معارك دارفور الأخيرة: تحريض من الدولة القديمة أم عصابات منفلتة؟

عمار عوض
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: عادت الأجواء إلى طبيعتها في ولاية جنوب دارفور بعد أعمال عنف أهلي استمرت ثلاثة أيام، بين قبيلتي الفلاتة ذات الأصول الأفريقية والرزيقات التي تعود لأصول عربية، ما تسبب في مقتل 30 شخصاً، والعديد من الجرحى في ظل عمليات نهب واسعة لممتلكات وماشية الفلاتة، التي ردت بدورها بهجمات على القبيلة الأخرى، وفي حين رأى محلل أن الدولة القديمة تقف وراء ما حصل، اعتبر آخر أن «عصابات متفلتة» مسؤولة عن تأجيج الصراع.
الصحافي الغالي شقيفات، نائب رئيس تحرير صحيفة «الصيحة» السودانية، وهو أحد أبناء الإقليم، قال لـ«القدس العربي» إن : « الصراعات القبلية موجودة منذ زمن طويل، وتحدث لأسباب مختلفة، وفي الآونة الأخيرة هناك أجندات جديدة دخلت في ميكانزيمات الصراع، نتيجة لتسييس القبائل الذي جرى بصورة كبيرة، وجعل القبيلة مدخلا للنفوذ والصراع السياسي».
وأوضح أن «الأحداث الأخيرة للاحتراب القبلي تظهر فيها أصابع عناصر الدولة القديمة التي جرى إسقاطها، هؤلاء يقومون بتغذية الصراعات القبلية، ولو لم يتم كبح جماح هذه العناصر التي فقدت السلطة سيقود ذلك إلى صراع كبير».
وأشار إلى أن «الفلاتة والرزيقات كانوا حلفاء على مدار التاريخ القريب، وأن هذا الصراع غير المبرر يشير إلى قيادات النظام القديم بقوة التي ظهرت أصابعها في أحداث العنف القبلي واسع النطاق في مدينة الجنينية قبل شهور، والآن في هذه الأحداث».
وزاد: «هم يستخدمون خطابا عاطفيا يستغل جهل المواطن لإشعال الصراعات، إن كان ذلك في الشرق أو في دارفور لجعل الحكومة الانتقالية تبدو فاشلة في بسط الأمن ومشغولة بإطفاء نيران الصراع في الأطراف، في وقت يكونون فيه يعملون بقوة من أجل تخريب الحياة في مركز السلطة في الخرطوم للعودة للسلطة مرة أخرى».
لكن الصحافي المختص في الشان الدارفوري، محجوب حسون، نحا منحى آخر مركزاً على خطورة «المتفلتين» الذين جرت الإرشارة إليهم بالضلوع وتأجيج أحداث العنف الأخيرة. وقال لـ«القدس العربي» عبر الهاتف في طريق عودته من منطقة تلس التي شهدت الاشتباكات، إن»المتفلتين عبارة عن مجموعات من شباب القبائل، الذين تدربوا على فنون القتال بأسلحة القبائل، ولم يجدوا حظهم من التعليم والخدمات الأساسية في مناطقهم».
وأضاف «ظل عدد من حكماء الإدارات الأهلية والمراقبين، يدقون ناقوس الخطر من بروز المتفلتين أمام المجتمع وهم متشبعون بروح الانتقام والثارات والعيش على التكسب من حقوق الآخرين، سرقة أو نهبا من كل الأطراف بلا استثناء، يستنزفون الحكومة بحرب العصابات هنا وهناك. الكل يخشاهم ولا يريد صداما معهم، وموجودون في كل القبائل يتم استغلالهم عند الطلب والتبرؤ منهم عند المحن».
هؤلاء المتفلتون، حسب المصدر «يقدمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، وهم غير مؤدلجين مع هذا الحزب أو تلك الجماعة».

وقعت بين قبيلتي الفلاتة والرزيقات وحصدت 30 قتيلاً

وواصل: «هم يتبعون مصلحتهم ويستفيدون من أجواء الصراعات للنهب والسلب، لكن على الدولة أن تقدم لهم خطابا تطمينيا واضحا بالعودة إلى المدن واستيعابهم في القوات النظامية العسكرية بعد تدريبهم وتأهيلهم معنويا، فهم مقاتلون لا يحتاجون الى تدريب عسكري بقدر تثقيفهم بالحقوق والواجبات، سيستجيبون إذا ما علموا أن عملهم الجديد سيوفر لهم عائدا ماديا واستقرارا وقبولا اجتماعيا، خاصة وأنهم جميعهم لم ينالوا أي حظ من التعليم ليتم توظيفهم في أي عمل غير الجندية التي يخبرونها».

عوامل مركبة

في السياق، بين محلل سياسي من مدينة نيالا، حجب هويته لحساسية وضعه، أن «عوامل مركبة ما بين أجندة الدولة القديمة والمتفلتين الذين جبلت حياتهم على النهب، هي ما تؤدي لإشعال الوضع».
واستدرك في حديث مع «القدس العربي»: «لكن الخوف كل الخوف من أن يقود صعود نجم أبناء قبيلة الرزيقات ممثلين في الفريق حميدتي وشقيقه عبد الرحيم نائبه في الدعم السريع وظهورهم الساطع في حسم الملفات الأمنية في دارفور في ظل تراجع دور الحكومة المدنية في مجلس الوزراء، إلى إشعال نيران الحقد والحسد والغل في النفوس لضلوعهم في الحروب وأعمال القتل السابقة التي شهدها الإقليم».
وأوضح «أنا لا أفهم كيف تنسحب الدولة من واجبها وتترك إطفاء النيران ومعالجتها لأسرة حميدتي التي بات واضحا أنها أحكمت سيطرتها ليس على دارفور بل على السودان كله، في ظل انسحاب كامل لرئيس الوزراء وأركان حكومته من المدنيين في تحالف الحرية والتغيير المشغولين بصراعات السلطة في الخرطوم، في حين يتمدد حميدتي، وهو أمر لا يبشر بخير على المدى الطويل وليس القريب باعتبار أن القبائل في لحظة ما سترفض هيمنة الرزيقات على دارفور».
إلى ذلك، دعا الباحث في جامعة جورج تاون الأمريكية، أديب يوسف، والمتحدر من إقليم دارفور «للانتباه إلى خطورة تغيير تفويض بعثة الأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) من البند السابع الذي يبيح استخدام القوة لحماية المدنيين إلى البند السادس وفق ما يطلب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك».
وقال «تغيير تفويض بعثة يوناميد في ظل اشتعال الصراعات والعنف التي شهدناها في نيرتتي وغيرها غير صحيح، ما دام هناك عنف وعدم أمان من الأفضل أن تبقى بعثة يوناميد بتفويض البند السابع لتقوم بحماية النازحين من هجمات الميليشيات والحيلولة دون وقوع عنف قبلي محتمل».
وكان رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قد غرد على «تويتر» مع انطلاق الأحداث في دارفور «أترحّم على أرواح الضحايا الذين سقطوا جرّاء تلك الأحداث. أوجّه بإعمال القانون بصرامة وبسط هيبة الدولة بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الأحداث».
وهو ما حدث حيث وصل سريعا إلى نيالا حاضرة جنوب دارفور، الفريق عبد الرحيم دقلو قائد ثاني قوات «الدعم السريع» ، ومنها إلى ضاحية تلس معقل قبيلة الفلاتة من أجل نزع فتيل الأزمة، وهو الأمر الذي تحقق بإعادة عدد كبير من المنهوبات والمواشي التي جرى الاستيلاء عليها ممن سماهم بـ»المتفلتين»، ورمى باتهام مباشر نحو «طرف ثالث» لم يسمه قائلا إنه «يقف وراء الأحداث لإفشال الحكومة الانتقالية وإفقادها هيبتها» ليدعو بعدها المواطنين من داخل مدينة « تلس» حاضرة قبيلة الفلاتة بعدم مغادرة المنطقة والنزوح منها، مطمئنهم عبر تصريحات صحافية بـ»عودة الأمن بفضل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والشرطة والاحتياطي المركزي».

إرسال قوات

ولفت الى أن «موضوع الأحداث بسيط جدا ومقدور عليه»، مشيرا إلى» إرسال قيادات وقوات متقدمة إلى مدن برام، كتيلا، أنتكينا، عد الفرسان شرق نيالا، وتمت تغطية كل المواقع لمنع تجدد العنف».
وتابع «أصلا هي حكاية قام بها متفلتون، ولكن الأموال الآن ردت لأصحابها في نيالا وتلس».
وعلق ناظر عموم الفلاتة، يوسف السماني، على حضور الفريق عبد الرحيم دقلو والقوات النظامية والدعم السريع إلى محلية تلس بالقول «كان بردا وسلاما على الرزيقات والفلاتة، وهما إخوان أشقاء نزع الشيطان بينهما، وهما يمثلان المجموعة الكبيرة التي ترعي الماشية التي اشتهروا بها وتضرروا سويا من فتنة المتفلتين».
ونوه إلى «أهمية حضور عبد الرحيم  دقلو شقيق نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان حميدتي ونائبه في قيادة قوات الدعم السريع، الذي تسبب في فرار المجرمين والمتفلتين في المنطقة».
وتابع : «إذا حضر القط دخل الفار في الجحر»، واصفا دقلو بـ«الرجل الحكيم الذي له خبرات ودراية بإنسان وأرض دارفور، مما أدى إلى حسم الفوضى خلال أيام وأسهم في دخول الطمانينة إلى القلوب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية