«معارضة الغريب»: عندما تتحول الرواية إلى محاكمة تاريخية

لا يُمكن قراءة الرواية عالية الإبداع وكأنها لمعة إبداعية «معارضة الغريب» إلا بقراءة رواية الكاتب ألبير كامو «الغريب»، وأصر على أن رواية كمال داود لمعة إبداعية لأنه التقط طرف خيط من رواية «الغريب» لكامو ونسج منه رواية لا تقل إبداعا وعمقا عن رواية «الغريب»، يدعي بطل الرواية أو مؤلفها كمال داود، بأنه أخ القتيل الذي قتله الفرنسي بطل رواية ألبير كامو «الغريب» عند شاطئ البحر في الجزائر، أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر، وأن الجريمة التي ارتكبها الفرنسي، لم يكن لها أي دوافع واضحة، بل كانت عبثية بامتياز، وقد تكون للشمس الحارقة وقت الظهيرة دور «في تلك الجريمة، وقد يكون إحساس الفرنسي بالعبث وبموت أمه غير الدقيق (إذ تبدأ رواية الغريب لكامو)، ماتت أمي اليوم وقد يكون ذلك البارحة. هذا هو قمة العبث حيث يموت العربي، الذي يُصر كامو على اختزاله بكلمة عربي أكثر من 25 مرة طوال الرواية، ولم يكلف نفسه، أو لم يهتم أن يكون للعربي اسم، وفي «معارضة الغريب» يخبرنا أخ القتيل أن اسمه موسى، وتبدأ الرواية الأشبه بمناظرة رائعة وعالية المستوى ومُتخيلة، لكن الخيال يبدو في الرواية أكثر واقعية من الواقع نفسه، فرواية «معارضة الغريب» هي مناظرة بين كمال داود وألبير كامو، أو نوع من محاكمة مُحكمة، لكن بين صفحات رواية على خلفية تاريخية تمتد من الاحتلال الفرنسي للجزائر إلى انتصار الثورة الجزائرية ، ثم الأخطاء الفادحة التي وقع فيها جنرالات الثورة ، يُحاكم بطل كمال داود الذي هو أخ العربي القتي ، على جريمته العبثية التي مرت وكأن شيئا «لم يحدث ، كما لو أن قتل العربي أي عربي لا يُعتبر جريمة، بينما يُحاكم الفرنسي لإهماله تاريخ موت أمه موتا طبيعيا».

أخوه الفرنسي

أخ موسى وبدافع من أمه الثكلى يقرر الانتقام من قاتل أخيه الفرنسي الفالت من العقاب بأن يقتل فرنسيا»، أن يقتل القاتل، البطل أخ موسى القتيل يظل يشعر بالعار لأنه لم يثأر لأخيه، وقد تحولت حياته أسير الإطار الذي رسمه موت موسى ورقابة والدته محروقة الفؤاد على مقتل ابنها ولهاثها للثأر له، لأن لا أحد بدا مُباليا» بموت العربي.
يقول أخ موسى الذي قرر قتل فرنسيا «انتقاما» لأخيه موسى الذي قتله الفرنسي بطل رواية ألبير كامو «الغريب» في وصف رائع شاعري: كان عليّ الإمساك بساعة توقيت لكل ما عشته، ساعة بساعة، أن أعيد ضبط عقاربها على أرقام إطارها اللعين لتتطابق تماما، مع ساعة اغتيال موسى الثانية من بعد ظهر اليوم، ولأنني قتلت الفرنسي عند الساعة الثانية صباحا، منذ تلك اللحظة بدأت أمي تشيخ بحكم الطبيعة لا بفعل الحقد، وماذا عني: أخيرا عادت إليّ الحياة، وإن بُت مضطرا إلى جر جثة جديدة ورائي، ومنذ ارتكابي تلك الجريمة صارت أمي تعيش هاجس انبعاث موسى. يذكر كمال داود في روايته، أن القتل كان شائعا أيضا، في أوائل أيام الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، وفي تلك الفترة الاستثنائية كان القتل ممكنا، دون اكتراث، صحيح أن الحرب كانت قد توقفت، لكن الموت ظل يتلبس شكل الحوادث وقصص الثأر، كانت فترة عصيبة جدا، في تاريخ الجزائر فالجنود الذين التحقوا حديثا بجبهة التحرير الوطنية، كان زمن اضطرابات ومغادرة مستوطنين على عجل، وفيلات مُحتلة، لدرجة صرتُ مستنفرا لحماية بيتي. لكن بطل الرواية وأخ موسى القتيل لم يلتحق بجبهة التحرير الوطنية، لأنه أخ شهيد ـ لم يعترف أحد بشهادته ـ ولأنهم وهو يقول عبارة بالغة الأهمية: لم يؤنبني ضميري، ففي الفترة التي قررت الانتقام لأخي وقتل الفرنسي، لم يكن لله من وجود قوي وضاغط بقدر ما هو عليه اليوم، كما أنني لا أخاف من جهنم.

شاطئ الجزائر

يوم قتلي للفرنسي عرفت أن أمي تحتفل بطريقتها بعودة موسى وأرادت مكافأتي ومداعبة شعري، لكنني عرفت أنني لن أتحمل مجاورة جسد آخر جواري. وما بين عام 1942 حيث قُتل العربي على شاطئ الجزائر بجريمة عبثية من فرنسي، وعالم 1962 في شهر يوليو/تموز حيث قتل أخ العربي فرنسيا لا يعرفه ثأرا لأخيه، كانت الجزائر قد عرفت الموت والشهادة والنفي والفرار والجوع. وتم اعتقال البطل لأنه قتل فرنسيا، لكنه حين استدعي للتحقيق لم يسأله المحقق شيئا عن الجريمة، لأن الحقيقة لا أحد يسعى لها في الجزائر، بل سأله: لماذا لم تحمل السلاح لتحرير بلدك؟ وصرخ به المحقق: كان عليك قتل الفرنسي معنا خلال الحرب، لا هذا الأسبوع. فتفاجأ القاتل ورد: لكن هذا لن يُغير شيئا»! فقاطعه بغضب المحقق قائلا: «بل هذا يُغير كل شيء. وراح يصرخ بأن هناك فرقا بين القتل والحرب، وبأننا لسنا قتله بل مُحرري . وبأنك كان يجب أن تقتل الفرنسي قبل الخامس من يوليو وليس بعد، عليك اللعنة».
هنا بلغت رواية «معارضة الغريب» ذروتها وآلاف الأسئلة الوجودية المتفتقة من حوار كهذا، هل من فرق بين قتل وقتل، وبين قتلة يعتبرون أنفسهم محررين؟ وهل ارتكاب جريمة قتل قبل أيام يجعلها عملا بطوليا، بينما ارتكابها بعد أيام يجعلها جريمة.
في الواقع لا يمكن قراءة رواية «معارضة الغريب» لكمال داود دون قراءة رواية «الغريب» لألبير كامو، فالعملان متكاملان وأشبه بمناظرة عميقة تطرحها علينا الحياة في كل موقف، خاصة في زمن الحروب، وتصفعنا لنتأمل بعمق علاقة المستعِمر بالمستعمَر، علاقة الفرنسي المحتل والمغتصب بالعربي الذي لا يهم اسمه، إذ النظرة إليه أنه الإنسان الدون، الذي يحق لي قتله، والأهم يجب الانتباه للأحقاد التي تورث من جيل إلى جيل بين المستعمِر والبلد المُستعمر، وتحضرني هنا رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، حيث ناقش فيها الحقد الدفين بين الشاب السوداني العربي، الذي يعيش في لندن وكيف ينتقم من بريطانيا التي استعمرت وطنه السودان، بقتل فتيات إنكليزيات بعد اغتصابهن أو إذلالهن جنسيا».
أهمية هذه الروايات من رواية «الغريب» إلى «معارضة الغريب» إلى «موسم الهجرة إلى الشمال»، أنها تبين لنا كيف ينجر الإنسان إلى عبثية القتل بعد أن يتم تشويه روحه وعقله وزرع الأفكار الجامدة، التي يخشى الجميع المساءلة فيها، عن الآخر، عن علاقة هذا الآخر الأجنبي بالآخر العرب ، كما لو أن هؤلاء أصحاب القرار وأسياد الحروب، لا يريدون من الشعوب سوى أن تكون أدوات للقتل، أو يُختزل الوجود الإنساني إلى وجود تعبوي كما لو أن، الإنسان وعاء لمبادئ وأفكار معينة تقوده إلى القتل، وهذا القتل قد يكون جريمة أو عملا «بطوليا» حسب التوقيت والظروف.
الكتاب: رواية «معارضة الغريب» 192 صفحة- الكاتب: كم ال داود – دار النشر: دار الجديد
الطبعة الأولى خريف 2015 – الترجمة من الفرنسية إلى العربية: ماريا الدويهي وجان هاشم

 كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية