقة. ويلاحظ أن مقابر البنات السبع منتشرة في أكثر من مكان في مصر، شمالاً وجنوباً، أشهرها بنات البهنسا في المنيا جنوب مصر، وقد أشيع أنهن حاربن في صفوف المسلمين ضد الرومان، فليس من الغرابة أن يتحول الرومان إلى اليهود في الذاكرة الجمعية القريبة للمصريين. وإمعاناً في الوظيفة الطقسية في ما بعد، والمستمرة حتى الآن بين المصريين، فالبنات عذراوات ومقتولات، شهيدات ومباركات، فلابد من اختراع رجل خيالي يهيم بهن ــ جميعهن ــ ويعشقهن من دون أدنى أمل. وكان لابد من أن يكون الرجل فارساً شجاعاً، يصح أن تُنسج حوله الأساطير بدون جدال، فيتعدى الجيوشي حدود الأبوة، ويستأنس في قبره بعشق البنات السبع ــ هنا تسقط الأزمنة والتواريخ ــ ليوصي الرجل قبل موته قائلاً: “ادفنوني فوق جبل عال وعيني تراهن”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية