سقوط ضحايا في معارك الصراع الدائر في مصر بين الدولة والحكومة والغالبية العظمى من الشعب من جهة، وبين جماعة الإخوان وحلفائها من الجماعات والأحزاب الطائفية والمذهبية والتكفيرية من جهة أخرى خسارة كبيرة ومؤلمة في نفس الوقت، بغض النظر عن هوية وشخصية القاتل والقتيل والجاني والمجني عليه، ونقدم واجب العزاء لأهليهم وذويهم، ومن الأمور الثابتة والمتعارف عليها أن القتال الحقيقي هو الذي يكون في ميادين القتال الطبيعية دفاعا عن الأوطان وتحريرا للأرض وحماية استقلالها، وليس اقتتالا في خنادق الفتنة.
وحالة مصر تعسكها صورتان متناقضتان أحداهما غالبة ومهيمنة على الوجدان الشعبي والرأي العام في الداخل، وتعبر عن إجماع يدين حكم ‘الإخوان القطبيين’؛ وهو ما تسبب في التآمر عليه وإسقاطه، وهنا لا تهم التفاصيل المعروفة أمام المعاناة الشديدة للمصريين. تقابلها صورة أخرى غالبة ومهيمنة على مواقف وتحركات أغلب قوى الإسلام السياسي، وهي تجد تأييدا شبه مطلق من المنظومة الغربية باتساع تنوعها واختلافها، وترى مصلحتها في المرحلة الراهنة في دعم ومساندة بقاء ووصول الإسلام السياسي إلى كراسي الحكم في المنطقة العربية، وهذه المنظومة تفتقد التواصل والاحتكاك الحقيقي في الداخل، وتستمد معرفتها ومعلوماتها من دعايات مذهبية وطائفية، ومن تقارير سفارات غربية؛ خاصة السفارة الأمريكية في القاهرة، وهي ثاني أكبر سفارة أمريكية في العالم بعد سفارة بغداد.
والملفت للنظر أن جماعات وأحزاب الإسلام السياسي في عمومها لا تبذل جهدا يذكر في البحث عن أسباب وتفسير ما جرى، وكما تمكنت كثير من المنظمات ومراكز الأبحاث من التعرف على الموجبات والمسببات والملابسات التي أحاطت بخلع حسني مبارك وعائلته من الحكم، فلا نجد بين الإسلام السياسي مثل هذا الاهتمام ليفسر لهم ما حدث مع محمد مرسي وأهله وعشيرته، ويستثنى من ذلك القيادي السابق في مكتب الإرشاد مختار نوح المحامي المعروف، وناجح إبراهيم القيادي بالجماعة الإسلامية والأخَوَان سلطان (محمود وجمال) أصحاب صحيفة ‘المصريون’ الإسلامية.
ومن الصعب استيعاب صورة بدت متناقضة، وهي متناقضة بالفعل، يعكسها فرح عارم بين قطاعات عريضة من المصريين بعد فض اعتصامي مسجد رابعة العدوية بالقاهرة وميدان النهضة بالجيزة، وهذه القطاعات تحتل مواقعها من أعلى درجات الطبقة الوسطى المتيسرة إلى أدنى مستوياتها، وحولها التفت طبقات شعبية دنيا في ظاهرة ملفتة للنظر تحتاج إلى جهد للتعرف عليها. يقابل ذلك رد فعل كاسح من الإخوان وحلفائهم على فض الاعتصامين تمثل في استهداف مرافق الدولة ومؤسساتها وأجهزة الشرطة ومديريات الأمن ودواوين المحافظات، وهدم وحرق الكنائس والهجوم على متاجر ومنازل مواطنين مسيحيين، وجاء ذلك عقابا لهم على ما أشيع عن تأييدهم لثورة 30 يونيو.
باختصار فإن العنف والإرهاب والقتل غطى مصر من أقصاها إلى أقصاها، وبذلك حل العقاب على شعب بأكمله لرفضه ‘حكم المرشد’، وبدلا من هذا الانتقام الكاسح كان الأولى الانشغال بالتعرف على الأسباب التي دفعت تلك الملايين لتخرج على حاكم اختارته بإرادتها وقبلت به، ولم يأت رغما عن أنف أحد.
ولم ينكر المصريون أنهم انتخبوا محمد مرسي ليكون رئيسا لهم جميعا، لا موظفا لدى التنظيم الدولي للجماعة، ولم يكن حصوله على المقعد مكافأة منحها مكتب الإرشاد، ولا إقرارا بخياراته، إنما كان التزاما بثورة 25 يناير ومبادئها في الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وكان أملا في استمرار الثورة واستكمال أهدافها بعد فشل المجلس العسكري الأول في تحقيقها، وكانت وما زالت أهدافا صالحة كمرتكزات لبرنامج وطني ثوري لا ينقصه إلا هدف تحرير مصر واستعادة استقلالها الوطني والقومي، وأساس ذلك كان الالتزام بمطالب الشعب دون التهرب منها لحساب خطة التنظيم الدولي، الذي لا تعنيه الثورة بقدر ما يعنيه الوصول إلى ‘استاذية العالم’ وهو تعبير استعلائي عنصري. ورأيناه في أدبيات التحريض وبث الكراهية وتبرير العجز عن التكيف مع الحياة والتعامل مع الآخرين. وخريطة الأصوات التي أوصلت مرسي إلى الرئاسة ساهمت في رسمها أصوات من خارج جماعات وأحزاب الإسلام السياسي، وكان أقصى ما استطاعته هو أنها وفرت خمسة ملايين وتسعمائة ألف صوت في الجولة الأولى، فتمكن من المركز الأول، وحصل أحمد شفيق على المركز الثاني بأصوات بلغت خمسة ملايين ونصف المليون صوت وجاء حمدين صباحي في المركز الثالث بأربعة ملايين وأكثر من 800 ألف صوت، وجاء المرشحون العشرة الباقون في المراتب التالية.
وانحصرت المنافسة بين محمد مرسي المرشح الاحتياطي لخيرت الشاطر، وبين أحمد شفيق المنتمي لحكم حسني مبارك وعائلته، ومالت الكفة لصالحه قلقا من فوز شفيق، الذي كان نجاحه يمثل إجهاضا للثورة وعودة إلى ما قبل 25 يناير، وذلك القلق كان سببا في وقوف قوى وطنية وائتلافات ثورة لم تقاطع الانتخابات داعمة لمرسي من أجل أن تحول دون فوز شفيق، ونجح مرسي بأصوات بلغت 13 مليونا و230 ألف صوت، وحصل شفيق على 12 مليونا و347 ألف صوت ممن ذهبوا للانتخابات وكان عددهم 26 مليونا 420 ألف ناخب بنسبة 85.51 في المئة من إجمالي عدد الناخبين المقيدين بالجداول وعددهم 51 مليون ناخب، وقدرت الأصوات الباطلة أكثر قليلا من 843 ألف صوت.
والسبعة ملايين صوت جاءت من رصيد القوى المدنية، وكان أقصى ما حققه الإسلام السياسي هو ما حصل عليه محمد مرسي في الجولة الأولى، وبذلك غلّبت القوى المدنية المصلحة العامة على الالتزامات الحزبية والعقائدية، وهو ما كان يجب أن ينظر إليه بعين الاعتبار.
لم تكن الرئاسة منحة من مكتب الإرشاد لمحمد مرسي، ولا اشتريت بمليارات خيرت الشاطر، ولم تحققها جهود التنظيم الدولي للإخوان، ولا نتجت عن القبول الأمريكي، لقد احتل مرسي موقعه بصوت المواطن. ونقول هذا الكلام فقد نجد من بين قادة الإخوان من يتنبه ويهتم بتحليل ودراسة واستخلاص الدروس المستفادة مما حدث، بعيدا عن إشهار الحجج المرسلة والمكرورة والعبارات المصكوكة عن ‘جبهة الخراب’، ويقصدون جبهة الإنقاذ، وعن دور البابا والكنيسة ونجيب ساويرس والإعلام وعن جهاز أمن الدولة المنحل الذي عاد، وقد كانوا في الحكم، وبدلا من إدارة وتوجيه مؤسساته فضلوا الاصطدام معها، وكانت هذه هي النتيجة، والحقيقة أن الانبهار بالسلطة أنساهم واجبهم وتعالوا على خدمة من انتخبوهم، وقد كان عليهم استقطاب من وقف معهم، وأن يعلموا أن الفوز بثقة الشعب ليس رخصة غير مشروطة بأداء مهمة ولعب دور وأداء وظيفة، وليست رخصة للتحلل من الالتزامات الوطنية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية.
وكان على الإخوان أن يحدوا من تضخم ذواتهم، وينكبوا في البحث عن أسباب هزيمتهم أمام الشعب، من أن تكون لهم فرصة في العودة مرة أخرى. ولا يستخدمون أساليب مستهلكة زادت من نفور المواطن، وهي أنهم لم يحصلوا على الفرصة الكافية، واعتماد العنف كأسلوب مطلوب لذاته في التحكم في المواطن وخطاب طائفي ومذهبي اعتمد التكفير والأكاذيب والسباب وتغيير الحقائق. ومن يريد أن يصور الأمر بأنه إنقلاب فله مطلق الحرية، لكن ليس من حقه أن يكون ذلك على حساب الحقيقة، وعلمنا الزمن أن الحقائق المحجوبة اليوم سرعان ما تتضح غدا، ‘ويا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش؛ كما نقول في مصر.
الكل يعرف ما آلت إليه الأمور، وعلينا أن نتحسس وقع أقدامنا حاليا، فكلنا في سفينة وطن وسط بحر متلاطم، والسفينة مهددة بالغرق وهناك من يزيد الثقوب والأعطاب فيها.
ومع الصراع الإخواني المدني؛ إذا جازت التسمية، تأكد المصريون بأن بلدهم فاقد لاستقلاله وإرادته، ومنذ السادات وحتى مرسي؛ ولم تعن قضية الاستقلال الوطني ولا العدالة الاجتماعية أيا منهم شيئا، وكلهم أقروا بالتبعية وعملوا تحت رايتها، ورسخوها وبرروا استمرار الضعف وقلة الحيلة، وكأنه قدر خوفا من ‘البعبع’ الصهيو غربي، وكأننا شعب ولد بالأمس مبتسرا في حاجة إلى حضانة غربية وصهيونية، وكأننا بلا إرادة ولا كرامة.
تغطت التبعية بأردية التسول والاستجداء وقبول الابتزاز، وأهم ما يواجه مصر الآن هو استعادة الاستقلال الوطني والتحرر من استغلال المرابين وتدخلات الدول والمؤسسات السياسية والاحتكارات الاقتصادية والمالية الغربية، والتحسب للتهديد بالحصار الاقتصادي والعسكري والخضوع لمناطق الحظر الجوي، ثم الغزو بعد أن تتهيأ الظروف، واستقر في ذهن المصريين أن الخطر المتوقع أمريكي وغربي بالدرجة الأولى، بعد أن تحول السفراء إلى مندوبين ساميين يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة، فعادت بذرة المقاومة للنمو في الشارع المصري، فتظاهر ضد ‘آن باترسون’ سفيرة واشنطن؛ الخبيرة في الفتن والاضطرابات بين العرب والعجم، وسوابقها كثيرة في أكثر من مكان حول العالم. وأمام الرفض الشعبي اضطر البيت الأبيض إلى ترشيح سفير آخر أكثر سوءا هو روبرت فورد، وبمجرد أن ذاع اسمه بين الرأي العام انهالت المطالب على الحكومة برفض قبول أوراق اعتماده لتاريخه المشين؛ المليء بإثارة الفتن في البلاد التي عمل بها. ومهمته في مصر لن تخرج عن استكمال دور باترسون في تقسيم البلاد.
ومن حسنات ما حدث في 30 يونيو أنه أجهض مخطط التقسيم، ولو إلى حين. وكشف تحركات الإدارة الأمريكية وتوابعها الأوربيين والصهاينة والعرب والأتراك، وهو ما ترك ظلاله السوداء على ‘حكم المرشد’ وأثر سلبا على موقف المواطن، وتسبب في فشله في حكم مصر، وكان ذلك بفضل ‘الانقلاب الشعبي’ وليس العسكري، والشعب المصر رغم ما يعرف عنه من هدوء وطيبة قادر على تحدي التدخلات الغربية وتدخلات الإدارة الأمريكية تحديدا، وها هو يسعى جادا للتخلص من عبء وقيود المعونة الأمريكية؛ عنوان التبعية، بما يرتبط بها من وجود ما يسمى بـ’قوات حفظ السلام’ وهي قوات أمريكية بالأساس قاعدتها في قلب سيناء.
وأنا على يقين أن الشعب المصري قادم ليلعب دوره التاريخي المعروف، ولهذا استرد دولته ويعلن عن وجوده الدائم في الشارع ملبيا نداء الوطن والثورة، وفي حالة استنفار ورباط حتى يتحرر ويسترد إرادته، وأقول هذا عن دراية وليس تخمينا.
‘ كاتب من مصر يقيم في لندن