مصطلح الأجيال الشعرية: إعادة مقاربة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ظل التحديدات المعاصرة للنص الشعري وانفتاحه الحتمي على السابق وارتباطه به من حيث الدوران في فلكه وإطاره أو من حيث المغايرة والاختلاف والابتعاد عن حدوده ومنطلقاته، وفي ظل التباس مفهوم الأبوة الشعرية بين السابق واللاحق وتوزعها بين المشابهة والاختلاف، وجد مصطلح الجيل الأدبي أو الجيل الشعري مرتبطا بشعر التفعيلة بوصفه ثورة أحدثت زحزحة للنسق الموروث، ومن ثم كان من الضروري أن تشكل قيمها الفنية ومصطلحاتها النقدية لمقاربة ورصد مجمل التحولات الفنية بين موجة وأخرى.
وفي الحقيقة إن ظهور مصطلح الجيل جاء مرتبطا بالحداثة الشعرية وبتطور البنى الاجتماعية في معظم أقطار الوطن العربي، وخاصة تلك البلدان التي تشكل مراكز ثقافية بامتداداتها التاريخية وجذورها وعلاقتها الممتدة بالآخر الغربي ومنجزاته الفكرية والأدبية، مما يوجد نوعا من المسافة الزمنية في انفتاح بعض البلدان على الجديد، ووقوف بعض البلدان وقفة متشككة متأملة ذلك الجديد انطلاقا من قيمها التراثية الضاغطة على محفزات التحول نحو هذا الجديد.
ارتباط هذا المصطلح بثورة الحداثة الشعرية من خلال شعر التفعيلة بوصفه التجلي الأولي لعملية التطور الإبداعي الخاص بالانعتاق من سطوة الموروث بالرغم من وجود تجليات أخرى كانت أكثر حدة تمثلت في قصيدة النثر، يكشف عن رؤية اصطفائية تهمل من البداية الشعر التقليدي العمودي، وتخرجه من دائرة اهتمامها، وتجعله – في إطار ذلك الفهم – وجودا خارج الزمن غير قادر على اقتناص اللحظة الشعرية وما يتجاوب معها من أطر مشدودة إلى حداثة اجتماعية تفترض من البداية حداثة في البناء الشعري تتساوق مع متغيرات اللحظة الزمنية الدافقة بتحويرات في طبيعة العالم وأسسه الوجودية.
إن وجود مثل هذا المصطلح في تلك الفترة إشارة إلى وجود النسق الجمعي الذي يتدثر به، ويتحرك في إطاره الشعراء على أنهم كتلة تحتوي على التعدد، فبعد أن كان النقاد يتحدثون عن الشاعر الفرد مثل الحديث عن شوقي أو حافظ أو الجواهري، أصبحوا يتحدثون بشكل إجمالي عن المهجر أو الديوان أو أبوللو بوصف ذلك تجليا سابقا ومبشرا بهذا النسق الجمعي المرتبط بالجيل. وهذا يشير إلى أن مثل هذه التكتلات الأدبية تقدم وعيا ربما للمرة الأولى بالنظرية الأدبية في تجل من تجلياتها المستمرة، حيث يبدو مصطلح الجيل مشكلا وجهة نظر فنية يتجمع حولها الكثير من الشعراء، خاصة في ظل وجود بيان كاشف عن توجه الجيل من خلال انعطافات فنية مغايرة.
مثل هذا التوجه الخاص بالكتلة الكبرى انطلاقا من فكرة الجيل مشدود إلى الرؤية الشعرية المرتبطة حتما بطبيعة النظرة إلى المفاهيم المجردة مثل ماهية الشعر ومكان وجوده وتجليه وتوزعه بين نسق ذاتي تعبيري ونسق موضوعي راصد، والارتباط بالتراث، والموقف من البنى الاجتماعية وطبيعة تغلغلها وتأثيرها في توجيه التيارات الإبداعية إلى وجهة معينة.
والتحديدات يمكن أن تكوّن في الوقت ذاته نوعا من المشكلات التي يمكن أن تؤدي به إلى الزوال، وترتبط بجزئيتين أساسيتين: الجزئية الأولى هي الزمن، فعندما نقول شعراء الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات، فإننا بالضرورة نعني مجموعة من الشعراء بدأ ظهور ونشر أعمالهم الفنية في عقد زمني معين، ولكن بالرغم من هذا التحديد الزمني فإن مصطلح الجيل لا يدور حول محور الزمن، إلا بقدر وجود أفراد الجيل الواحد في فترة زمنية معينة. وهذ التحديد الزمني، يظل قاصرا إذا لم يتجاوب معه تحديد آخر يرتبط بالفن، ويتمثل في الملامح والسمات الفنية التي رسخت على أيديهم في كتابتهم الشعرية، حتي أصبحت سمة من سماتهم التي يعرفون بها. وهذه السمات الفنية في وجه من وجوهها ترتبط بمجموعة من المنطلقات التي تحدد طبيعة الرؤية، أو تشكل الموقف من الحياة والكون والفلسفة التي تشارك بالضرورة في تحديد مفهوم الشعر، وتحدد أيضا منطلقات التوجه الإبداعي بشكل عام.
إذا وقفنا عند التحديد الخاص بالفترة الزمنية، التي يبدأ فيها شعراء ينتمون إلى جيل معين النشر، فإننا نجد بالرغم من أهمية هذا التحديد أنه قد يكون عامل ضعف، لأنه بمرور الزمن، وبعد انتقالنا إلى الألفية الثالثة، لم يتحدد لدينا إلا جيل الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، ومرت فترة الثمانينيات والتسعينيات دون أن تتشكل لدينا ملامح جيل كامل النضج بمعناه المعرفي المشدود إلى بيان فني يحدد الأطر الفنية المبنية على متغيرات اجتماعية في سياقنا الحضاري، ويحدد المنطلقات التي تشكل الرؤية والموقف من العالم والوجود.
أما التحديد الأخير وهو الفن، فربما كان مدخلا مهما للتأثير على هذا المصطلح، والذهاب به إلى زوايا النسيان والقضاء على شرعية وجوده، فالسمات الفنية لا تولد ولا تتأسس في المدى الزمني البسيط الذي يشكله العقد. فالسمات الفنية بحاجة إلى مدى زمني واسع، بالإضافة إلى أن هذه السمات حين تتشكل في إبداع جيل معين، لا تتشكل على نحو صارم، بحيث إذا تجلت في إبداع جيل أدبي نجدها غائبة لدى الآخر..
والمشاريع الشعرية التي تشكل خروقات ليست بالضرورة مرتبطة بالعجز الخاص بهذه المشاريع للانضواء داخل نصاعة النمط الفني لجيل محدد، ولكن في بعض الأحيان نجد أن هناك تعاظما من هذه المشاريع الشعرية للوقوف والثبات داخل السياج المحدد أو النمط، ومن ثم يشكل الخرق الفني لحدود النمط استجابة نقدية لافتة بعيدا عن التحييد أو التقعيد المرتبط بكل جيل. فعفيفي مطر- على سبيل المثال – ينتمي نصه الشعري وفق تحديدات الأجيال إلى جيل الستينيات خاصة في دواوينه «شهادة البكاء في زمن الضحك» و»يتحدث الطمي» و»كتاب الأرض والدم)، ففي هذه الدواوين لا تختلف نصوصه عن نصوص أمل دنقل أو أبو سنة أو فاروق شوشة أو بدر توفيق. ولكن مع تطوره الفني خاصة في ديوانيه «أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت»، و»رباعية الفرح» أصبح إبداعه مغايرا فنيا لنمط جيل الستينيات، وأصبح كثير من شعراء السبعينيات في بداية ظهورهم على الأقل يعدونه واحدا من الآباء الحقيقيين لهم.
وربما يقف محمود درويش علما مهما في ذلك الإطار، فهو في ظل تحديد الأجيال ينتمي إلى جيل الستينيات في الشعر العربي، وذلك من خلال السمات الفنية والموضوعية التي تجعل نصه الشعري وثيق الصلة بإبداع هذا الجيل، بداية من الالتحام بالقضايا السياسية ذات الصوت العالي، ومرورا بالاتكاء على القافية بوصفها بنية إيقاعية تراثية زاعقة تجعله أقرب إلى المغني، وانتهاء بالاتكاء على الموروث العربي ببنيته الفنية ودلالاته وحضوره الآني، وكأنه شاعر مهموم بتجميع كل القيم الفنية السابقة عليه. ولكن هذه الصورة لشعرية محمود درويش لم تستمر على هذا النحو، فقد أيقن أن الاستناد إلى الإنساني والكوني أهم بكثير من اللحظي والعابر، ومن ثم بدأ خفوت هذا الصراخ في نصوصه الشعرية، حتى اختفى نهائيا، ليتولد بديلا عنه نوع من الغنائية الهادئة التي تنتصر للإنسان وللكون والحياة ولمجمل القيم الكبرى النموذجية التي تتأصل في إطارها حياة الإنسان.
ومن الشائع والمقرر لدى الباحثين أن توجه الجيل الأول (السياب وعبد الصبور والبياتي وبلند الحيدري وحجازي وآخرين بالضرورة) كان مرتبطا باستلهام التراث والأسطورة الغربيين، في حين أن الجيل الثاني الستينيات (أمل دنقل ومحمود درويش وسعدي يوسف وفاروق شوشة وآخرين) كان يتجه نحو استلهام التراث والأسطورة العربيين، وهذه الفكرة المنطلقة من استقراء خاص لسمة فنية، بعد التأمل والفحص الدقيق، نرى أنها ليست صحيحة تماما، خاصة بعد قراءة شعر هؤلاء الشعراء من جيلي الخمسينيات والستينيات.
صحيح أن الجيل الأول (الخمسينيات) كان يغلب عليه التوجه نحو العالمية المنطلقة حتما من إيمان خاص يرتبط بكون الأدب ينبت في تربة إنسانية بعيدا عن العرقية والقومية الضيقة، ولكن يظل وجود الأسطورة والتراث العربيين واضحا في إبداع أفراده. وفي إبداع الجيل الثاني أيضا نجد أنه بالرغم من توجهه نحو التراث والأسطورة العربيين، للبحث عن نموذجه الخاص، لكي يخرجه من أزمته التي كان يعيش فيها أفراده في لحظة تكوينه في أحيان ليست قليلة يتجه نحو التراث والأسطورة الغربيين.
فالنزوع السابق في مقاربة مصطلح الجيل الشعري من خلال حديه الرئيسيين: الزمن والفن، يجعل الشك يحوم حول قدرة هذا المصطلح في مقاربة الظاهرة الشعرية دون خروقات واضحة وقصور في عدم القدرة على مقاربة أشكال خارجة عن نصاعة النمط إما لقصورها وإما لتعاليها وتعاظمها عليه، ويجعل الأمر في حاجة دائمة إلى مراجعة، حتى نتبين في هذا المصطلح درجة النبض والحياة والفاعلية المستمرة.
إن مصطلح الجيل ربما يكون له جدوى في ظل الصراع الذي ينشأ غالبا بين الأجيال، ولكن حاجة المبدعين أو الشعراء إليه لا تستمر على طول الخط، فهذا المصطلح الكاشف عن التكتل داخل نسق الصراع أشبه بالحضانة التي تكفل لصاحبها الاستمرار بمساعدة هذا التكتل، ولكن وعيه الخاص يجب أن يصل به للحركة بمفرده دون تكتل بحثا عن خصوصية فردية. وهنا يجب أن نشير إلى أن استخدام هذا المصطلح قد يدفع ببعض الشعراء إلى زاويا النسيان، حتى لو انتموا إبداعيا إلى الأجيال السابقة. لأن التركيز النقدي الذي يكون شللية داخل الشللية الإبداعية الكبرى وينطلق منها يركز في النهاية على مجموعة من الأسماء للاكتفاء بها والدوران حول منجزها الشعري. وهذا قد يدفعنا إلى التساؤل المبرر لماذا توقف جيل الخمسينيات في مصر عند اسمي عبد الصبور وحجازي، بالرغم من تعدد الأسماء التي تنمي إلى الجيل نفسه في العراق أو سوريا؟ بالضرورة كان هناك شعراء آخرون، ولكن تحالف الشللية النقدية مع الشللية الإبداعية أدى إلى تغييب متعمد لهذه الأسماء فلم تحقق الوجود المرتجى.
كل هذه الإشكاليات التي تتعلق بالمصطلح، سواء كانت ترتبط بآليات تحديده، أو بجزئيات خارجية تكونت في إطاره، ربما تشير مستقبلا إلى الشك في شرعية وجوده، وجدوى نموه مصطلحا فاعلا في سياقنا الثقافي والعلمي، وتدفعنا إلى التحول إلى دراسة الأدب بوصفه صفة للتميز والتفرد، وإلى دراسة الشعراء بوصفهم حالات متفردة تنحو منحى خاصا يرتبط بإثبات الفرادة والتميز في الرؤية الفنية أو الموقف من الحياة والوجود، وليس إلى إثبات التشابه مع آخرين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية