معجم الأطباء والصيادلة الفلسطينيين.. مؤلف جديد يستعيد عالم الطب حتى النكبة- (صور)

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

صدر للمؤرخ الفلسطيني دكتور محمد عقل من أراضي 48 “معجم الأطباء والصيادلة الفلسطينيين” وهو مكون من ثلاثة أجزاء وهو فرصة للاطلاع على عالم الطب والأطباء في فلسطين ويقدم لبنة إضافية في استكمال تاريخها الاجتماعي الحديث وفيه تراجم لأطباء بارزين وللطبيبات الفلسطينيات الرائدات.

يورد المعجم الجديد مقدمة عن تاريخ الطب العربي – الإسلامي وريادته في العالم ويدور الجزء الأول حول الطب العربي والطب الإفرنجي في فترة الحروب الصليبية، الطب الشعبي والأوبئة في فلسطين ويتوقف عند فترة الاستعمار البريطاني حيث بقي معظم الفلسطينيين يستعملون الطب الشعبي، لأن الأطباء العرب فتحوا عيادات لهم في المدن الرئيسية، باستثناء القليل منهم مثل الدكتور خليل أبو العافية الذي افتتح عيادات في القرى المجاورة للمجدل.

ويقول المؤلف إن هذا الغياب اضطر الأهالي إلى اللجوء للأطباء اليهود في المستعمرات اليهودية المجاورة، فكانوا عرضة للاستغلال. كما يتطرق هذا الجزء إلى دائرة الصحة في فترة الاستعمار البريطاني، ويؤكد أن حكومة الانتداب استغلت سلطتها لنهب مقدرات الشعب الفلسطيني وسعت لإنهاكه من جهة وتشجيع الهجرة اليهودية من جهة أخرى فمنحت اليهود حرية تكوين جهاز طبي مستقل بمساعدة نجمة داود الحمراء الأمريكية، وإنشاء أكثر من 25 مستشفى خصوصيا واستوعبوا مئات الأطباء الذين هاجروا من أواسط أوروبا من ألمانيا بالتحديد بينما كانت المستشفيات الحكومية تابعة لدائرة الصحة، وإليها توجه العرب للمداواة.

على الصعيد المالي وفي سياق الحديث عن الاستغلال يقول عقل إن حكومة الانتداب لم تخسر شيئا من جيبها، بل بالعكس ربحت ناهيك عن أن اليهود كان يحق لهم الحصول على المداواة في المستشفيات الحكومية مثلهم مثل العرب، كما عين أطباء يهود في المستشفيات الحكومية الخاصة بالعرب وممرضات يهوديات في المستشفى الحكومي في يافا، وحيفا، وبيت صفافا بينما لم نجد طبيبا عربيا واحدا في مستشفيات وعيادات تل أبيب. ويضيف في هذا المضمار “كان اهتمام دائرة الصحة ينصب في منع انتشار الأوبئة مثل الكوليرا والملاريا والجدري والتيفوئيد. لقد تغيرت أحوال الناس وذلك بانتشار وسائط النقل والعمران. لكن دائرة الصحة لم تعر القرى البعيدة اهتماما فلم تفتح فيها عيادات إلا ما ندر مثل ما جرى في قرية بديا القريبة من نابلس”.

الهجرة إلى فلسطين

ويشير الكتاب لهجرة عدد كبير من الألمان اليهود هربا من النازية إلى فلسطين حيث كان الطبيب الألماني مستعدا للعمل بأجر زهيد، بعضهم عمل حتى في فرع العمار والبناء وفي الزراعة. اكتفى الطبيب اليهودي الألماني بأجر بسيط، وراح ينادي في الشارع على من يرغب في حكيم مما خلق مشكلة لدى الأطباء الفلسطينيين إذ تدنت أجورهم إلى حد الفقر.

ويضيف “فضل الجمهور الطبيب الألماني على الطبيب العربي، ذلك لأن الطبيب الألماني كان متخصصا في فرع واحد من الطب: مثلا طبيب أنف وأذن وحجرة، طبيب عيون، طبيب نسائي، طبيب مجبر، طبيب عظام.. إلخ. بينما كان معظم الأطباء العرب خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت والتي كانت تسمى حتى سنة 1920 الكلية السورية الإنجيلية. لقد تخرجوا ومعهم شهادة طبيب جراح، وهي شهادة طبيب عام غير متخصص في فرع محدد. حاول الأطباء العرب مجابهة الموقف بأن عرضوا على الطبيب اليهودي العمل معا في عيادة واحدة، مثلما حدث مع الدكتور أنور الشقيري والدكتور برنر في عكا. بعضهم فتح عيادة في منطقة عربية مثل الدكتور ليهرز الذي فتح عيادة في بيسان. فلما اشتدت سواعدهم فتحوا عيادات خاصة أو عملوا في المستشفيات الخصوصية اليهودية وراحوا يجبون أسعارا باهظة. إزاء ذلك دعا أطباء حيفا عام 1933 إلى مؤتمر أسموه مؤتمر الأطباء الوطنيين. حضر المؤتمر 35 طبيبا وكان من بين المبادرين الدكتور كاستيرو الإيطالي والدكتور هوفمان الألماني، وقد طالب المؤتمر حكومة الانتداب العمل على وقف منح الرخص للأطباء اليهود المهاجرين الجدد، وتحسين ظروف الطبيب الفلسطيني، والاعتراف بشهادة الطب الصادرة من الجامعة السورية، ومنع الأطباء العاملين في دائرة الصحة من فتح عيادات خاصة بعد الظهر وأيام العطل وفي أعقاب ذلك أقيمت الجمعية الطبية في يافا”.

الجمعية الطبية العربية الفلسطينية

وأوضح أنه منذ تلك الفترة تجمد العمل الجماعي للأطباء العرب بسبب اندلاع الثورة الفلسطينية بين السنوات 1936-1939 ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة. وفي سنة 1944 دعا الدكتور توفيق كنعان والدكتور محمود طاهر الدجاني إلى مؤتمر للأطباء العرب في القدس، وقد حضر المؤتمر أطباء من القدس وحيفا ويافا ونابلس وغزة.

وحسب الكتاب نجح الأطباء العرب هذه المرة في توحيد كلمتهم، حيث شكلوا جمعية تحافظ على حقوقهم أسموها الجمعية الطبية العربية الفلسطينية، وكذا فعل الصيادلة حيث شكلوا جمعية الصيادلة العرب. وقد قدم هؤلاء مطالب لسلطة الانتداب بأن يوقف مدير الصحة العام منح الأطباء اليهود المهاجرين رخصا لمزاولة المهنة، وإرسال عدد من الأطباء العرب للاستكمال في الجامعات الأوروبية. في سنة 1947 أقيم الهلال الأحمر الفلسطيني، كما كرروا الطلب بالاعتراف بشهادة الطب الصادرة عن الجامعة السورية. وكي يقرب الصورة يورد عقل بعض الإحصائيات التي أجرتها حكومة الانتداب: في 1925 بلغ عدد الأطباء الفلسطينيين 116 طبيبا، وهم يشكلون 23% من مجموع الأطباء في فلسطين، أما في سنة 1938 فبلغ عدد الأطباء المسيحيين 149، والمسلمين 72 (معا 221) بنسبة 10%، بينما بلغ عدد الأطباء اليهود 1975 بنسبة 88.6% من مجموع الأطباء المرخص لهم، والباقي إنكليز.

تراجم الأطباء في فلسطين

في الجزأين الثاني والثالث من المعجم ترد تراجم للأطباء الفلسطينيين مرتبة حسب الألفباء بدءا باسم العائلة ثم الاسم الشخصي، في كل ترجمة ما تيسر من معلومات عن الطبيب: سنة ولادته، الجامعة التي تخرج منها، رقم رخصة مزاولة مهنة الطب، أماكن عمله وتنقلاته، ونشاطاته المهنية والعلمية والأدبية، ومقالاته أو كتبه إذا وجدت، وذيلت بالمصادر ليتسنى للقارئ العودة لها.

وبلغ عدد المترجم لهم 562 ما بين طبيب وصيدلي، منهم 510 من العرب، 17 من الأرمن والباقون ينتمون إلى جنسيات مختلفة لها علاقة مباشرة بالطب في فلسطين مثل مدير الصحة العام البريطاني الكولونيل جورج هيرون. وكان بين الأطباء الفلسطينيين من تخصصوا في فرع الجراحة في الجامعات الأوروبية، منهم الطبيب اللبناني الدكتور نايف حمزة الذي تخرج من الجامعة الأمريكية، واستكمل في بريطانيا وعمل في قسم الجراحة في المستشفى الحكومي في حيفا ونال شهرة عالية لدرجة أن الناس أطلقوا على المستشفى المذكور اسم مستشفى الدكتور حمزة.

طبيب الفقراء

ويشير الكتاب إلى أن قسما من الأطباء الفلسطينيين عمل في دائرة الصحة، وفي ساعات المساء وأيام العطل في عيادتهم بينما القسم الآخر افتتح عيادة في إحدى المدن الرئيسية. ويقول عقل في كتابه: في تلك المدن عاش فقراء ومساكين لا يملكون أجر المداواة وثمن الدواء فقام الأطباء بتعيين يوم واحد لمعالجتهم بالمجان، وأحيانا اشتروا لهم الدواء، منهم الدكتور محمد توفيق حتحت الذي لقب بطبيب الفقراء والمساكين وكان أبوه تاجرا كبيرا ومن أثرياء غزة.

وعالج الأطباء الفلسطينيون مثل الدكتور فؤاد دعدس الذي عمل في طولكرم، والدكتور حمدي التاجي الفاروقي (يافا) والدكتور صدقي ملحس والدكتور أحمد الطاهر (نابلس) والدكتور أديب خرطبيل من طبرية وزوجته وديعة خرطبيل الناشطة النسوية التي اختيرت فيما بعد رئيسة للاتحاد النسائي الفلسطيني، وغيرهم عالجوا جرحى الثورة الفلسطينية الكبرى في سنوات 1936-1939، وذلك رغم الرقابة الصارمة. كذلك الدكتور داود صالح الحسيني ابن يافا اجتمع بالقائد العام للثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 عبد الرحيم الحاج محمد في الجبال القريبة من طولكرم، ونقل بسيارته الخصوصية أسلحة وسلمها للقائد عارف عبد الرازق (الطيبة) وبذلك جازف بنفسه.

وفي الحرب التي بدأت بعد قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947 بين العرب واليهود ضمد الأطباء جراح المناضلين في يافا حيث بذل الدكتور محمد زهدي الدجاني مدير مستشفى الدجاني وطاقم المستشفى من أطباء وممرضين جهودا جبارة في سبيل إنقاذ حياة الكثيرين من المناضلين. كما بذل أطباء حيفا مثل الدكتور ميشال جبارة جهودا كبيرة في إسعاف الجرحى حيث أقام في المدينة مستشفى للطوارئ.

الصيدليات العربية

وحسب الكتاب بلغ عدد الصيدليات العربية مائة وعشر صيدليات بالإضافة إلى مستودعين كبيرين للأدوية وهذا العدد قليل بالنسبة لعدد سكان فلسطين ففي فترة الانتداب قامت المصانع اليهودية بصناعة الأدوية وتصديرها إلى الدول العربية وفي سنة 1946 قام العرب بالدعوة إلى مقاطعة هذه الأدوية والمنتجات اليهودية كافة. ويقول إنه في عهد الانتداب كان الصيدلي يعد الدواء بنفسه وليس كما اليوم لذا برزت أهمية مهنته، بعض الأدوية المهمة اكتشفت في بداية الأربعينيات من القرن الماضي مثل البنسلين.

في الأرياف الفلسطينية

ويقول إنه في القرى الفلسطينية البعيدة عن المدن بقي الناس يستعملون الطب الشعبي في معالجة مرضاهم وإن ما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغييرات فرضته سُنة التقدم العلمي العالمي وفي منطقة وادي عارة من أم الفحم ومصمص إلى عارة وعرعرة وكفر قرع وبرطعة لم يكن هناك طبيب واحد. ومن بين من حاولوا إكمال دراستهم كان المرحوم محمود عبد القادر يونس أبو النظير من قرية عارة الذي دخل كلية الطب في جامعة القاهرة ونجح في السنة الأولى ولكنه لم يكمل تعليمه لأسباب لا نعرفها. اعتمد سكان وادي عارة في طبهم على الأطباء اليهود الذين يعيشون في المستعمرات اليهودية في كركور وبرديس حنا والخضيرة وعند الضرورة على مستشفى الدكتور حمزة الذي تحول اسمه إلى مستشفى رمبام.

ويوضح دكتور محمد عقل لـ”القدس العربي” أنه بذل جهودا جبارة في جمع المعلومات عن الأطباء والصيادلة بالتوجه إلى الأرشيفات، وقرأ كتب المذكرات التي كتبها بعض الأطباء مثل مذكرات الدكتور إلياس سليم سروجي (من مروج الجليل مذكرات طبيب من الناصرة)، ورجع إلى كتب التراجم، وفتش في جميع الصحف والمجلات العربية والعبرية والإنكليزية الصادرة في عهد الانتداب بحثا عن أي معلومة، وقابل عددا من كبار السن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية