إذا كانت ثمة جملة يمكنها أن تصف الحكومة الحالية في نظر الجمهور الديني – القومي في إسرائيل، فهي “لا تقرب ولا تمثل”.
قبل نحو ثمانية أشهر أقيمت حكومة جديدة في إسرائيل، خطت على علمها (في ذاك الوقت) موضوعين مركزيين: يمين على المليء – مليء ووضع الدين اليهودي في المركز. إن الربط بين الأمرين يشكل أساساً مهماً في الهوية السياسية الجديدة للمعسكر الديني الذي يعدّ بموجبه كل من هو مع الحكومة هو مع اليهودية، وبالعكس. كان يفترض بهذه القيم، ظاهراً، أن تخلق تمثيلاً مناسباً لفئات سكانية عديدة في إسرائيل تؤيد تلك القيم وكان يفترض بها أن تتناسب كالقفاز لليد للجمهور الديني – القومي.
مر الزمن، ويبدو أن الصورة تغيرت جوهرياً. الموضوع السياسي – الأمني أزيح جانباً، الحوكمة ومكافحة الجريمة نسيتا، وكل هذا في صالح العناية المكثفة بجهاز القضاء. والنهج المكثف ذاته جيء به أيضاً لمعالجة موضوع اليهودية. ما بدا في البداية كتطلع لوضع الدين اليهودي في مركز الساحة، سرعان ما أصبح زجاً للدين اليهودي في حلق الجمهور الغفير بلا رقة ولا حوار، مع كثير من الإكراه، وبالأساس دون تقريب على الإطلاق.
كل هذا يخلق صورة جديدة في الخريطة السياسية. فلئن تمتعت “الصهيونية الدينية” حتى الآن بشكل متواصل بتمثيل وبقيادة كانتا تتوافقان مع قيمها، فالجمهور الديني – القومي يجد نفسه الآن في وضعية لم يعرفها قط. فـ”الصهيونية الدينية”، التي كانت رموزها المركزية منذ عهد قيام الدولة “الأدب يسبق التوراة” وأهمية المساهمة والدفاع عن البلاد والقيم التي وجدت تعبيرها في نسب تجنيد غير مسبوقة لوحدات قتالية ولخدمة ذات مغزى، هذا إضافة إلى المساهمة في كل الجوانب بدءاً ببناء عالم التوراة ومداخيل الضرائب وحتى المساهمة الأكاديمية والبحثية الاستثنائية – تجد نفسها في وضع يلوح فيه الحزب الذي يدعي تمثيلها بقيم مختلفة جوهرياً.
يتشكل “حزب الصهيونية الدينية” من قيادة هي نفسها لم تخدم خدمة عسكرية ذات مغزى، بل إن بعضها لم يخدم على الإطلاق، وفضلاً عن ذلك ترتبط على نحو وثيق بالأحزاب الحريدية التي تعمل اليوم علناً على إعفاء جارف من التجنيد، إلى جانب إلغاء تعليم المواضيع الأساسية والمس بحقوق النساء – القيم التي اعتبرت حتى اليوم مقدسة في الوسط الديني – القومي. وبدلاً من محبة بلاد إسرائيل، تلقينا ارتباطاً بل ودعماً للأجزاء الأكثر عنفاً في القطاع الديني.
إن الصعوبة التي يعيشها الجمهور الديني – القومي تُرى في البحوث التي أجريناها في إطار معهد بحوث اليهودية والصهيونية. وبموجبها، يعتقد معظم الجمهور الديني في إسرائيل بأن الحكومة الحالية (تلك التي ادعت تقريب الجمهور إلى اليهودية) تبعد الجمهور الغفير عن اليهودية بأعمالها. وثمة سند إضافي لما يعيش هذا الجمهور، وهو أن معظمه لا يشعر اليوم بأن له تمثيلاً سياسياً، وعلى ما يبدو كان سيسره لو قام حزب آخر يمثله ومثل قيمه. مؤخراً، في أثناء إجازة الكنيست، عمل النائب سمحا روتمان على قانون سيعمق إحساس الإكراه الديني بإعطاء الإمكانية لتعيين مئات الحاخامين للمدن والأحياء حتى تلك التي هي المعنية بذلك. كل هذا بتعاون مليء مع “شاس”.
يستحق الأمر أن نتعمق للحظة في ذاك الفشل ونفهم كم كان عظيماً. فموقف الجمهور الإسرائيلي من الدين هو استثنائي بكل مقياس. فالجمهور الإسرائيلي مرتبط بالدين – معظمه يصوم في يوم الغفران، يحترم السبت، معظم النساء في إسرائيل يضئن شموع السبت. وبشكل عام، إذا ما حيدنا الأشهر الأخيرة، يمكن القول بفم مليء بأن الأغلبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي تحب اليهودية وترتبط بها، كل واحد وواحدة حسب معتقده وطريقه.
كل هذا يعظم حجم فشل الحكومة الحالية. من وضع كان فيه الجمهور مرتبطاً باليهودية كان يفترض بالحكومة أن تأخذ هذا الارتباط خطوة إلى الأمام، لكنها عملياً قامت بالعمل المعاكس تماماً، وأبعدت مئات آلاف الإسرائيليين عن يهوديتهم.
دانييل غولدمان
معاريف 17/8/2023