قد يكون غريباً التأشير على مظهريات تَدعي العلمية والأكاديمية لكنها تفتعلها في شكل مؤتمرات أو منتديات أو فعاليات، ولا يكاد الباحث أن يشارك فيها حتى يكتشف ما فيها من زيف وبهرجة، مدركاً بحسرة وعلى مضض مقدار ما فيها من بهلوانيات مسرحية يؤديها من يشرفون على مثل هذه الفعاليات حتى لتبدو في تفاصيلها أشبه ما تكون بألاعيب السيرك وفنون الاكروباتيك التي تمارس على أصولها احترافاً وبراعةً.
وليس الهدف من وراء هذه المظهريات الرغبة في الظهور والاشتهار، فذلك أمر متحقق مهما كانت أساليب الدعاية رخيصة والإشهار فضفاضاً، بل الهدف هو الحيازة المصلحية على ما توفره مؤسسات الدعم والرعاية من إمكانيات ينبغي أن تسخر لمصلحة الأنشطة الثقافية العامة علمية كانت أو فنية.
ولا عجب أن الموارد المادية التي تحتاجها إقامة هذه الأنشطة لاسيما الدولية منها، هي كبيرة وليست يسيرة كي تكون قادرة على مد مشهدنا الثقافي العربي بما هو مهم ومؤثر. بيد أن اتخاذ تلك الأنشطة تعلة لغايات ومشتهيات جانبية تجعل الهدر والتضييع حاصلا ومتحققا تحت طائلة أي شكل دعائي أو مسمى ظاهري به يلتف على المسائل الجوهرية المتعلقة بالإعداد العلمي والإدارة المنظمة وسواهما.
وإذا خصصنا حديثنا في مظهريات مدعومة من قبل مؤسسات التسابق والتتويج بالجوائز ذات الأعطيات الدسمة التي تبذل بسخاء غير مسبوق في مجال الثقافة عامة والرواية العربية خاصة، فإن الباقي مما يمكن قوله حول بهرجة تلك المظهريات سيكون مفهوما سواء من ناحية ما يخطط له على الورق وما يتحقق منه ميدانيا أو من ناحية اللااعتدال بين إمكانيات تمنحها الجهات المشرفة على هذه الجوائز وبين الفعل والأثر الذي تخصصه وتتركه تلك الإمكانيات على فعاليات لا تضيف إلى المشهد الثقافي العربي سوى مزيد من العرقلة بدل أن تكون داعمة بالشكل الذي به تدعمها تلك الجهات المعطاء.
وبالطبع ليس إحصاء جميع المظهريات الشكلية المرافقة لهذا النوع من التسابق الفياض والباذخ بالأمر اليسير أو المتاح، والسبب أن ما خفي منها كثير يتدارى وراء فذلكات يتقنها أولئك الذين يؤتمنون عليها، فتعهد إليهم مهام الفعاليات المنمقة ظاهريا بشعارات براقة وتزويقات خلابة وبأناقة تبدو للعيان حقيقية وذات أهمية لاسيما أن من يحتضنها ويرعاها هو الآخر له أهميته المادية والمعنوية التي هي في الغالب ليست آنية وإن جاءت على هامش جائزته السنوية.
وبالرغم من ذلك كله فإن رصد المظهريات يظل ضروريا من أجل الكشف عن تلك الفعاليات وكيف أنها في الظاهر غيرها في الخفاء، وجدير أن تقوم بهذا الرصد هيئات رقابية أو منظمات حقوقية حرصا على ثقافتنا العربية وبحثا عن المحفزات والمغريات التي تقف وراء هكذا مظهريات.
وإذا كان بعض منها واضحا من قبيل انتقاء أسماء ذات ثقل ثقافي وفكري عالمي لتكون فائزة أو مختارة كشخصية هي ضيف شرف أو معتمدة عنوانا أو شعارا للجائزة، فإن ذلك لا يكفي وقد لا ينفع على المدى البعيد في أن يصلح الزمن ما أفسده المال، فتُعلن الحقائق على الملأ.
ومما يمكن كشفه ـ في هذا المقام ـ من مظاهر ثقافة الرعاية والدعم ما يجري من فعاليات وما يقام من مؤتمرات على هامش هذه الجوائز وبأي شكل كان الدعم والرعاية، لأنها بالعموم تكفي لجعل المخططين لتلك الفعاليات والمؤتمرات قادرين على تنفيذ شتى البرامج الجديدة غير المسبوقة وتجريب مختلف السياسات وتنفيذها مهما كانت كبيرة.
بيد أن المتحقق في الأعم الغالب هو أن القائمين على هذه الفعاليات عادة ما يصيبهم الكرم الحاتمي بالتبلد تخمةً وإشباعاً، وسأمثل على ذلك بحادثة لها صلة وثقى بما تقدم عايشتها فاطلعت على خفاياها المؤلمة، وأعني «المؤتمر الدولي للنظرية الأدبية العربية والعبر مناهجية» الذي يقيمه معهد الأدب المقارن والمجتمع التابع لجامعة كولومبيا في نيويورك عبر جلسات (فصول) ستمتد إلى كانون الأول/ديسمبر 2021 وقد تم الإعلان عن مطويته على الشبكة العنكبوتية أواخر عام 2020 وحدد موعد المشاركة فيه حتى منتصف كانون الثاني/يناير 2021 .
ولأني من الباحثين عن مثل هذه العنوانات الأثيرة لفعاليات نقدية ذات محاور محددة ومواعيد اشتراك ثابتة ومتاحة من خلال منصة افتراضية هي الأخرى تشي بجدية المؤتمر وفاعليته، سعيت إلى التسجيل فيه وبهرني فعلا البعد العالمي الانفتاحي الذي عكسه شعار المؤتمر لكن الإضافة التي رافقت هذا الشعار وتضمنتها مطوية المؤتمر وملخصها «انه مدعوم من جائزة الشيخ زايد» قد أشكلت عليَّ التباسا لاسيما أن رئيس المؤتمر هو نفسه رئيس لجان تلك الجائزة وهو مدير المعهد أيضا وأعني به د. محسن الموسوي.
وبالرغم من ذلك اندفعت نحو خوض هذه التجربة لعلي أطلع على خفايا مثل هذه الفعاليات، تجري تحت جناح مثل هذه المؤسسات راعية بمالها وداعمة لوجوه عرفت بتقلدها مناصب ثقافية برعت فيها بسبب تمتعها بقدرات (إدارية وتنظيمية) سواء حين كانت ضمن وسطنا المحلي أو حين انضمت إلى المهجر الغربي وتحديدا الولايات المتحدة.
وليس لمعرفة صدق النوايا من سبيل سوى اختبار أصحابها وعندها سنرى الجمل بما حمل ونعرف أن الإناء بما فيه ينضح. من هذا المنطلق أرسلت ملخص بحثي بالانكليزية مندرجا ضمن محور من المحاور المعلنة وتلقيت في اليوم نفسه ردا من نائبة رئيس المؤتمر الدكتورة سارة مونك يشي بوصول الملخص ثم بعد أيام وتحديدا مطلع كانون الثاني/يناير المنصرم وافتني بالقبول طالبة أن أرسل السيرة الذاتية ملخصة. وهذا أمر معمول به في أي مؤتمر علمي وهو سياق من سياقات الإعداد والتهيئة معروف ومفروغ منه.
وبالفعل قمت بإرسال السيرة ثم وصلني إشعار أن (الفصل) الأول من المؤتمر سيكون في 19آذار/مارس 2021 من خلال المنصة ذاتها المعلن عنها في المطوية وزودت بالرابط وسجلت فيه، ضامنة بذلك المشاركة على أن يتلو هذا الفصل ( فصل) ثان موعده في حزيران/يونيو ومكانه الافتراضي باريس. وأتى موعد جلسة آذار وكان على وفق توقيت نيويورك، فما الذي جرى في الجلسة التي كان ينبغي أن تكون نقدية بكل ما يعنيه النقد من الموضوعية والأكاديمية؟
ما جرى يا سادتي الكرام هو الآتي: يظهر وجه رئيس المؤتمر المدير محسن الموسوي وهو يتبادل القفشات والضحكات مع الباحثين (الأصدقاء) وعددهم خمسة فقط. وبدلا من أن تكون الأدوار في قراءة الأوراق معدة على وفق آلية تتناسب والمحور الذي خصصت له هذه الجلسة فان السيد الموسوي ترك الأمر للباحثين وبحسب رغباتهم. وبالطبع لم يكن الأمر مربكا ما دام عدد المشاركين خمسة فقط ولم أكن من ضمنهم بحجة أن بحثي لم يدرج ضمن هذه الجلسة (الحميمية والودية). ليس ذلك حسب، بل إن الموسوي ترك للباحث أن يحدد الوقت الذي يرغب به في إلقاء ورقته أو حتى بحثه كاملا. ولماذا يحدد له الوقت ولا جمهور مدعوا إلى المنصة فيحضر هذه الجلسة لكي يحسب له وقت للتداخل والنقاش؟!!
ولكن الأكثر إدهاشا وإثارة للضحك حد البكاء هو أن ما قرئ من أوراق ليس فيه ما يدلل على انه مندرج ضمن محور بعينه أو في الأقل له علاقة بالنظرية الأدبية والعبر مناهجية بل هي أبحاث قد لا أغالي إذا قلت إنها مستهلكة.
وهنا طلبت التداخل بالنقاش مع بعض الباحثين بوصفي أنا الجمهور الذي سمع ورأى، والغريب أن المدير الموسوي تعذر أيضا بحجة أن الوقت لا يكفي.. وهو الذي ترك الحبل على الغارب لكل باحث أن يقرأ ما يشاء من بحثه من دون التقيد بالوقت.
ونتساءل ما الطائل من وراء جلسة ليس فيها أي مداخل يعقب بملاحظات جِداً أو مشاكسة؟ ولماذا هذا البون الشاسع بين ما أعلن عنه هذا المؤتمر من أغراض دعمت ورعيت من مؤسسة كبيرة باذخة وبين ما جرى على أرض الواقع من مظهرية استعراضية جعلت المؤتمر أقرب إلى حفلة تعارف وقضاء وقت منها إلى جلسة نقاش وعمل؟ ولماذا هذا المستوى الصادم الذي بدا عليه المدير على الصعيدين المعرفي والتنظيمي؟
وعلى الرغم من استيائي من حالة الاستخفاف تلك، فاني خرجت بأمر عزز رأيي بثقافة الدعم والرعاية التي صارت تقليدا تسير عليه مؤسسات الجوائز العربية، كما عكس لي هذا التهافت واللاجدية الطبيعة المظهرية للأنشطة الثقافية المدعومة لتغدو مجرد قشور تُهدر في سبيلها أموال لا فائدة للصالح العام منها.
وما من أمر مأسوف عليه سوى ثقافتنا العربية التي صارت تعلة لمآرب شتى، ويظل العزاء من بعد كل ما تقدم أن الزمن سيكشف هذه المظهريات وعندها ستكون الحقائق صادمة وناصعة معا، فحبال الزيف واهية وقصيرة مهما بدت مديدة الطول ومتينة النسج.
ولعل الصدمة التي أحدثها رفض هابرماس قبوله الجائزة الباذخة مؤخرا، دليل على أن الحقائق لا يخفيها التمسرح البراق ولا تشوشها فذلكات مزوقة لن تصمد أمام صقيع الغرب وشاهقية ناطحاته. وستفشل في لعب الأدوار على مسرحها البهرجي تلك الشخصيات الزائفة التي أشارت إليها مجلة «دير شبيغل»: (الزوار الغربيون عادة يلاحظون ذلك في الإمارات، ويتعجبون من التفوق المعماري، ويعجبون بالثقافة الرائعة، ويلتقون بمحاورين متعلمين تعليماً عالياً ..) لملتهم دوائر الجوائز من كل فج سحيق لكننا نعرفهم بالأسماء والماهيات الحقيقية أكثر من مجلة «دير شبيغل».
كاتبة عراقية