مصر والتغييرات السورية: هواجس ومعايير القاهرة للحكم على المرحلة المقبلة

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: تختلف الدول العربية في ردود فعلها على التغيير الحاصل في سوريا وإسقاط نظام الأسد، ولعل موقف مصر يبدو الأكثر بعدا، وخصوصا مع انفتاح السعودية ودول خليجية أخرى على المشهد السوري، وإن كان انفتاحا مع ترقب لحركة المشهد السوري.
الأكاديمي المصري المتخصص في العلاقات الدولية والقانون الدولي الدكتور أحمد العسكري قال لـ «القدس العربي» إن الخطأ الأساسي الذي ارتكبته القيادة في مصر أنها أطلت على الحدث في سوريا من منظور صراع بين الإسلام السياسي والنظام السياسي، وهذا لم يكن سليماً، وفق تقديره.
وكشف عن رسائل وتطمينات أرسلها الجانب المصري إلى الرئيس السوري، حيث قال: «كان هناك تحفظ في البداية لكن مع الوقت وخاصة مع الترحيب الخليجي بدأت القاهرة تتحرك بحرية أكبر على المسرح السوري».
ويتجسد ذلك في أمرين، حسب العسكري، الأول عبر تهنئة السيسي للرئيس أحمد الشرع، والثاني عبر زيارة وزير الخارجية المصري إلى أنقرة في الوقت نفسه الذي كان فيه هناك الرئيس السوري، لذلك ستكشف الأيام عن رسائل تم تبادلها وتطمينات تم إيصالها.
وقال: سوريا بلد شديد الأهمية بالنسبة لمصر، فهي مسألة متعلقة بعصب نظرية الأمن القومي، وبالتالي، فإن صانع القرار في القاهرة لا يمكنه أن يتغافل عما يجري في دمشق سواء كان ترحيباً به أو حتى رفضاً له.
وحول الهواجس المصرية قال المتحدث إنها تتلخص بأن تتحول سوريا إلى قاعدة تُصدّر تطرفا أو مأوى يحمي إرهاباً، مستدركا القول: لكن القيادة السورية طمأنت الجميع على لسان وزير خارجيتها أسعد الشيباني في مؤتمر دافوس السويسري بأن «سوريا لن تكون سببا في تهديد أي بلد سواء كان قريبا منها أو بعيدا عنها».

ثوابت مستقلة

وحول الأولويات التي تنطلق منها السياسة الخارجية المصرية، اعتبر الباحث المصري في الشؤون الإقليمية والدولية محمد شعت، في حديث مع «القدس العربي» أن السياسة مصرية تنطلق من خلال ثوابت مستقلة، يأتي على رأسها عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهي خطوط ثابتة في التعاملات المصرية.
أما عن المعايير المصرية فقال إن «الموقف المصري أبدى دعمه لتطلعات الشعب السوري، وأكد على اهتمامه بوحدة الأراضي السورية وسلامة أراضيها، وتطلع لأن تكون المرحلة الجديدة في سوريا شاملة لكل أطياف الشعب السوري ومكوناته، وأن يكون القرار السوري سوريا خالصا دون إملاءات خارجية. وهذه هي أهم المعايير المصرية للحكم على المرحلة السورية المقبلة، وماعدا ذلك فهو يمثل هواجس لمصر».
وتأتي هذه السياسة، حسب الباحث «انطلاقا من الحرص المصري على علاقاتها بالدولة السورية والحفاظ عليها، وإيمانا بحق الشعب السوري في دولة تتسع لكل السوريين وتحقق كل آمالهم وطموحاتهم».
وقال: «قد بدا الحرص المصري على الحفاظ على العلاقة التاريخية بين مصر وسوريا منذ الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني نهاية ديسمبر الماضي، والذي أكدا خلاله على دور البلدين في تحقيق الاستقرار والازدهار للمنطقة، وأن مصر وسوريا يجمعهما تاريخ واحد».

قلق مفرط

وتابع: «حتى الآن يبدو خطاب الإدارة السورية الجديدة متوازنا، ويحاول بقدر الإمكان تجنب إثارة المخاوف لدى أي طرف، في ظل تحديات كثيرة تواجهها سوريا الجديدة». لكنه اعتبر أنه «من المبكر الحكم على قدرة الإدارة الجديدة على تنفيذ ذلك على الأرض من عدمه».
ومن الطبيعي أن «تتأنى مصر في التعاطي مع المتغيرات التي شهدتها الساحة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولي الإدارة السورية الجديدة» وفق رأي المتحدث إذ «تمثل الدولة السورية أهمية كبيرة بالنسبة لمصر، والعلاقات بين الدولتين تاريخية وعميقة إلى أبعد حد».
عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الزيتونة الدولية الدكتور السوري عبد القادر نعناع تحدث لـ «القدس العربي» عن مجموعة من الهواجس التي قد تكون مشتركة بين مصر وسواها من دول عربية أو غربية، لكن ما يجعل الموقف المصري أكثر تعقيدا من وجهة نظره «بنية العقل السياسي المصري التقليدية أولاً، والعسكرية الأمنية ثانياً، والمستندة إلى حالة قلق مفرط من حراك أي طرف من قوى الإسلام السياسي ثالثاً».
وقال نعناع: مصر، كغالبية الدولة العربية، لا تتفق مع التغييرات الراديكالية في نظم الحكم العربية، وإن كانت دول الخليج كذلك، لكن الشبه الجمهوري – العسكري يجعل مصر أكثر حساسية للتغيير الحاصل في سوريا.

«القدس العربي» تستطلع آراء عدد من المحللين السياسيين

ورغم أن مصر لم تكن على وئام مع نظام الأسد، ولم تكن على عداء كذلك، بل يمكن وصف العلاقة بأنها مجمدة، بل ولم تبادر مصر إلى كسر هذا الجمود مع نظام الأسد كما فعلت السعودية والإمارات، لكنها في الطرف الآخر استقبلت مئات آلاف السوريين (لأسباب إنسانية، وليس لأسباب سياسية) دون أن يعني ذلك أي علاقة مع قوى المعارضة السورية منذ يونيو/حزيران 2013.

الهواجس المصرية

وتحدث الخبير في العلاقات الدولية عن تجربة مصر الراهنة التي «تستند إلى صدام مع الإسلام السياسي المتمثل في حركة الإخوان المسلمين، ولا تزال الدولة المصرية تلاحق بقايا عناصر الحركة، فإن ذلك يجعل تقبل حركة إسلام سياسي في دولة عربية أخرى غير مقبول للقيادة المصرية، عدا عن ظهور بعض الشخصيات الملاحقة مصرياً في دمشق بعد ساعات فقط من سقوط نظام الأسد، بل وتجرأ بعضها على توجيه رسائل تهديد للحكومة المصرية. عدا عن مطالب مصرية بتسليم بعض الشخصيات المصرية الموجودة في سوريا كما أشيع».
وربما تشترك الدول العربية عموما بهذه الهواجس ذاتها، لكنها في الحالة المصرية وفق وصف نعناع «تبدو مضاعفة» عازيا السبب إلى الاعتقاد المصري بمركزية الدور المصري في الشرق الأوسط، وهي مركزية فائتة لم تعد قائمة بالشكل ذاته، وإن كانت حاضرة في مناسبات مختلفة، لكنها لم تعد تلك المركزية الناصرية التي تجعل من الحكومة السورية حريصة على ضمان تأييد مصر، وإن كانت الحكومة السورية حريصة على علاقات طبيعية وودية مع كل الدول العربية، لكنها ربما لم تقدم لمصر ما ظنت أنها تستحقه: أمنياً، وسياسياً، ومكانة شرق أوسطية. لكن لا أظن أن موضوع المكانة كثير الأهمية في الموقف المصري، كما هي بقية العوامل، بل يمكن وضع مسألة المكانة في ذيل القائمة، ولو كان كذلك، لكانت الخارجية السورية بادرت بزيارة مصر مبكراً.
وقال: هناك أحاديث عن انزعاج مصري سابق من موقف «هيئة تحرير الشام» ذاتها من الإخوان المصريين وتأييدهم للحركة، لكن ذلك كان في زمن مضى، فيما يتسم نهج الحكومة السورية منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 بالمبادرة تجاه القوى الإقليمية والدولية، وبمحاولة طي ما سبق، ومد الجسور نحو المحيط العربي.
وقال: من جهة أخرى، لن يكون الموقف المصري على كثير من الاختلاف عن الموقف في عدة دول عربية، سواء انفتحت على دمشق أم لا تزال متحفظة، فجميعها في حالة ترقب لمجريات الأحداث السورية، مستخدمة جملة معايير للحكم على المرحلة المقبلة، وأهمها قدرة الشرع على فرض سيادة الدولة السورية وتسوية التهديدات الأمنية القائمة.

حالة ترقب ومعايير الحكم

ونوعية الإسلام السياسي الذي سيتبلور في الشارع السوري، وإن كانت مصر أكثر حساسية لهذه الجماعات، لكن وجود إسلام سياسي تتم إعادة إنتاجه بشكل أكثر مدنية وانفتاحاً (على النمط التركي ربما) غير معادٍ للحكومات العربية، وغير ثوري أو مُستَقطِب لقوى خارجية، قد يخفف من قلق العرب (والسوريين أيضاً). ومسألة تصدير «النموذج الثوري» السوري، وخصوصاً أن ما حدث في سوريا هو امتداد للربيع العربي الذي شهد موجتين (2011، 2019) واستقرار سوريا قد يشجع على التخطيط لموجة ثالثة في بعض الدول، عبر تحويل الحالة السورية إلى نموذج يحتذى به.
ولا يبدو حتى الآن أن هناك رغبة في الشارع السوري والحكومة، بتحويل سوريا إلى «نموذج» سواء عبر الاحتذاء أو الاستقطاب أو الرعاية.
وعن تاريخ العلاقات السورية ـ المصرية قال المتحدث: شهدت العلاقات المصرية-السورية فترات من الاضطراب والعداء والقطيعة، ربما كان أشدها بعد الانفصال (1961-1967) وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد (1979-1990) ونتمنى ألا تكون هذه فترة أخرى. وهناك مؤشرات مقبلة يمكن الاستفادة منها في فهم الموقف المصري، وخصوصاً مع أول اجتماع يجري في جامعة الدول العربية (بغض النظر عن مستوى التمثيل والاجتماع) لكنه سيكون دليل عمل لفهم الموقف المصري التقليدي بشكل أوضح.

محددات ومخاوف

وحول المحددات التي يرتبط بها الموقف المصري يقول الباحث السوري لدى مركز «مشارق ومغارب للدراسات الاستراتيجية» عباس شريفة، إن الموقف مرتبط أولا بموقف الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا أن عملية سقوط نظام الأسد وانتصار إدارة العمليات العسكرية على النظام تمت في مرحلة انتقالية في الولايات المتحدة الأمريكية وقدوم إدارة جديدة. وعبّر عن اعتقاده بأن الحكومة المصرية لا تريد أن تتجاوز التوجهات الأمريكية في قضية التعامل مع الإدارة الجديدة في سوريا وبالتالي كانت هي تريد أن تنتظر.
القضية الأخرى يقول شريفة: كان هناك تخوف من قبل الحكومة المصرية بأن تتحول سوريا مع انتصار إدارة العمليات العسكرية إلى منبر للمعارضة المصرية واتخاذ سوريا منبرا لها لمهاجمة الحكومة المصرية انطلاقا من سوريا، وهذا كان يشكل هاجس بالنسبة للمصريين لذلك كان هناك تنديد بظهور بعض الشخصيات التي ظهرت في دمشق في الفترة الماضية.

تطمينات مصرية

وأشار المتحدث إلى وصول «التطمينات اللازمة» إلى الإدارة السورية الجديدة عبر «رسالة الرئيس عبد الفتاح السيسي والبرقية التي أرسلها للرئيس أحمد الشرع مهنئا باختياره لإدارة المرحلة الانتقالية كرئيس للجمهورية، فهي تدل على تحسن في الموقف أو تعديل فيه الذي بدأ يتعامل لكن بحذر». وعبّر المتحدث عن اعتقاده بأنه مجرد حصول لقاء سياسي وديبلوماسي بين الطرفين سيتم تبديد الكثير من المخاوف خصوصا أن هناك توجها عربيا لاحتضان الحالة في سوريا من المملكة العربية السعودية وقطر والأردن والكثير من الدول العربية التي بادرت إلى تهنئة الإدارة الجديدة على تسلم مهامها.
وتابع: كان هناك تمهل مصري لتحديد الموقف من الإدارة الجديدة، ودراسة سلوك هذه الإدارة، ويبدو أنه لم تكن لدى مصر المعلومات الكافية حول طبيعة هؤلاء الذين وصلوا إلى السلطة، من هم ومع من ومع أي جهة محسوبون ومن يدعمهم، لذلك كانت هناك حالة من الترقب والدراسة لوضع الإدارة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية