معايير لضبط الثورات والحراكات العربية

حجم الخط
2

المتتبٍّع للكتابات النًّاقدة الحديثة في حقول السياسة والإقتصاد والاجتماع، ولكثير من المؤتمرات الدولية بشأن قضايا تلك الحقول، يلاحظ الإهتمام المتزايد لموضوع أهمية وضرورة عودة القيم الأخلاقية لتكون المعيار الذي يحتكم إليه عند مواجهة ومعالجة المشاكل المستعصية في تلك الحقول.
إنه ردُّ فعل طبيعي على الإنجراف المجنون نحو إبعاد القيم الأخلاقية الإنسانية أو تهميشها، بـل وممارسة كلُّ ماهو ضدُّ لها، في كثير من النشاطات البشرية في العصور الحديثة . إنه وعي جديد مقاوم لما جاءت به من أهوال وفواجع الممارسة المكيافيلية في السياسة، والأنانية المتوحشة الظالمة للرأسمالية العولمية وللبرالية الحديثة في الإقتصاد، والإفراط العبثي في ممارسة الفردية الجامحة غير المرتبطة بعلاقة التزام إنساني أخلاقي تضامني تجاه العائلة والمجتمع والوطن والعالم، وحتى تجاه بيئة المخلوقات غير البشرية.
وفي الحال يطرح السؤال التالي نفسه: وماذا عن مجتمعات بلاد العرب؟ ألم تكن قيم المكيافيلية القائمة على الخداع والأنانية والتفرُد هي السائدة في الأنظمة السياسية العربية المتسلٍّطة الفاسدة عبر القرون ؟ ألم يكن الاقتصاد العربي الرَيعي القائم على توزيع الثروة على اسس الولاء والزبونية للحاكم والمقرًبين منه، بعيداً عن العدالة في التوزيع والمكافأة، هو الذي ميزً الحياة الاقتصادية العربية عبر العصور؟ وإذا كان الغرب قد اشتكى من جموع الفردية المفرط في الإنغلاق على الذًات أفلم تمارس المجتمعات العربية العكس من خلال سطوة المجتمعات على الفرد وخنق حريًّاته الشخصية المشروعة ومنعه من الخروج على أيً من العادات والتقاليد حتى ولوكانت بالية وغير منطقية ؟ ألم تتماد تلك السطوة المجتمعية على الأخص بالنسبة للمرأة العربية لتحيلها إلى مخلوق هامشي خارج الحياة العامة ومن أجل المتعة فقط؟
فاذا كان ما حدث في الغرب وغيره كان نتيجة منطقية لغياب القيم الأخلاقية من نشاطات المجال العام فان الأمر ذاته حدث في أرض العرب وكان أحد أهم أسباب التخلف الحضاري الذي نعيشه الآن.
مناسبة الخوض في هذا الموضوع وضرورة طرحه بقوة للنقاش هو الحراك الثوري والإصلاحي الكبير الذي يموج في الوطن العربي كلًه. فاذا كان ذلك الحراك يهدف إلى إجراء تغييرات كبرى في حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة فانً ذلك كله سيكون جهداً ضائعاً على المدى الطويل إن لم يعط اهتماماً كبيراً للجانب القيمي لإحداث كل ذلك التغيير.
ذلك أن الحديث عن المعايير التي ستحكم تلك التغييرات يجب أن يبدأ الآن، خصوصاً بعد أن أبانت العديد من التجارب العربية خلال السنتين الماضيتين من عمر حراكات الربيع العربي أنواعا ومظاهر مفجعة من غياب القيم الأخلاقية في ممارسات بعض القوى السياسية.
دعنا نذكر مثالاً واحداً صارخاً . لقد أنتهت بعض الثورات والحراكات الجديدة باستلام السلطة من قبل بعض جماعات الإسلام السياسي في بعض الأقطار العربية. وكان منطقياً أن ينتظر الناس من تلك الجماعات أن تلتزم بصرامة وشفافية وصدق بقيم الإسلام الأخلاقية في جميع تعاملاتها مع السياسة ومع متطلبات الحكم. ولا يحتاج الإنسان لذكر القائمة الطويلة من القيم الأخلاقية الكبرى التي جاء بها الإسلام.
لكًن الإنسان فوجئ بأن خمرة السياسة المكيافيلية لعبت بالرؤوس وإذا بقيم من مثل الصًّدق في النيًّة والعمل، ومن مثل القسط والعدالة حتى مع ذوي القربى ومع النفس، ومن مثل التعاضد والتفاهم والتسامح فيما بين مكوًّنات الجماعات الإسلامية السياسية، وغيرها كثير .. إذا بكل تلك القيم التي حصلت على شرعيتها في الحياة الإنسانية عن طريق الوحي الإلهي منذ قرون عربية طويلة ترتبك ويتلاعب بها من هذه الجهة أو تلك.
فاذا كان المصدر الإلهي لتطبيق القيم الأخلاقية لم يؤبه به من قبل البعض، ولا نقول الكل فنظلم أحداً، فما بالك بالأخذ بالمصادر الأخرى من مثل القانون الطبيعي ونتائج الدراسات السوسيولوجية الكثيرة، والمصالح المجتمعية المشتركة والإيديولوجيا الإنسانية، بل وحتى الحدس الإنساني البحت؟
إذن لابدَّ من جعل النقاش القيمي الأخلاقي جزءاً أساسياً من الحياة العامة العربية الآن وفي الحال . فاذا كنا نريد من الثورات والحراكات أن تقود إلى تقدم نهضوي عربي شامل فلنطرح بقوة موضوع المعايير التي ستحكم ذلك النهوض، المعايير المجتمعية والفردية على السواء . ولنبدأ أولاً بالنقد الشديد للأشكال السًّوداء البغيضة من المعايير التي سادت الحياة العربية عبر العصور، ولكن بالأخص إبًّان الحياة العربية المعاصرة.
لقد فجعت الأمة في عصرها الحديث بأناس ينادون بالوحدة العربية وهم قطريون حتى النخاع، وبوحدة الإسلام وهم طائفيون مبتذلون، وبالتسامح والتعايش المشترك وهم يهمٍّشون أتباع الديانات الأخرى، وبالعدالة وهم فاسدون ناهبون للثروات العامة، وبالديمقراطية وهم مستبدون في بيوتهم ونواديهم وأحزابهم.
إنها لعبة إقصاء القيم الأخلاقية وتشويهها . إنها لعبة الكذب على النفس وعلى الآخرين، بل وحتى محاولة الكذب على اللًه، تعالى عًّما يفعلون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية