التعجل والتكاسل عن رؤية ما هو أبعد مما يدور في محيطنا القريب، أحد أهم أسباب نكبة الأفراد والشعوب والامبراطوريات الراسخة البنيان. فلا يمكن أن يتصور أحد أن أحفاد الحضارتين الرومانية واليونانية، نخر الفقر أسس حضارتهما وجعلهما في أذيال الدول الأوروبية، التي كانت قديماً تتلمس نور التقدم من حضارتيهما. فالبشر يدورون في دائرة مفرغة تتأرجح بين صعود وازدهار، يليه توار واندثار، وكأنهم لا يتعلمون مما حدث للأسلاف. وكما أكدت إنديرا غاندي (1917- 1984) رئيسة وزراء الهند الراحلة «التاريخ خير معلم، لكن تلاميذه هم الأسوأ على الإطلاق».
في مستهل كل قرن من الزمان تُزل قدم الشعوب في شرك من مشكلات وتعقيدات تبدو لا نهائية، ويستمر الحال على هذا المنوال حتى قبيل النصف الأول من ذاك القرن، وحينئذٍ يتم ترسيم ملامح نظام عالمي جديد، تصعد فيه قوة أو قوتان سدة إحكام الهيمنة على العالم بأسره. وفي كل مرة من يمهد لحركات الصعود والسقوط، لون من ألوان الحروب، سواء أكانت بمعناها الحَرْفِي أو في شكل ابتلاء أو وباء ـ أو كليهما ـ ثم يشتبك العالم بأسره في تلك الحرب الشعواء. وبالمقارنة، كان التمهيد لترسيم ملامح القرن العشرين حربين عالميتين، أنهكت قوى العالم بأسره، أما في القرن الواحد والعشرين فتبدلت الحرب إلى حروب عصابات، ومعلومات وحروب بالوكالة ـ وجميعها تتميز بقدراتها على نزف دماء الشعوب، دون إراقة قطرة دمٍ واحدة. ومؤخراً، أضيف إليها وباء كورونا الذي أسقط العالم بأسره في حبائله، وعبَّد الطريق لمُجُون «مصيدة ثيوسيديديز «Trap Thucydides» جديدة من شأنها اقتلاع عالمنا القديم من جذوره.
و ثيوسيديديز (400 – 460 ق م) هو مؤرخ الحضارة اليونانية القديمة الذي أرخ للحرب بين أثينا واسبرطة منذ أكثر من 2400 سنة، وانتهت بفوز أسبرطة. أما مصطلح «مصيدة ثيوسيديديز» فقد صاغه المفكر والعالم السياسي الأمريكي غراهام أليسون، ويشرح فيه أن ثيوسيديديز لفت الانتباه لنقطة غاية في الأهمية، وهي أن طوال المناوشات السابقة للحرب، لم تشعر أسبرطة بأن أثينا تمثل عنصر تهديد، بل اعتبرتها تحركات استفزازية لدولة ناشئة لا يمكن أن تماري سلطانها. لكن لم تلبث أن قوت شوكة أثينا، عندئذٍ استشعرت أسبرطة الخطر، وتيقنت من خطأ سياستها السابقة، فلجأت لشن حرب طاحنة ضد أثينا لتحجيمها، لكن فوز أسبرطة فقد قيمته بعد أن أجهزت الحرب على سطوة كلا القوتين المتناحرتين، التي أنهتها الإمبراطورية الفارسية التي هزمت كلتيهما.
وفي عصرنا الديجيتال الحالي، مصيدة ثيوسيديديز صارت مُضاعَفة، حيث تجري على المستوى السياسي ـ بين الولايات المتحدة والصين – والإنساني بين أباطرة التكنولوجيا والعنصر البشري، وأخطرهما المصيدة الثانية. فبعد العقد الأول من الألفية الثالثة، دأب العلماء على محاولة تهميش البشر بإنزالهم لمرتبة أدنى من الآلات الروبوتية..
تنبه البشر لخطر هذه المصيدة البيو- تكنولوجية. وبالتزامن مع المعركة العاتية بين أباطرة الرقمنة والبشر ذوي الإرادة الحرة، تفجر وباء يقتل الأفراد، ويجهز على اقتصاد العالم ويعصف بأعتى الحكومات، بسبب عدم القدرة على التوصل لعلاج فاعل للقضاء عليه، أو وجود مصل للوقاية منه.
وأخيراً، تراءى لهم أهمية الإطاحة بعقل الإنسان؛ للتحكم في البشر بشكل يضمن عدم التمرد، وحديثا، قدم إيلون ماسك،اختراعا لزرع شريحة في مخ الإنسان؛ لتجعله فائق الذكاء وله القدرة على التغلب على الأمراض الدماغية كالشلل والزهايمر، بأن تجعله قادراً على التحكم في كل ما يحيط حوله من آلات أو أطراف صناعية بمجرد التفكير فقط، بدون تحريك عضلة واحدة. وبما أنه لا يوجد شيء مجاني، الثمن المنتظر تكبده هو تحويل المخ إلى ملف ديجيتال مفتوح، يمكن التحكم فيه، وزرع أفكار في داخله، وتوجيهه لتنفيذ الأفعال التي تخدم مصالح من يسيطر عليه. وبهذا، يتم القضاء على ميزتين التفكير والإرادة، التي تجعل العنصر البشري متفوقاً ومائزاً عن باقي المخلوقات، وأذكى الروبوتات، حتى لو كان محدود الذكاء.
بيد أن تنبه البشر لخطر هذه المصيدة البيو- تكنولوجية. وبالتزامن مع المعركة العاتية بين أباطرة الرقمنة والبشر ذوي الإرادة الحرة، تفجر وباء يقتل الأفراد، ويجهز على اقتصاد العالم ويعصف بأعتى الحكومات، بسبب عدم القدرة على التوصل لعلاج فاعل للقضاء عليه، أو وجود مصل للوقاية منه. وبعد جهود مضنية توصل العالم ليس فقط للقاح واحد بل لثلاثٍ، وجميعها في الطريق لتلقيح شعوب العالم للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا. وفي غمار الفرحة بهذا الاكتشاف، علت أصوات العديد من الأطباء على الصعيد العالمي، محذرة من مخاطر اللقاح، ومشككة أساساً في وجود فيروس كورونا. ومن أهم مخاوف المختصين أنه لأول مرة يتم اختراع لقاح يباشر عمله من خلال التخلل في الشيفرة الجينية لدى البشر RNA Vaccine. ومن يتلقاه تتم إصابته بفيروس كورونا في شكل عدوى عابرة Trans Infection ينجم عنها تغيير الحامض النووي لدى البشر. أضف إلى ذلك، أن اللقاح مستخرج من الحامض النووي لبعض الحيوانات مثل القردة والخنازير، ما يحول البشر إلى فصيل هجين الأحماض النووية Chymer. وكما يردد الخبراء أن أكثر ما ينطوي عليه اللقاح من مخاطر احتواءه على عدة معادن سامة لأجهزة روبوتية تحول الجسد البشري إلى هوائي Antenna لالتقاط إشارات الجيل الخامس من الإنترنت 5G، ومن ثم تتم معرفة من تلقى اللقاح من عدمه، لأن تلك المعادن تحتوي على نوع من الصبغة المسجلة في براءة اختراعها تحت اسم «صبغة الشيطان» Luciferase، علماً بأن اللقاح لا يمنع، إلا الحالات الخفيفة من عدوى كورونا، ويجب تجديد تناوله مرة كل ثلاثة أشهر. ويذكر الخبراء أنه من خلال التطعيم، سوف تتم معرفة وحفظ الوظائف الحيوية والأنشطة الفيزيائية لدى البشر وتخزينها في سحابة ديجيتال ضخمة Cloud، يتم فيها تمييز كل فرد برمز شريطي (باركود) Barcode يتم ربطه بعملات مشفرة Crypto-Currency.
وعلى هذا، يتحول البشر حرفياً إلى عبيد للنظام، محرومين من الخصوصية، والحرية والإرادة الحرة، ويدلل على ذلك براءة اختراع بيل وميليندا جيتس في 26 مارس/آذار 2020. فمن يمتلك المعلومات بيده أن يستغلها كيفما شاء.
فلا يمكن للأفراد العاديين تبين مدى صحة أو خطأ هذه الأقاويل المتواترة؛ فالحقيقة لا يعلمها إلا المتخصصون. أما الأفراد العاديون فصاروا في حاجة ملحة للتخلص من هذا الفيروس بأي طريقة، لمزاولة نهج حياتهم السابقة بدون خوف. لكن صوت مخاوف الخبراء يحذر من الوقوع في حبائل مصيدة اللقاح، التي سوف تسفر عن وجود قوة ثالثة خفية تستعبد البشر. وعلى هذا تقفز إلى الأذهان مقولة المفكر نعوم تشومسكي، «إن أردت غزو شعب فاصنع لهم عدواً وهمياً، يبدو لهم أخطر منك، ثم كن لهم المنقذ». فهل سيتحول البشر إلى ضحايا مصيدة ثيوسيديديز رقمية؟
٭ كاتبة مصرية