مطلب فتح الحدود المغربية ومسائل الأمن القومي الجزائري

حجم الخط
6

يبدو أن الرباط لا تزال تسعى إلى توظيف المسألة الحدودية بين الجزائر والمغرب، لإعطاء انطباع واهم بأنها تراعي مصالح الشعوب المغاربية، وذلك في خضم هبوب رياح التغيير التي لم تُحدث في المملكة ذلك الإصلاح المنشود من قبل الحراك الشعبي، وكلما ارتفعت وتيرة الاحتجاجات في الداخل المغربي، أصبح فتح الحدود مطلبا يسعى من خلاله الملك محمد السادس ونظامه لتوجيه بوصلة الرأي العام المغربي إلى الجزائر، زاعما أنها هي التي تعرقل التواصل بين الشعبين، باستمرار الحال على ما هو عليه منذ العام 1994 الذي فرضت فيه الرباط التأشيرة على الجزائريين، ولكن هذا التحامل لا يحمل حتى في طياته مبادرات لحفظ وصايا حسن الجوار الذي يقتضيه فتح الحدود وتطبيع العلاقات بشكل كامل.
ما يطلبه المغرب من الجزائر حق أريد به باطل وليس حقا، إذ لا يمكن أن ننكر حق الشعوب الشقيقة في التواصل الجغرافي بينها من دون عراقيل تقف في سبيلها، ولكن لا يمكن أيضا أن نتجاهل الدور الذي تقوم به الدولة الجارة في تدمير الإنسان والمجتمع الجزائريين، وهنا لا يخفى علينا ذلك التدفق الهائل للمخدرات من وراء حدود الجزائر الغربية، على الرغم من أن غلق الحدود مستمر منذ نحو عشرين سنة، فكيف سيكون عليه الحال لو فتحت الحدود، من دون أي ضوابط أو التزامات من الجانب المغربي؟ وهذا المطلب الجزائري لا يمكن أن يخرج بأي حال من الأحوال عن المعادلة ثنائية الأطراف لفتح الحدود بين البلدين، وفي حال لم يتم النظر في هذه المسألة من قبل المملكة، فإن الطلب المغربي في حد ذاته مجردا لا يعدو أن يكون مسعى لإحراج النظام الجزائري.
الجزائر كانت واضحة في طرحها الذي يستند إلى السيادة والندية في العلاقة مع المغرب، وليس الإذعان لهذا المطلب أو ذاك تحت طائلة الظروف الإقليمية أو المتغيرات الداخلية، إذ أن اتخاذ قرار بحجم فتح الحدود الجزائرية المغربية يحتاج إلى جعل الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والسياسية في مقام أول، وإلا ما معنى أن يتم اتخاذ خطوة متسرعة يكون التراجع عنها بسبب تداعياتها ضربا من المخاطرة الدبلوماسية. وعندما تشترط الجزائر وقف تهريب وتسريب المخدرات المغربية التي تنخر المجتمع الجزائري، فإن الشرط موقف سيادي يتطلب تفاعلا من قبل السلطات المغربية، من أجل بناء علاقات لا تشوبها شائبة إغراق الصديق أو الشقيق بالسموم التي تدس في عسل الغزل الدبلوماسي، وتلك إشارة كانت واضحة جدا في الشروط الثلاثة التي نشرتها صحيفة ‘الشروق’ الجزائرية قبل أيام نقلا عن مسؤول سام في الدولة.
أما بالنسبة للشرطين الآخرين اللذين يدركهما النظام المغربي، وتضمنهما مقال الصحيفة نفسها، فلا يمكن أيضا تجاوزهما في حال كانت لدى الرباط نوايا حسنة لبناء علاقات وطيدة مع الجزائر، تقوم على أساس حسن الجوار، لا سوء الظلم والجور، إذ أن المنطق السليم والقويم يقتضي ألا تصافح الصديق بيدك ثم تشتمه بلسانك، وهو ما يتجلى في ازدواجية الخطاب المغربي الذي يمد يده للجزائر طلبا لفتح الحدود، ويشن في الوقت نفسه حملة إعلامية دعائية مغرضة، بعضها رسمي الطابع وآخر من وراء الستار، ولهذا فإن وقف الرباط استهدافها الجزائر إعلاميا لغايات في نفس النظام الملكي، قد يكون مقدمة لبادرة فتح الحدود إلى جانب خطوة التعاون الثنائي الكامل في مجال منع تدفق المخدرات المغربية، إن لم نقل التخلي عن سياسة التعمد المغربي في إغراق البلد بتلك المادة الخبيثة.
وأما الشرط الثالث فهو ما تعلق بالصحراء الغربية، التي تقر الأمم المتحدة بأن الجزائر ليست طرفا في نزاعها بين المغرب وجبهة البوليساريو، بينما تحاول الرباط إقحام طرف ثالث لم يتردد في إبداء موقفه الداعم لحق تقرير المصير في قضية من قضايا تصفية الاستعمار.
وفي سياق الحديث عن الحملة الدعائية، بعيدا عن الإعلام الرسمي المكشوف، وجدت نفسي أمام موقع إلكتروني يحمل في ظاهره اسم الجزائر، أما باطنه فتفوح منه رائحة مطابخ أجهزة الاستخبارات المغربية أو ما يدور في فلكها، بدليل أن الموقع الذي ينشر بالأساس أخبارا عن الجزائر صادقها وكاذبها، لا يفعل الأمر ذاته عندما يتعلق الأمر بالمغرب في إحدى صفحاته الفرعية، بل تجده يعرض أخبارا تمدح عناوينُها ومضامينها النظام المغربي بشكل يفضح الجهة التي تقف وراء الموقع المسمى بـ’الجزائر تايمز’، وما على المرء سوى أن يطلع على أبرز عناوين الموقع حتى يتجلى له حجم الهجمة الشرسة، بغض النظر عن صدق الأنباء المنشورة أو تلفيقها.
أما ما ينبغي قوله باختصار حول ملف الحدود وفتحها من عدمه، فلا ينبغي أن يقتصر على تحقيق مصالح النظام المغربي، بل يحق للجزائر أن تضع هي الأخرى شروطها التي تراعي مصالح شعبها، إن كان هناك ما يذكر من فوائد تجنى، وإلا فدفع الضرر أولى وأوجب إن كان نصيب المغرب عائدات انتعاش السياحة ونصيب الجزائريين مهلكات المواد المخدرة.
كاتب صحافي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية