من بيت المجانين السياسي لدولة إسرائيل، حيث لا وليّ أو صديق، أرغب في الانتقال إلى لبنان المجاور الخرب، العفن، الذي سيبقى على ما هو عليه الآن، بل وأكثر. هناك خمس نقاط لفهم الوضع:
الأولى أن الانفجار كان هائلاً وهز العالم، ولكن الضرر الحقيقي هو تدمير ميناء بيروت الذي يغذي لبنان بالاستيراد، ثم تدمير المركز التجاري للمدينة الذي يخدم في أغلبيته الساحقة السكان السُنة. كل هذا على خلفية وضع يعيش فيه لبنان كله في الظلام، تقريباً بلا مكيفات ولا ثلاجات، لغياب طاقة الكهرباء، ومع نصف سكان دون خط الفقر، وحكومة مفلسة لا تؤدي مهامها، وليرة هبطت إلى الهوة، بلا عملة أجنبية، ومع فوضى. وفوق كل هذا، جاءت كارثة الانفجار، وهي واحدة من سلسلة كوارث طويلة نزلت على هذه الدولة، ونجت منها.
والثانية أن لبنان دولة اختلقوها، مثلما اختلقوا سوريا والعراق والأردن، ولا يوجد ما يسمى قومية لبنانية تقيم منظومة دولة حديثة. هذه أكثر دولة عصابات مافيا، تقف على رأسها عائلات إجرامية. لم يأتِ من السماء، بل من السكان الذين عاشوا على الأرض اللبنانية في نقطتين زمنيتين: قبل مئة سنة-الفرنسيون، وبضغط المسيحيين المارونيين الذين سيطروا بحكم ذاتي خاص بهم على ظهر جبل لبنان، وخلقوا إقليماً من جنوب لبنان، ومدينة بيروت، ومنطقة طرابلس وبقاع لبنان. وهكذا خلقوا “لبنان الأكبر”، في حدود اليوم، حيث كان للمسيحيين أغلبية بسيطة تلاشت مع الزمن. أما نقطة الزمن الثانية فكانت في 1943، عشية الاستقلال، عندما عقد رؤساء الطوائف الكبرى (المسيحيون، والمسلمون السُنة، والمسلمون الشيعة) “الميثاق الوطني”. وكان قلبه: سيكون في لبنان نظام طائفي، بحيث تكون كل منظومة الحكم والإدارة والبرلمان مبنية وفقاً لمفتاح طائفي. فالطائفة كل شيء ومصدر الهوية المركزية، وهنا يدفن الكلب في مصيبة لبنان: الفساد، والمحسوبية، وانعدام أداء المهام، والقتل، والخيانة، ونشوء عائلات جريمة طائفية، وبالطبع فتح فضاء كبير لتدخل جهات أجنبية.
الثالثة، لا يمكن لأي طائفة أن تكون مسيطرة في المنظومة الداخلية اللبنانية دون دعم من قوة أجنبية عظمى؛ ففي الماضي البعيد دعمت فرنسا المسيحيين، ولكنها ألقت بهم إلى الكلاب في ساعة الاختبار؛ ثم دعمت السعودية السُنة بمال كثير. أما التي عرفت كيف تستغل النظام الطائفي على النحو الأفضل فهي إيران، إذ أقامت تنظيم حزب الله في الطائفة الشيعية، وصبت عليه المال والسلاح والتدريب والإرشاد، وجعلته قوة عسكرية قوية ذات قدرة على إقامة مؤسسات دولة خاصة به (مؤسسات صحة، تعليم، رفاه، إعلام). بنت القوة العسكرية لحزب الله للوقوف ضد إسرائيل، لا لكي تسيطر على باقي الطوائف في لبنان. منذ نحو عشرين سنة وحزب الله جزء من حكومات لبنان (بما في ذلك حرب لبنان الثانية) وشريك في النظام الطائفي اللبناني.
الرابعة، ما الذي يريده المتظاهرون في ساحات بيروت ومن هم؟ معظمهم سُنة، وهدفهم المعلن هو إلغاء النظام الطائفي…ثورة حقيقية. لن ينجحوا في ذلك، لأن المؤيد الأكبر للنظام الطائفي، في الوضع الراهن، هم حزب الله، وإيران من خلفه. وبالطبع، فإن المسيحيين والدروز سيعارضون ذلك. سيكون كثير من الصخب، وانتخابات، وحكومة جديدة، وسيستمر النظام الطائفي.
الخامسة، بالنسبة لإسرائيل، ثمة حاجة لتغيير الاستراتيجية: ألّا يميز حزب الله عن حكومة لبنان. حزب الله هو حكومة لبنان.
بقلم: عاموس غلبوع
معاريف 13/8/2020