انتهت حملة انتخابات أخرى مع استنتاج واحد لسبب ما لم يتغلغل عميقاً بما يكفي حتى اليوم: الانتخابات في إسرائيل تحسم بالصوت العربي. في أثناء الأسابيع التي سبقت الانتخابات، استثمر المعسكران أموالاً طائلة وجهوداً في الجمهور العربي، سواء بتشجيع التصويت وتحفيز المصوتين العرب أم بمحاولات تنويم الميدان. تطلعت عيون الجميع يوم الانتخابات نحو نسبة التصويت في المجتمع العربي لفحص ما إذا كان العرب يندفعون نحو صناديق الاقتراع أم لا؛ انتظر الجميع عد أصوات المصوتين لـ”التجمع” بل وصلى البعض لأن يدخل إلى الكنيست. نعم، حتى الناس الذي يعرفون أنفسهم صهاينة أملوا في دخول الحزب الأكثر انعزالية، الذي يعارض دولة إسرائيل كيهودية وديمقراطية، إلى الكنيست.
الصوت العربي حسم الانتخابات بعدة خطوات: انقسام القائمة المشتركة، وهروب المقعد العربي من “ميرتس”، وبالطبع نسبة التصويت التي وإن ارتفعت عن المرة السابقة بخلاف التقديرات، لكنها بقيت متدنية جداً عن نسبة الاقتراع القطري. إن فشل الأحزاب اليهودية في التوجه إلى الصوت العربي حتى الآن بارز. فبدلاً من محاولة تشجيع المجتمع العربي على الخروج للتصويت بدل البقاء في البيت ومقاطعة الانتخابات، كان يمكنها ببساطة أن تعرض بديلاً بنفسها وتحاول قيادة الجمهور العربي للتصويت لها. لكن لم يتمكن أي حزب من ذلك، ولم يضمن مقعداً لمندوبين عرب في مكان واقعي، ولم ينفذ خطى تبرر التصويت لها في الجانب العربي. الجمهور العربي ذكي، ومحاولة التعاطي معه كحجارة شطرنج في اللعبة السياسية فشلت. أما الآن فمع قيام الحكومة الجديدة، ستعيد السياسة العربية الإسرائيلية احتساب المسار من جديد.
منصور عباس، الذي اتخذ خطوة نحو الاندماج والتأثير من الداخل، يجد نفسه عائداً إلى مقاعد المعارضة الخلفية، إلى جانب شركائه السابقين وخصومه اليوم أيضاً أحمد الطيبي وأيمن عودة. “التجمع” الذي كانت إنجازات ممثليه حتى اليوم التجسس لصالح “حزب الله”، والمشاركة في أسطول مرمرة، وتهريب الأجهزة الخلوية للسجناء الأمنيين، يجد نفسه خارج الكنيست لأول مرة.
ستكون الأحزاب اليهودية مطالبة بحساب النفس في العلاقة مع الجمهور العربي. وستكون الحكومة الجديدة ملزمة بالعمل من أجل الجمهور العربي كي تثبت بأنها تمثل المجتمع العربي الإسرائيلي أيضاً وتتعاطى معه كجزء لا يتجزأ من الدولة. إنه على خلفية حملة التخويف ضد الحكومة التي ستقوم، ورسائل التهديد التي تنشر في المجتمع العربي عن خطوات ستعمل عليها الحكومة وتضر بعرب إسرائيل، من المهم القول بأنه لن يطرد أي عربي من الدولة ولن تصبح إسرائيل دولة أبرتهايد. وعلى الوزراء الجدد الدفاع قدماً بعرب إسرائيل ومعالجة المسائل المشتعلة في أوساطهم وعلى رأسها الأمن الشخصي.
ستكون السنوات القادمة في المجتمع العربي زمناً لسياقات جديدة. فالنفور من النواب العرب بلغ نقطة الغليان. والسنوات القادمة ستكون زمناً لنشوء قيادة عربية شابة؛ قيادة تحرص على مصالح الجمهور العربي وبالتوازي تدعم مصالح الدولة. قيادة تقول إن ما يهمها هو الناصرة، ورهط وشفاعمرو وليس نابلس وجنين وغزة. وزعماؤها يقولون بصوت واضح إنهم يعارضون الإرهاب. في الانتخابات القادمة لن يتعاطى أحد مع عرب إسرائيل كحجارة شطرنج، وسيفهم الكل بأن الصوت العربي لاعب مركزي على الملعب السياسي في إسرائيل.
بقلم: يوسف حداد
معاريف 14/11/2022