مصر.. عن الدستور والأحزاب الدينية

القصة أشبه بمطاردة قطة سوداء في غرفة مظلمة، فالأحزاب والقوى المدنية والديمقراطية تصر على حظر الأحزاب الدينية، وعلى أن يكون الحظر ساريا بنص قطعي في دستور مصر الجديدة، بينما تنكر أحزاب الإخوان والنور ـ وسواها ـ وصف الأحزاب الدينية، وتقول انها لا تقوم على أساس ديني، وتفضل وصف نفسها بالأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، وتقول ان وجودها متسق مع الدستور، الذي يعلي مكانة الشريعة في نص حاكم يحظى بالإجماع الوطني.
وقد زاد الالتباس مع نصوص هجينة جرى إقحامها في الدستور المعطل، الذي يجري تعديله جذريا الآن، إلى حد يقارب معنى إنشاء دستور جديد، فلم يكتف الدستور المعطل بإيراد النص المجمع عليه وطنيا، الذي يؤكد بالحرف أن ‘الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع’. وهو نص استقرت صياغته مع التعديلات المتتابعة لدستور 1971، ولم يخل دستور مصري قبلها من نص يقرر أن ‘الإسلام دين الدولة’، ولن يخلو الدستور الذي يعد الآن من النص الموسع الذي يعترف بأولوية الشريعة في مصادر التشريع.
وليس هناك حزب واحد في مصر، ولا شخصية عامة ذات اعتبار، يصح أن يوصف بالعلمانية على الطريقة الغربية، وليس هناك من أحد يعارض أو يراجع النص الشهير باسم ‘المادة الثانية’، فالصيغة جامعة مانعة، ولا تتطلب إضافة حرف واحد، وسوف تتم العودة إليها بغير زيادة ولا تحريف، مع حذف المواد المرتبكة المضللة دينيا، التي حاولت افتعال ‘سلطة دينية’ لمؤسسات أو مذاهب بعينها، فقد جرى تزوير صورة الأزهر في الدستور المعطل، وافتعال سلطة رقابة للأزهر على مبدأ العمل بالشريعة الإسلامية، وكأن للأزهر سلطة فوق سلطة البرلمان في التشريع، ونصوص الدستور توجه في العادة إلى المشرع الذي هو البرلمان، والاحتكام إلى مخالفتها من عدمه محصور بدور المحكمة الدستورية العليا، ومن حق البرلمان ـ كما من حق المحكمة ـ أن تستعين برأي الأزهر كجامعة إسلامية عظمى، وليس أن يحل الأزهر محل البرلمان أو المحكمة، فالدولة الدستورية الديمقراطية تنقاد إلى القانون لا إلى الفتاوى، وليس لأحد ـ فردا كان أو مؤسسة ـ أن يتحول إلى سلطة دينية في الإسلام، وهو الدين العظيم الذي ينكر ابتداء مفهوم الدولة الدينية، ويخلو من الوساطة والكهانة ورجال الدين. ففي الإسلام علماء وفقهاء، وليس رجال دين، ولا سلطة لرجال الدين، ومفهوم الشريعة الإسلامية ليس خافيا على أحد يعقل، ومبادئ الشريعة محكومة بالنص الديني المباشر الذي لا يحتمل تأويلا، ومواردها هي القطعيات لا الظنيات، هي الآيات قطعية الدلالة تشريعية الطابع في القرآن الكريم، وجملتها مئتا آية فقط من ستة آلاف آية هي مجموع القرآن، تضاف إليها أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطعية الورود قطعية الدلالة. وباكتمال القرآن الكريم انقطع الوحى الإلهي، وبوفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توقفت الأحاديث، وتشكلت دائرة ‘الشمول الإلزامي’ في الإسلام، وهي تضم معاني الاعتقاد والعبادات والمعاملات بحدودها الشرعية. وفي مقابل المعنى المحدد لدائرة الشمول الإلزامي، تكونت في التاريخ الإسلامي دائرة تتسع مع الزمن أسميها ‘دائرة الشمول التوجيهي’، وهي أقرب إلى معنى حضارى وثقافي يعطي الأولوية لقيم العدالة والتوحيد والعلم والمساواة، وهي دائرة اجتهاد إنساني محض محكوم بقيم عامة، يختلف في صياغتها الناس ـ من المسلمين وغيرهم ـ إلى يوم يبعثون، وفيها معنى الخلاف في الدنيا لا في الدين، وتأسيا بقول الرسول الأكرم ‘ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به’.
وفي صور الخلاف الميســــر مذاهب وفرق وأحزاب فيها الفقه وفيها السياسة، فالشريعة مقدسة، والفقــــه ليس كذلك، والمذاهب من عمل البشر لا من عمل الله ورسوله، وهنا يبرز شذوذ المادة (219) في الدستور المعطل، فهي تتحدث عن مــــذاهب بعينها، وتضيف معنى الفقه إلى معنى الشريعة الملزمة، وهذا ضــــلال ديني قبل أن يكون خبلا دستوريا، أريد به افتعال سلطة دينية لجماعات بعينها، بينما الإسلام ـ في مجراه الصافي ـ لا يعترف بسلطة دينية لأحد سوى الله ورسوله، لا يعترف بولاية الفقيه على النمط الإيراني، ولا بولاية المرشد على النمط الإخواني، ولا بولاية الشيخ على طريقة السلفيين الوهابيين، فهذه كلها أفكار ضالة بعيدة عن المزاج المصري المتفوق في فهم الإسلام، وأقرب إلى مرجعيات شاذة يسميها الإخوان والسلفيون زورا باسم ‘المرجعية الإسلامية’، ويريدون بها ‘خصخصة الإسلام’، وجعله ‘بضاعة مخصوصة’، يبيعونها للناس عوضا عن فقرهم الفكرى والسياسي.
والمعنى: أن تعبير ‘المرجعية الإسلامية’ يحتاج إلى تأمل وإلى فحص، ولا يصح التسليم به على التباس وغموض واحتمال للتأويل، فإذا كان المقصود هو الالتزام بالدستور الذي يعلي مكانة الشريعة في المادة الثانية، إذا كان المقصود كذلك، فإن كل الأحزاب ـ يسارها ويمينها ـ تلتزم بمرجعية الدستور، ولا يصبح من معنى لوجود حزب يميز نفسه دون غيره بالتزام ما يسميه بالمرجعية الإسلامية، فالإسلام قضية مجتمع في مصر، وليس قضية مخصوصة لحزب أو جماعة، والأصل هو استقلال السياسة ـ في ما لم يرد فيه نص ـ عن الشريعة، والأحزاب الموصوفة بذات ‘المرجعية الإسلامية’ هي مجرد أحزاب يمينية محافظة، وبعضها أحزاب إرهابية بامتياز، وهي تلد بعضها من بعض على طريقة ‘الباب الدوار’، ولا معنى هنا لخداع أو تضليل أو ‘سبهللة’، فلا شيء في مصر يصح وصفه دون غيره بالتيار الإسلامي، ولا بالأحزاب الإسلامية، فرب العزة يقول ‘هو سماكم المسلمين’ لا الإسلاميين، والمجتمع المصري مجتمع مسلمين، فالإسلام هو الدين الغالب في مصر. ثم ان الإسلام هو المصدر الرئيسى تاريخيا للثقافة الوطنية الجامعة، كان مكرم عبيد، وهو أشهر سياسي مصري مسيحي، يقول ‘أنا مسيحي دينا. مسلم وطنا’، وهو التقليد الوطني الذي يجعل كنائس مصر كلها توافق تلقائيا على نص ‘المادة الثانية’، من دون نقصان لحرف أو إخلال بمعنى.
إذن أين الخلل والعطب؟ الخلل ـ بالتأكيد ـ ليس في مكانة الشريعة بالدستور، فهذه قضية إجماع وطني، لكن العطب في مكان آخر، ليس في التسليم بدور دنيوي وتشريعي لأصل الدين، بل في خلط الدعوة للدين بأحزاب السياسة، وعلى النحو الذي يقال لك معه، ان حزب الحرية والعدالة هو الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين الدينية، أو أن حزب النور هو الذراع السياسية للدعوة السلفية الدينية، أو أن حزب البناء والتنمية هو الذراع السياسية للجماعة الإسلامية الدينــــية، أي أن يقال لك انك بصدد أحزاب سياسية، وتتبع في الوقــــت نفسه جماعات مشايخ دينية، وهو الوضع الشاذ الذي قد يصح أن ينتــــبه إليه صناع الدستور الجديد، فمن حق الكافة أن ينشئوا أحزابا، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر لنفسه دون غـــيره صفة الدين، ولا من حق أحد أن ينشئ أحزابا على أساس ديني، ولا أن يــــروج لبضاعته السياسية بشعارات دينية، ولا أن يستخدم المساجــــد أو الكنائس منابر دعاية سياسية، ولا أماكن لممارسة حقوق مدنية كالاعتصام أو التظاهر، وهو ما يلزم معه حظر بدعة أحزاب الأذرع والأرجل لجماعات دينية غامضة في مصادر تمويلها العابرة للحدود، والأهم أن يجري حظر بدعة الجماعات الدعوية أو الجماعات المستترة بالدعوة، التي بنت لنفسها امبراطوريات خاصة، واستخلصت لنفسها مئات المساجد وآلاف الزوايا، ونشرت فهما صحراويا سقيما للإسلام، يؤدي إلى التكفير المقنع أو التكفير الصريح، ثم ينتقل من معنى التكفير المرذول إلى حوادث التفجير الإرهابي. وكسر الحلقة اللعينة المفزعة يلزم معه إنهاء بدعة الجماعات المستترة بالدعوة، وإعادة تنظيم الدعوة بصورة تعطي للأزهر مكانته الحاسمة مع ضمان استقلاله، فلا يصرح لداعية إلا أن يكون أزهريا أو حاصلا على شهادة معادلة من جامعة الأزهر، وأن تعطى للدعاة ـ كما القساوسة ـ مكانة تعادل مكانة القضاة، تجعلهم موضع التقدير والتبجيل، وتحظر عليهم الاشتغال بالأحزاب أو خلافات السياسة.
وباختصار، لا نريد استئصالا لأحد ولا استغفالا من أحد، ولا نقبل تزوير ‘الأحزاب الدينية’ للدين والدنيا معا.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية