نسمع في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن الخطر الذي يشكله التوجه التقدمي على دولة إسرائيل والصهيونية. رغم وجود توجه تقدمي، معاد لإسرائيل، لكن الحديث يدور عن طرف هامشي للحركة التقدمية، بينما يكمن التوجه التقدمي في مركز اليمين الأمريكي والإسرائيلي. في موعد زمني متقارب تنشر الاتفاقات الائتلافية عندنا إلى جانب توصيات لجنة الكونغرس عن أحداث 6 كانون الثاني في الولايات المتحدة، والحدثان في إسرائيل والولايات المتحدة يبرزان هذه الحقيقة.
في هوامش المعسكر التقدمي ظاهرة ضارة لسياسة الهويات و”ثقافة الإلغاء”، والعنف الذي يشكل جزءاً منها يضر أحياناً بالمعسكر التقدمي نفسه، إذ إنها تفككه إلى عناصر وتمنع التعاون بين عناصره. فمثلاً، نهج سياسة الهويات يجعل رجلاً يهودياً أبيض ومستقيم التوجه الجنسي كـ “ترف”، وبصفته هذه لا يمكنه أن يكون شريكاً في الكفاح من أجل القيم التقدمية، العدالة الاجتماعية والتعددية، كمساواة الحقوق للأقليات. نهج كهذا يمس بالأهداف المشتركة للمعسكر الليبرالي ويمنع ارتباطات حيوية كالعلاقة المهمة التي كانت بين مارتن لوثر كينغ والحاخام أبراهام يهوشع هشل. هذه العلاقة مثلت تجند أغلبية الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة لمساعدة الأقليات الأخرى كجزء من فكر قيمي يتضمن إصلاح العالم. إن سياسة الهويات تؤدي إلى أن يكون من شأن أصوات من داخل المعسكر التقدمي تعارض أن يكون صهاينة تقدميون مثلي جزءاً من كفاح الفلسطينيين لإيجاد وطن قومي خاص بهم.
لكن الظاهرة التي وصفتها موجودة كما أسلفنا في هوامش المعسكر التقدمي وذات تأثير قليل نسبياً على السياسة في الولايات المتحدة وإسرائيل. يوجد نحو مئة عضو كونغرس أمريكي من النساء والرجال ممن يعرفون أنفسهم كتقدميين ويتحدون في مجموعة مصلحة. 95 منهم صهاينة بوضوح، بمعنى أنهم وقعوا على إعلان استقلال دولة إسرائيل ويؤيدون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها والمساعدة الأمريكية لإسرائيل. وهم يصوتون إلى جانب استمرار المساعدة الأمنية لإسرائيل، رغم أنهم أقل تأييداً للحلول العسكرية، ورغم أن المساعدة لإسرائيل أكبر من كل مساعدة لأي دولة أخرى، بينما الناتج القومي الخام للفرد عندنا هو من الأعلى في العالم.
حتى أولئك الذين ليسوا صهاينة، ليسوا بالضرورة مناهضين للصهيونية، وحتى من هو مناهض للصهيونية ليس بالضرورة لاسامياً. الاتهام باللاسامية، الذي ينتشر في اليمين تجاه كل من ينتقد حكومة إسرائيل وحتى دولة إسرائيل، هو التعبير الأكثر كلاسيكية عن “ثقافة الإلغاء. فهي تمنع التصدي للنقد وتلغي من يطلقه بمبررات غير موضوعية تلحق في نهاية المطاف الضرر بإسرائيل. ينبغي أن نتذكر بأن أغلبية الحركات اليهودية المركزية في الولايات المتحدة عارضت الصهيونية في بداية طريقها، ولا يزال هناك حريديم كثيرون يعارضون الصهيونية، وكذا يهود يعارضون النزعة القومية بعامة لأسباب مختلفة.
السخافة أن مؤيدي إسرائيل الكبار زعماً في اليمين الأمريكي وكذا في اليمين الإسرائيلي، لم يوقعوا في غالبيتهم الساحقة على إعلان استقلال دولة إسرائيل، لأنه وثيقة تعبر عن الصهيونية التقدمية التي ترى دولة إسرائيل بصفتها ديمقراطية ليبرالية وطناً قومياً لليهود وكذلك ديمقراطية ذات مساواة في الحقوق لكل مواطنيها. هذه الرؤيا تختلف جوهرياً عن المفاهيم المناهضة لليبرالية لدى اليمين الترامبي الأمريكي، ممن يؤيد الكثيرون منه التفوق المسيحي. الكثير من الترامبيين، كالشعبويين في أوروبا، يعتقدون أن بوسعهم “أن يبيضوا” اللاسامية التي تسم بعضهم من خلال دعم إسرائيل. شركاؤهم في الحزب الجمهوري، الإفنجيليون، يؤمنون بأن دعم إسرائيل سيبكر موعد حرب يأجوج ومأجوج في هرمجدون (مجدو)، التي سيعود يسوع المسيح في نهايتها، وسينتصر اليهود ممن لم يموتوا في تلك الحرب. في حكومة إسرائيل الجديدة قلائل ممن وقعوا على وثيقة الاستقلال لأنهم يؤيدون التفوق اليهودي وليس الديمقراطية الليبرالية.
إن السياقات التي تمر على إسرائيل تجعلها نظام حكم ديني عرقي، يذكرنا بإيران أكثر مما يذكرنا بمن ادعت بأنها حتى وقت أخير مضى “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. إن اتجاه الحكومة الجديدة معاكس تماماً لاتجاه إقامة دولة قدوة حلم بها مبشرو الدولة. والمفارقة، أو للدقة، المأساة، تنشأ في اللقاء بين رؤيا التوجه التقدمي ورؤيا الرجعيين، فيما تؤدي الرؤيتان بنا إلى واقع ثنائي القومية دامٍ. هذا الواقع يؤدي بالضرورة إلى دولة ذات أغلبية عربية نتائجها الخيار بين الديمقراطية التي تشكل نهاية الوطن القومي اليهودي أو دولة تفوق الأقلية اليهودية على الأغلبية العربية، والتي تعني دولة أبرتهايد منبوذة يقاطعها عن حق معظم العالم المتنور.
بدلاً من الانشغال بالتوجه التقدمي المتطرف الذي تأثيره صفري، من الأفضل للقوى الليبرالية والتقدمية من يهود وعرب، إسرائيليين فلسطينيين وأمريكيين، أن يتعاونوا ضد التطرف الرجعي في الحكومة الجديدة ومؤيديهم في اليمين الأمريكي العميق لأجل إنفاذ رؤيا دولة إسرائيل التي تقيم ديمقراطية ليبرالية بروح إعلان الاستقلال.
بقلم: نداف تمير
معاريف 5/1/2023