«معاذ الألوسي» تشكيلي وظفَّ الحبكة الفنية لصالح حبكة المعمار

حجم الخط
0

حين كتب المعماري خالد السلطاني عن مدينة الكوفة كان قد انطلق أساساً من فعالية المتخيل الفني الذي صاغ تصوراته في القراءة من جهة، وتصورات المعماري الذي رسم الخطوط الفاعلة لإنتاج شكل المدينة وفن عمارتها من جهة ثانية، وبالأخص مسجد الكوفة الكبير. وهذا يشمل كل ما أنجزه العقل المعماري المستند إلى العقل الرياضي، المندمج مع المتخيل الذي لازم الإنسان منذ القِدم، ما ساعده على إنجاز عمارته منطلقاً من الجدار. ولعل النموذج الأمثل في ما سعت إلى إنجازه المعمارية العراقية زَها حديد المواكبة للتحول في الشكل. لذا نرى أن معظم المعماريين كانت لهم وقفتهم في التأمل في ما أنجزه الآخر، بهدف اجتراح المنهج الذي تعتمده عمارته. والفنان المعماري معاذ الألوسي ينتمي إليهم، حيث اجترح له مساراً يليق بتصوراته المعمارية التي استعانت بالمتخيل الفني أولاً، وما رسم له عقله الفذ من سُبل الارتقاء بالعمارة فناً وصرحاً حضارياً. كما أنه وضع بصمته على منجزه المعماري بما يؤهله لحيازة الهوية الذاتية في الفن، فقد راعى في أسلوبه في البناء ما يُضفي على العمارة خاصية الدهشة المرتبطة بالرؤية المنفتحة، مهتماً بالأشكال الدالة على نوع من الحصانة الذوقية ومواكبة الذوق العام والخاص. ولعل تجربته الفنية تتوزع بين الفن التشكيلي وهندسة العمارة (العام) والمبنى الخاص (البيت) مراعياً بذلك الجانب الاجتماعي والذوق الخاص والعام، كما سنرى في سياق المداخلة التي تلاحق منجزه.

القسم الأول: التشكيل وعمارته
معاذ الألوسي… فنان تشكيلي أساساً، بمعنى اعتمد على الأساس الذي يرتكز عليه المهندس وحصراً المهندس المعماري. وفنه التشكيلي له مناحيه وتوجهاته التي اعتمدت الرؤى القادرة على تخييل العلاقات الإنسانية. فلوحته تتوجه وفق قانون ذاتي دال على ممارسة طويلة. والدال على هذه التجربة هو طبيعة المنجز المتميّز بالتحول في الأُسلوب وتعدد الأغراض الفنية التي أسبغت على لوحته خاصية البانوراما المعتمدة على السرد البصري المنتج للعلامات والأشكال المعبرة

. لعل النمو الدرامي للمفردات على السطح يمنح الفاحص تتبع الحيوية والتخاطب والتخاطر بين هذه المحتويات. كذلك ما تشكله اللوحة الواحدة من طبقات تحتوي نماذج بشرية ومكانية، تُشير إلى نوع متنام من الحيوية، بما يؤكد جدلية وجودها وصراعاتها الموجبة لارتباطها بأسباب إيجابية وسلبية. كما نجد في مثل هذا التوجه الدرامي نوعا من المزج بين تناول الواقع والتاريخ، بعينات دالة وكاشفة للفعاليات الإنسانية، فاستحضار صور التاريخ يعني ربط صورة الواقع بصورة سابقة. وهو مبدأ يُشير إلى جدلية الوجود وفعاليته وترابطه، فالوجود قائم على التآلف والتلاؤم والتناقض في الوقت نفسه. فلا صورة التاريخ حاملة للنقاء الكامل ولا صورة للواقع أيضاً. إذن فمهمة الفنان الكشف عن هذه العلاقات المرتبطة بتسلسل واضح. هذه الصراعات المجسدة على سطح اللوحة هي العامل الأساس في تعميق التجربة الفنية، إنها تنظر من زوايا متعددة وقادرة على فهم العلاقات مهما باعدت بينها الأزمنة. يحاول الفنان الآلوسي اتخاذ النموذج وسيلة تؤكد موضوعية النظرة وقوتها المرتكزة على واقعيتها الذاتية والموضوعية. إن تعدد مصادر استدعاءات الفنان لنماذجه، دليل على سعة رؤيته المتأتية من سعة معارفه التي تكشف عن المُخبأ والمستور، ووضعهم موضع الوجود وطبيعة صراعاته، خاصة حيوات الطبيعة بشتى أشكالها أو أنواعها، المهم النظر إلى قوة وجودها في الواقع والتاريخ.
في هذا الجانب عالج الفنان مغادرة المكان، بمعنى ترك الحيّز لأسباب تشير إلى ظاهرة اجتماعية ـ سياسية تدل عليها الحقائب المصطفة على سطح اللوحة. صحيح أن الحقائب دال على أسباب وظواهر غير هذه، لكن السمة الطاغية على سطوح لوحاته يُشير إلى نمط من الموقف الفني، ضمن استعراض ما هو ضاغط على الإنسان. فالزمن في كل محتويات ورموز لوحاته، دال على ظاهرة الاستلاب التي تعرض إليها الإنسان عبر الأزمنة. إن ظاهرة الاستلاب هي نتاج الحروب وقسوة الأنظمة السياسية متمثلة بوجوه تظهر عليها علامات الدهشة واليأس والانتظار. ولعل كثرة المنعطفات والالتواء في المكان والعلاقات بين الموجودات، خاصة الزحمة والتدافع والحشد المذهل، متخذاً سطح اللوحة سردية تدل عليها الألوان والخطوط، كرموز بلاغية تعبّر عن ظواهر في التاريخ. كذلك نماذج البورتريه والعلامات الظاهرة والدالة أيضاً على بؤس ما يمر به الإنسان. كذلك رمز الدراجة المتهالكة التي تُظهر رداءة الزمن بمحتواه البائس. ولم يبتعد عن الظواهر التي تخص الإنسان المدفوع إلى فعالية أُخرى كالطقوس الميثولوجية الدالة على قلق الإنسان وهروبه من واقع متردٍ.
والخلاصة أن الآلوسي كان مهتماً بالظواهر عامّة مجسداً إياها بكل الوسائل الفنية.

القسم الثاني: جمال العمارة وأناقتها
إن الشكل الخارجي للمرفق الذي تشكله عمارة الآلوسي دال على وضوح الفكر المشيّد للمبنى، ما يعني نوعا من خاصية النموذج ووظيفته. بمعنى يتوجب أن يتوفر على حسابات ذات قيمة معرفية ثقافية، فالواجهة عنصر مهم في حساب الوظيفة والجمال، باعتباره عتبة بمقاييس النص المكتوب. فحين تحاول أن تتأكد من اللافتة لطبيعة الوظيفة للعمارة ونقصد بها اللوحة المبنى، فإنك تنظر وتفحص عتبتها المعرِّفة بها، أي (العمارة ـ المكان) فإنك تستدل على خصائصها الخارجية. والشكل الخارجي عبارة عن شكل معماري، ونظرتنا إلى ما يقدمه المعماريون من تخطيط وجهد من أجل خلق دالة على الاختصاص والاجتهاد، أو العنوان العام. فليست العملية من باب العشوائيات والتنفيذ الفوري، بما يتناسب مع ذوق الوظيفة العشوائي، بقدر ما هي مهمة فنية جمالية، تنبئ بالأشياء من واجهته، وتؤشر اختصاصه من العلامات الفارقة في خارجه. وهي جزء أساسي من الوظائف التي يؤديها المكان ـ المرفق ـ لذا توّجب الاعتناء بالواجهة وطبيعة العمارة المتأتية من وظيفتها، واستعمال عقل المعماري في صياغة مثل هذا الأثر. وهذا ما نراه في عمارة الدول المتقدمة، وما وجدناه في تنفيذ المعماريون العراقيون ابتداء من جهود المعماري الفذ محمد مكية مرورا برفعت الجادرجي والمدفعي وخالد السلطاني وزها حديد وغيرهم. هؤلاء استطاعوا أن يهيئوا للمكان عمارته، ويصمموها وفق معايير عامة وذاتية، تستند إلى العلم والفن، ووضعوا لها واجهة، هي بمثابة علامة لخاصيتها كمكان له وظيفة ما. استعملت في إبراز خصائصه بنيات العقل وابتكاراته، كذلك ما يعمله مخيّال المعماري في عمل فني كهذا أو ذاك. إن ما نقصده هنا الكيفية التي يمكن التعامل بواسطتها، مع ما ينتجه العقل مستعينا بالجدار الذي سيكون مدار بحثنا المتواصل هذا. ونعني به جدار الفن التشكيلي. والمعماري معاذ الآلوسي واحد من المجتهدين والباحثين عن حيازة الهوية الذاتية، من خلال اجتهادات فنية عابرة للنمط. لعل خصائص الأجزاء في البناء تُعطي مثل هذه الخصائص ومنها، البلاغة التي يوليها المعماري الآلوسي بالواجهات التي تمثل عتبة العمارة (المبنى) معتمداً على بلاغة فنية لا تبتعد عن الذوق والبلاغة في التشييد، مدعومة برشاقة المبنى والأعمدة الحاملة لطلعات الواجهة. فالصفاء والسكون دالان على إشراق وتفاؤل. فالمنزل حامل لخاصية الوقار والتماثل مع الموجودات المجاورة والمكملة للبناء. إن الاجراء الذي حصل على المبنى هنا حامل لوسائل مهمة ما بعد التشييد. لذا نجد أن التوزيع الطبيعي للضوء والظِل لم يأت إلا تجسيدا دالا على الاستقبال إلى عناصر طبيعية خلقتها الكيفية التي اكتمل فيها البناء تخطيطاً وتشييداً. ثمة توازن بين العمارة بشكلها المتعامد مع ما يُحيطها، ورشاقة تعامدها بما يوحي بالجمال والرفعة، مع مساقط الضوء وحيثيات الزوايا ورفعة الأعمدة الحاملة لسقف الطارمة، حيث يولي المعماري عناية بالواجهة ـ وكما ذكرنا ـ كونها عتبة نص العمارة. فالطلعة توحي أيضاً بالسكون والهدوء الطاغي لما لهندسة شكلها من جمال وهيبة. كما أنه يُظهر عنايته المجسدة في صلابة الجدران وقوتها المهيبة.
عموماً نرى أن الفنان المعماري معاذ الآلوسي قدّم جهداً ملبياً دواعي قدرته الهندسية في فن العمارة من جهة، وتجسيده للرؤى المكينة على سطح اللوحة. فهو فنان وظف حبكته الفنية لصالح حبكة فن المعمار.
* كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية