في هذه الأيام نكثر من الاهتمام بفرص السلام مع السعودية. فإذا ما نجح الجهد بالفعل، فستشهد المنطقة كلها هزة. مهما كانت مفاجئة، سيكون السلام المنشود بنداً ثانوياً في حديث أكبر بكثير يرتبط بالعلاقات بين الرياض وواشنطن. فالسعودية تعلق موافقتها على تسخين العلاقات مع إسرائيل بشرطين أساسيين تطرحهما على البيت الأبيض. الشرط الأول يتضمن رزمة نووي. فالرياض تطلب من الأمريكيين أن يقيموا لهم شبكة مفاعلات في أرجاء المملكة، ويساعدوها على إنتاج الكهرباء منها. الطلب الثاني هو حلف دفاع عسكري. في إطاره، تبيع الولايات المتحدة للسعوديين أفضل أسلحتها وتوفر لها الدفاع في حالة تعرضها للهجوم.
بكلمات بسيطة، تعرض السعودية على الأمريكيين أن تكون لهم ما كانت إسرائيل منذ عشرات السنين: صديقة قريبة وابنة مفضلة في قلب العالم العربي. لقد حظيت إسرائيل بالشراكة الاستراتيجية على قاعدة قيم مشتركة. أما السعوديون فيقترحونها مقابل المال. إضافة إلى ذلك، فإنهم يلوحون بالورقة الصينية ويهددون واشنطن برزمة ينشدونها من بكين. إسرائيل، الحليفة التقليدية، تخفف عن واشنطن؛ فهي تؤشر لها بأن القيم الديمقراطية التي قامت عليها، باتت ملحة لها بقدر أقل، وهكذا تجعل الحاجز القيمي الذي كان أمام ناظري الأمريكيين مرناً أكثر من ذي قبل.
يعرف القانون الدولي المسموح والممنوع لقوة نووية عظمى. فمن حقها أن تقيم مفاعلاً نووياً على أراضي الزبون وتساعده على إنتاج طاقة نووية. مسموح لها أن تمنحه العلم أيضاً، بقدر وبعمق تجدهما صواباً، لكن عليها أن تراقبه بتشدد. الزبون من جهته ملزم أن يعمل بشفافية كاملة خشية استخدام هذا العلم لأغراض عسكرية أو خشية أن يتسرب إلى دولة غير مسموح لها. وهنا يكمن الخطر. إذا عرف الزبون كيف ينتج الكهرباء بوسائل نووية فيمكنه وإن كان بجهد كبير وبالسر، أن ينتج مادة مشعة لقنبلة. إذا ما واجهت مؤامرته بالمصاعب أو كان ينقصه علم ما، فربما يبحث عنه في الخفاء لدى مصدر ثالث.
خطة القرن
حسب المؤشرات والتسريبات التي تأتي من واشنطن، يطلب السعوديون من الأمريكيين أن يعلموهم النظرية؛ أن يقيموا المفاعلات نيابة عنهم، وبعد ذلك إرشادهم على كيفية تخصيب اليورانيوم. وافق الأمريكيون مبدئياً على العرض السعودي، ويجرون الآن مفاوضات على مساحة اليراع. ما الذي سيعطى للسعوديين وما الذي لن يعطى. يكمن التخوف في أماكن الظلال تلك التي تميزت بها السعودية على مدى السنين، بل وأجادت جارتها إيران في التميز بها. ربما تشاء الرياض أخذ العلم لإنتاج الكهرباء، وقد ترفع مستواه بالتدريج سراً لإنتاج قنبلة. وهذا لا يستغرق يوماً واحداً أو سنة أو سنتين، بل سنوات طويلة.
يحتاج القصر السعودي عن حق لبرنامج نووي كي ينتج الكهرباء. هذه الطاقة، فضلاً عن أنها خضراء وأقل كلفة، ربما تحل محل النفط وتخدم خطة النمو الطموحة لديهم المسماة “رؤية 2030”. لكن لا يكفي السعودية في عصر محمد بن سلمان أن تقف في جبهة التكنولوجيا المدنية، فهي تسعى لتكون ضمن الصف الأول من القوى العظمى. وفي عالمنا هذا، ولأجل اكتساب مكانك إلى جانب الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والصين وروسيا – خير إذا ما حزت سلاح يوم الدين.
إضافة إلى ذلك، تنظر السعودية يميناً ويساراً، فتجد إيران وإسرائيل. كلتاهما نوويتان، إحداهما عدوها والأخرى كانت كذلك حتى أمس، ومن يدري إذا لم تعد. كل ذي فطنة ينبغي أن يفترض بأن القصر السعودي قد يرغب يوماً ما أن ينضم إلى النادي الضيق للدول ذات السلاح النووي. لهذا الغرض، يتعين على الأمريكيين منذ هذه المرحلة أن يحددوا حدود العلم الذي سيمنحونه للسعوديين، وأن يتفقوا على آلية رقابة تتأكد من ذلك.
كل هذا الزمن، الذي تنشغل فيه إدارة بايدن في مفاوضات محملة بالمصير تتعلق بمسألة النووي السعودي تلح إسرائيل عليهما بالسؤال، متى ستعانقان أخيراً؟ إسرائيل كفيلة بأن تعلم أن الهدية جاءت بالفعل. الرياض وافقت على تسخين علاقاتها مع القدس، لأنها تلقت ما أرادته من العم سام. لكن النتيجة الجميلة ستأتي في غلاف متفجر خفيف. سنحصل على علاقات مع السعودية، وفي غضون بضع سنوات ستنبت هذه الأرضية خطراً جسيماً. في سيناريو متطرف، في غضون عقد أو اثنين، سيكون لإسرائيل شريكان في الشرق الأوسط ذوا قدرة إنتاج قنبلة ذرية أو يسعيان إلى هذا الهدف: إيران والسعودية. مع الأولى، تصارعت وفشلت؛ أما الثانية فشجعتها دون وعي. وعليه، فخيراً تفعل إسرائيل إلى جانب توقعاتها للسلام مع السعودية أن تعمل في واشنطن كي تؤمن ضمانات حقيقية، وأن تحافظ على تقليص الرزقة التي يحصل عليها السعوديون في قدرتهم، قدر الإمكان، على إنتاج سلاح نووي في المستقبل.
في كانون الثاني 2020 أطلقت إدارة ترامب خطة سلام للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني سمّتها “خطة القرن”. رفض الفلسطينيون هذا العرض باحتقار. فقد كان جزئياً، يميل لصالح إسرائيل، ومفروض عليهم. شيء واحد جيد كان فيه من اللحظة الأولى – الاسم. سبق ترامب زمنه في هذا، إذ لا يوجد عنوان أنسب منه لمحادثات النووي بين الرياض وواشنطن. طبيعة العقود لإنتاج طاقة نووية يسري مفعولها إلى الأمام لعشرات السنين. الخطة ستغير الشرق الأوسط وستجره إلى سباق تسلح نووي. ستعزز مكانة الولايات المتحدة في المنطقة وبوسعها أن تؤثر مباشرة على العلاقات بين إسرائيل والعرب. استعدوا لخطة القرن.
جاكي خوجي
معاريف 18/8/2023