مصر: مهرجانات سينمائية فاشلة ولعبة الدعاية في ثقافة الاستهلاك

كمال القاضي
حجم الخط
0

على مدار السنة لم ينقطع تيار الدعاية والإعلان للترويج للمهرجانات التي تُطلقها وزارة الثقافة المصرية بشكل رسمي أو تُقام تحت رعايتها، وفي كل الحالات والمهرجانات تأتي الدوافع حميدة ورشيدة ويكون المُبرر القوي جاهزا وموضوعا في صدارة المشهد، وهو بالقطع لا يخرج عن صيغ التبرير التقليدية وهي نشر الوعي الثقافي والقضاء على موجات التطرف والعنف وإتاحة الفرصة أمام الإبداع الجديد ليرى النور.
وفي واقع الحال أن المهرجانات المُتعاقبة والمتتالية لا تمس من قريب أو بعيد المُشكلة الحقيقية التي يتم المُتاجرة بها لتسهيل اعتماد الميزانيات والحصول على الموافقات اللازمة لإطلاق المهرجانات والإنفاق عليها ببذخ، أما قضية التطرف والعنف وإشكالية القضاء عليهما فهذه ليست إلا ذرائع لأن المُبالغة في الاحتفالات تخلق نوعاً من الاستفزاز، فالغالبية العظمى من الناس تعرف تماماً أن ما يُقام وتُشد إليه الرحال إلى العواصم الإقليمية محض سفه وبهرجة زائدة لا تُضيف للبرنامج الثقافي أو مجهود التثقيف الحقيقي شيئاً يُذكر، اللهم إلا كرنفالات وعرض لمجموعة أفلام وحضور مُتفق عليه لبعض الشخصيات المحلية والعاطلين عن العمل من أنصاف النجوم بالدول العربية والأوروبية وافتتاح فقير وختام أفقر لا يدل إلا على خيبة الأمل في المهرجانات ومنظميها وضيوفها والمُبتغى من ورائها.
هكذا تأتي الترجمة المُعتادة في مُعظم الدورات، ولكي لا تنكشف اللعبة يتم التركيز على الدعاية للتغطية على الأزمة ومُعالجة المُشكلة. وتمر أيام وليالي الدورة في سلام ليبدأ التحضير بنفس آليات الفشل للدورة التالية بذات الأشكال والوجوه والخبرات الضعيفة التي لا يُمكن أن تكون نواة في عمل إبداعي مهم يُقاوم الإرهاب أو يقلل من آثاره بحسب المُبررات والتوصيات والتمويلات وحسابات الجهات الداعمة التي تعلم تماماً أنها تحرث في البحر وأنه لا طائل من وراء السيل المهرجاني غير تكريس الفشل والتجارة السينمائية البائرة.
إن حجم الميزانيات التي يتم تخصيصها للجمعيات الفنية وأنشطتها المزعومة من مهرجانات وتكريمات ومطبوعات وضيافة ودعاية وإعلان يفوق حجم ما يُنفق على الثقافة الفعلية من طباعة وترجمة وإصدارات وتشغيل لدور السينما المُعطلة منذ سنوات وترميم للمسارح وتنشيط لقصور الثقافة الغارقة في الكسل في الأقاليم والمحافظات بحجة كورونا كأن الوباء يستهدفها فقط ويستثني المهرجانات بضيوفها ومكرميها وجمهورها.
حين أصدرت النقابة العامة لاتحاد كُتاب مصر برئاسة الدكتور علاء عبد الهادي بياناً انتقدت فيه الأداء المُتهافت لوزارة الثقافة وأشارت لعدد من السلبيات، قامت الدنيا ولم تقعد، واعتبر المُنتفعون أن الحيثيات الصحيحة والحقيقية التي وردت في مضمون البيان هي بمثابة إعلان حرب على وزيرة الثقافة، ولم يكلف أحدهم نفسه عناء البحث في تفاصيل وخلفيات ما تم ذكره، وكان من بين ما أشير إليه في البيان، كثافة المهرجانات والتهامها لقدر كبير من الميزانية الثقافية على حساب أساسيات أخرى كالإطلاع بحركة النشر وتنمية المواهب وتطوير المنظومة الثقافية في العاصمة والأقاليم والنظر بعين الاعتبار والتدقيق لمنح التفرغ والجوائز التي تُمنح للمحاسيب والمقربين والعاملين بالمؤسسات الثقافية ذاتها، فضلاً عن اللجان المُنبثقة عن لجان لاختيار المتميزين والمتفوقين، وعورات المُحاباة وشراء الخواطر والتوزيع غير العادل للمُكتسبات والامتيازات المالية والأدبية وحرمان الموهوبين الحقيقيين منها بإقصائهم خارج الساحة وإبعادهم بالحيلة والنفوذ عن حلبة المُنافسة.
كل هذه الأشياء التي تنتقص من كفاءة الأداء بالوزارة العريقة وقياداتها الكبيرة والصغيرة كان يجب أن تُناقش على أعلى مستوى وتخرج توصيات بمُعالجتها والقضاء عليها باعتبارها أمراضا وأدرانا تهدد العملية الثقافية وتُسيء للمُثقفين، لكن شيئاً من كل ما ذُكر لم يُعتن به ولم يُعيره أحد اهتماماً، اللهم غير قرار علاج المُبدعين الذي جاء بتوجيه خاص من القيادة السياسية ولاقى استحساناً كبيراً كونه استثناءً وإصلاحاً بالأمر المباشر لأوجه القصور والعجز بعد تفاقم الأزمات.
وبخلاف ذلك القرار لم تجر مياه جديدة في النهر، فكل شيء باق كما هو كأنه العناد والعمل ضد الصالح العام، فالمهرجانات قائمة ومُستمرة، بل آخذة في الزيادة وعشرات العناوين تتخلق وتتولد للاقناع الزائف بالجديد والمُختلف في المجالات السينمائية، فمن إسكندرية لأسوان يمتد شريط الاحتفال بسينما المرأة وسينما الرجل وسينما الأكشن وسينما الكوميديا والسينما التسجيلية والسينما الوثائقية والسينما القصيرة وسينما العنف وسينما المخدرات، حيث لكل نوع مهرجان ولكل مهرجان ضيوف ولكل ضيوف جوائز وهلم جرا بلا ضابط أو رابط.
كل هذا التمسح في السينما هو في الأساس خارج اهتمامات الجمهور المصري العريض واحتياجاته الجوهرية، ومع ذلك كل الجرائم تُرتكب باسمه وتُنسب إلية زوراً وبهتاناً وهو منها براء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية