معاريف: ماذا لو سحبت أمريكا الفيتو من أمام المشروع الصهيوني الأهم.. “ضم الضفة الغربية”؟

حجم الخط
1

 لم ينجح حتى عيد الأنوار في طرد الظلام هذه السنة. ظلام دامس يهبط علينا، ولكن ربما نلحظ جزءاً من أشعة نور. ففي حملة الهدف التي بدأت هذا الأسبوع لتحطيم ممنهج لكل المؤسسات الرسمية للدولة، فالحكومة الجديدة كفيلة بأن تجد نفسها تدمر ذخرها الأعز – مشروع الاستيطان.

في توقيت تاريخي شائق، بعد أيام من أداء الحكومة الجديدة اليمين القانونية، ستنشر المحكمة الدولية في لاهاي فتوى في مسألة ما إذا كان الاحتلال الإسرائيلي في “المناطق” [الضفة الغربية] وضعاً مؤقتاً (كما جاء في قرارات سابقة للأمم المتحدة) أم وضعاً دائماً (أي ضم فعلي).

يفهم الفاهمون في أوساط وزراء الحكومة الجديدة التهديد الذي يخلقونه. وليس صدفة أن سارع وزير المالية الجديد هذا الأسبوع لكتابة مقال في “وول ستريت جورنال” ينفي فيه نية ضم “يهودا والسامرة” [الضفة الغربية]. إن حامل علم إحلال السيادة في “يهودا والسامرة” نفسه تعهد بعدم تنفيذ أي تغيير قانوني أو سياسي في تعريف “المناطق”. يفهم بتسلئيل سموتريتش بأن مظلة الحماية التلقائية التي منحتها الولايات المتحدة للاحتلال الإسرائيلي على مدى السنين لم تعد مضمونة.

نجحت إسرائيل طوال أكثر من 55 سنة، في تثبيت حالة هي بمثابة شبه معجزة: احتلال شعب آخر وإبقاؤه تحت حكم عسكري، وإقامة استيطان لنحو نصف مليون إسرائيلي على الأرض، وكل ذلك دون أن تلفظ إسرائيل من أسرة الشعوب وتوصف بأنها دولة منبوذة. نجحت هذه المعجزة في البقاء ستة عقود بفضل السياسة الملجومة التي اتخذتها كل حكومات إسرائيل على أجيالها في “يهودا والسامرة”، وبفضل السور الواقي الذي وفرته منظومة القضاء الإسرائيلية. هذان الاثنان معاً سمحا للولايات المتحدة بمواصلة صد كل مبادرة لوصف إسرائيل باحتلال غير قانوني.

حرص الجيش الإسرائيلي طوال سنين على تنفيذ سياسة متوازنة من استخدام القوة في “المناطق”، تميز بين منفذي الإرهاب والعنف وبين باقي السكان. قادة الجيش، بمرافقة متلاصقة من المستشارين القانونيين، اختاروا ألا ينفذوا كامل قوة الجيش الإسرائيلي في “المناطق” حتى في الأيام الصعبة انطلاقاً من فهم بأن استخدام القوة غير الملجومة ستقوض قدرة إسرائيل على مواصلة الحيازة للمنطقة. الإدارة المدنية، التي حلت محل الحكم العسكري في “المناطق” قبل 41 سنة، جاءت لتبقي على مظهر يكون فيه قانون واحد للإسرائيليين والفلسطينيين خلف الخط الأخضر. لقد امتنعت إسرائيل عن إحلال القانون الإسرائيلي في “المناطق” كي تبقيها تحت تعريف “استيلاء حرب”، أرض محتلة مؤقتاً تجرى فيها نشاطات حربية.

لقد سمح جهاز القضاء الإسرائيلي لكل فلسطيني بالاستئناف على قرارات القائد العسكري. وبفضل سمعته الدولية، أقام متاريس حمت الاحتلال المتواصل. وإلى جانب جهاز القضاء العسكري، حمى أيضاً مقاتلي وقادة الجيش الإسرائيلي من دعاوى جنائية في المحاكم في العالم. وتهدد حماسة التشريع في الحكومة الجديدة بالقضاء على كل هذا. الفصل بين الادارة المدنية والجيش ووزارة الدفاع، وإيداعها في يد وزير المالية، تؤشر إلى أنه من الآن فصاعداً سيكون قانون للإسرائيليين وقانون آخر للفلسطينيين في “يهودا والسامرة”. كما سيقضي تحطيم جهاز القضاء أيضاً على الأسوار التي حمت مقاتلي الجيش الإسرائيلي والسياسة الإسرائيلية في “المناطق”.

إذا أضفنا إلى هذا أيضاً تحويل حرس الحدود إلى جيش خاص للوزير ايتمار بن غفير، وكذا حملة تبييض البؤر الاستيطانية غير القانونية – فإن هذه الحكومة ستفكك بكلتا يديها بقايا الشرعية الأخيرة للسيطرة الإسرائيلية في “المناطق”. الإدارة الأمريكية، التي لا تمتلئ عطفاً على إسرائيل، لا تحتاج للوقوف ضدها. يكفي أن تمتنع عن استخدام الفيتو على قرارات ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية. وستكون إشارة لباقي العالم الغربي الذي كبحه الأمريكيون حتى الآن، بأن إسرائيل فريسة مباحة.

بعد 12 سنة من توقع إيهود باراك، كفيلة موجة “التسونامي السياسي” بأن تغمر شواطئنا في شكل اعتراف بدولة فلسطينية، وسحب شرعية الاحتلال والمقاطعات على أنواعها.

وعليه، فثمة أهمية كبيرة في تعيين وزير الدفاع يوآف غالنت، الكفيل بأن يجد نفسه في وظيفة إصبع في السد. غالنت، الذي يعرف جيداً الفعل العسكري والسياسي والصلة بينهما، سيتعين عليه منذ الأيام القريبة القادمة أن يقرر ما إذا كان سيقاتل في سبيل صلاحياته ويحمي مكانة وزير الدفاع والجيش الإسرائيلي كصاحب السيادة في “المناطق”، أم يطأطئ رأسه ويصبح منفذ قول سموتريتش. حتى اليوم، لم يظهر كمن هو سهل على الانثناء. ولا يوجد ما يبرر الافتراض بأن هذا سيحصل له الآن. غالنت على وعي جيد بالأثمان التي سيدفعها إذا ما وقف على ساقيه الخلفيتين ليحمي استقلالية الجيش ووزارة الدفاع. في غضون لحظة، سيصنف كاليساري المناوب في الحكومة وكمن يدق العصي في دواليب الاستيطان.

لكن إلى جانب الثمن السياسي، يمكنه كسب مكانته كزعيم رسمي، متفكر ومتوازن. أكثر من هذا: إذا ما حدد الأمريكيون غالنت ككادح سوي العقل في الحكومة، فسرعان ما سيجعلونه محاورهم الأساسي تجاه حكومة نتنياهو السادسة. وقد نجد إلى جانبه رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي، التعيين المفاجئ والمشجع في الحكومة الجديدة. هنغبي، مع تجربته السياسية الخارجية والداخلية الجمة، قد يتطلع للتركيز على الموضوع الإيراني بصفته رئيساً لهيئة الأمن القومي، لكن سرعان ما سيكتشف بأن خطاً قصيراً يمتد بين قيادة الوسط الأمريكية ونطنز، وأن السياسة في “المناطق” هي التي ستؤثر على حرية عمل إسرائيل تجاه إيران.

تعيين هنغبي لرئاسة هيئة الأمن القومي، كفيل بأن يبشر بعصر جديد في تاريخ هذه المؤسسة المهمة. حتى الآن، عانت هيئة الأمن القومي من الضعف حيال أجسام التنفيذ ووكالات الاستخبارات الإسرائيلية. وقد عنيت أكثر بإعداد البرنامج للمداولات، وأقل في رسم السياسة. لهنغبي فرصة لجعلها جسماً قيادياً كان ينقص دولة إسرائيل. بعد أن نصم سجل قوانيننا بقانون ينص على الحق في التمييز، سيكون من الصعب على إسرائيل مواصلة بيع نفسها كـ “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، والتي على الطريق أيضاً تحتجز ثلاثة ملايين إنسان تحت حكم عسكري. في داخل عتمة الحكومة الجديدة، يبدو أن تعيين غالنت وهنغبي يمنحهما فرصة ليظهراها مضيئة.

بقلم: ألون بن دافيد

 معاريف 30/12/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية