مصر: ماذا بقي من ثورة 25 يناير؟

حجم الخط
0

وُئدت جُل ملامح وصفات ثورة 25 في مصر وشارك في الوأد ثلة من أبنائها ويوما بعد يوم انسحبت من حياة المصريين معاني الانعتاق والحرية ودولة الحق والقانون وحل محلها الاستبداد والظلم والقهر والفاشية والاقصاء والاعتقال والدولة البوليسة ..هذا هو حال مصر بعد الانقلاب الغاشم الذي التف على مسيرة نضالية ناصعة ومبهرة وملهمة فحولها الى رماد وسواد ودماء، وشتت أبناء الثورة وصنع من بعضهم خصوما للحرية ودعاة إقصاء وأعداء للحقوق المدنية والسياسية .
اليوم مصر تشهد عهدا جديدا مليئا بالمفاجآت نكوصا إلى الوراء وليس سيرا إلى الأمام. والشواهد ملء السمع والبصر ففي الإعلام ردّة مدوية نحو التكلس والرأي الواحد الموجه والمقيد…وفي الصحف نشر لأكاذيب وأغاليط وتسريبات غبية وحمقاء وبث منقطع النظير للكراهية وكيد بغيض لا حد له وأصوات ثأرية غير مسبوقة. وفي القضاء العبث مثله وأكثر انحياز للسلطة وتصفية انتقائية لخصوم سياسيين بعينهم وتلفيقات مضحكة ومحاكمات انتقامية شديدة العبث حد الجنون. وفي الشارع أكثر ما يندى له الجبين من تجريم للتظاهر وبث للتفرقة وتحريش رخيص بين المواطنين واعتقال وملاحقة لفتيان وفتيات المدارس واغلاق للميادين وزرع اليأس فيها واقتلاع لكل شجرة أو زهرة أو لافتة أو صيحة تلهم الحرية .
لقد عاد الاستبداد اكثر مما كان عليه أيام الحكم البائد لمبارك وزبانيته، خفتت أصوات القيادات السياسية المحسوبة على الثورة إلا ما ندر وأصبحت السلعة الرائجة هي التحرش بالسياسيين والاعلاميين والمثقفين النزهاء لتخوينهم ورميهم بالعمالة والإساءة للوطن والخروج عن لحمة الشعب، ليس الاخوان وحدهم من يدفع ثمن هذا التراجع وانما كل القوى الثورية المخدوعة بكذبة ’30 مليون’ الكل مخدوع وباهت ومضحوك عليه من الليبيرالي إلى اليساري إلى العلماني إلى السلفي .
لا حديث في الشارع المصري اليوم إلا على القائد الملهم عبد الفتاح السيسي هدية السماء وهبة النيل المنقذ المجدد المبعوث والمؤيد بالعناية الإلهية، لا حديث إلا على استئصال الإخوان وحلفائهم ممن أوحوا بثورة ال25، لاحديث إلا في كيفية القضاء على شأفة الثوار المنتقدين الناقمين على الوضع الراهن ولا حديث إلا على الثورة المصطنعة الجديدة الماحقة للثوار الحقيقيين والمناضلين الجديرين بالاحترام.
إنه عصر العجب والغرابة من أن تُهدر كل الجهود المخلصة للخروج من الاستبداد والحكم المطلق والعودة مرة ثانية إلى عهود ما قبل الدولة وإلى عصور القهر والسجن والاعتقال التعسفي والاحتكام إلى قانون القوة لا دولة القانون .
والسؤال هنا هل بقي ما يعتد به من أهداف ‘ثورة ال25′ ولم يهدر؟ الحقيقة واضحة والميدان أبلغ وكل الشواهد تؤكد أن ’30 يونيو’ كان مسحا مبرمجا لما قام به ثوار ال25 على صعيد الحريات العامة والخاصة وثقافة المحاسبة للجميع وكرامة المواطنين والعمل العلني وثقافة الحوار والمشاركة للجميع. كل هذا المسح والمسخ لم يكن وليد صدفة أو انجراف أحداث أدت الى تحصيل حاصل من قمع ومنع للرأي المخالف و تخوين مبيت لكل ناقد أو ناقم من الأوضاع، إنها عملية مبيتة مخططة انتقامية للنيل من الانعتاق الذي حدث في البلد وكان الذين خسروا مواقعهم وامتيازاتهم جراء ثورة الشعب المصري في ال25 استخسروا على الناس أن يخرجوا من حالة البؤس والظلم والقهر الممتد عبر السنين فرأوا أن الوضع لا يليق بهذا الشعب وعليهم تدبير مكيدة ممنهجة للإطاحة بكل هذه الآمال وإرجاع الوضع أسوأ مما كان عليه من قبل .
كلنا يقرأ بين السطور لكبار الكتاب وأصحاب الضمائر الحية وما يضمروه من أسف ومرارة وأسى لما آل إليه الوضع بعد انقلاب السيسي على أول رئيس مدني منتخب بطريقة شرعية وحرة شهد لها العالم. انقلاب قلب العملية الديمقراطية رأسا على عقب وأسس لدولة دكتاتورية بوليسية. كل هذا طيا لثورة الشعب في ال25 وتشميعا بالأحمر لأهدافها وآمالها لأجل يعلمه الله. إن أهداف ثورة ال25 اليوم أضحت أثرا بعد عين ولا سبيل لاستعادتها من جديد إلا باستشعار الخطر المحدق بالناس وبحقوقهم المهضومة ودمائهم المستباحة وتقدير حجم التآمر والخداع والمكر الذي حدث ويحدث عبر عملية غسيل دماغ فريدة وتسويق وَهْم الانتصار على أعداء مفترضين وغير حقيقيين وصناعة أمجاد كاذبة ونسج حكايات وهمية لغد واعد مخدوع ومصطنع .
إن الغد وما يحمله يعلمه الله ..لكن المؤكد أن إرادة الشعوب دائما غالبة وشمس الحريات لا بد أن تشرق يوما على الجميع وإن تأجلت والتاريخ دائما يعلمنا ويلهمنا أن القيود مهما كانت صلابتها فإن إرادة الحياة والحرية والانعتاق من الظلم هي الأقوى والأبقى..
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر..
قنيفي اليزيد
الجزائر
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية