القاهرة ـ «القدس العربي»: لم تزل الأساطير والعادات الشعبية المصرية قادرة على السيطرة على وعي وروح الفنان التشكيلي المصري، مهما توافدت رياح التغيير أو التغريب دون وعي، أو تقليداً لحداثة غربية ــ مُنتحلة في الغالب ــ لم يستطع إلا قِلة من الفنانين تفهمها وتطويعها وفق مفردات البيئة والطبيعة المصرية. هناك العديد من التجارب الفنية التي حاولت الاقتراب من التراث والمأثور الشعبي، إلا أن أغلبها جاء كدعاية سياحية ساذجة، تكشف مدى التعالي الذي يمارسه هذا الفنان أو ذاك، ومدى كذبه الفني لما يحاول تمثله والترويج له، حتى أن بعضهم يتصدر المشهد الفني وكأنه المتحدث الرسمي باسم التراث وأصحابه من المصريين، وبالطبع تساعده في هذا المؤسسة الثقافية الرسمية، لأنه في الأخير خادم مطيع لسياسات الدولة العليا، وعضو مدجّن في حظيرتها الثقافية.
لكن هناك أصواتا أخرى تحاول العمل في صمت وفق اعتقادها وموهبتها فقط، دون التورط في أشياء لا تمت للفن بصِلة، وبالطبع تظل أصواتاً خافتة، وإن كان فنها هو عاصمها الوحيد وسط طوفان التفاهة. من هذه الأصوات كل من الفنانين، مصطفى رمزي، وفتحي علي ورضا خليل، ذلك من خلال معارضهم التي أقيمت مؤخراً في القاهرة، والتي تنم عن موهبة ورؤية غاية في الجديّة لمفهوم التراث ودوره في حياة المصريين، بدون تقليد أو اتباع، أو حتى ابتداع أعمال تحاول استجداء عين المتلقي الغربي، والذي ــ للعلم ــ يكتشف فوراً مدى تهافتها وزيفها.
شعبيات مصطفى رمزي
اختار الفنان مصطفى رمزي ــ مواليد عام 1937 ــ اسم «شعبيات» لمعرضه الذي أقامة مؤخراً في غاليري «بيكاسو» محاولاً تجسيد الأساطير الشعبية والعادات والموروثات المصرية، وكيفية تفاعل الناس مع ومن خلال هذه الطقوس الشعبية. يبتدأ رمزي من السيرة الهلالية، وبطلها أبو زيد الهلالي، المنقوش هو وسيفه على أذرع وأيدي العديد من فلاحي مصر، سواء في الشمال أو الجنوب، هذه النقوش التي تضاءلت الآن وتداخلت وبطلها على ذراع بعض الأجداد، فشباب الوقت الراهن قد يدركون هذا الوشم أو ذاك إذا لمحوا أحد جدودهم يرفع كُم جلبابه ليتوضأ، أو عندما يقبّل الحفيد يده، وهي عادة ريفية متأصلة، لا يدركها سُكان المدن، إلا لو كانت أصولهم ريفية. ثم يعرج الرجل على طقوس الحج، متوسلاً ببعض آيات القرآن، وهو بذلك يمزج ما بين الرسم والخط العربي في ألوان مُبهجة توحي بالاحتفال. هذه الرسومات نجدها حتى الآن فوق جدران البيوت في الريف، مباهاة بأن أحد ساكنيه قد وفقه الله أخيراً وزار بيته الحرام. ورغم تطور هذه الرسومات لتظهر بها الباخرة ثم الطائرة مؤخراً، إلا أن الفنان يصر على استحضار زمن قديم، حيث كان (الجَمَل) هو وسيلة الترحال، أو هو رمز قديم معهود للوصول إلى تلك البلاد الصحراوية البعيدة. يستحضر رمزي أيضاً طقوس الزواج، حيث الطربوش والجلباب البلدي والبالطو، من دون نسيان الشارب الكبير للرجل (العريس) في مبالغة تثير الابتسام ــ كأي صورة قديمة من زمن مضى ــ بينما المرأة (العروس) تبدو في كامل زينتها وتكوينها الذي يفوق الرجل بمراحل، إضافة إلى ألوان ملابسها المُبهجة وكأنها عروسة المولد. ولا ينسى الفنان تزيين اللوحة ببعض مفردات الثقافة الشعبية، كالكَف الذي يقي من الحَسَد، وحتى يعود إلى تأصله في اللاوعي الشعبي يجعله يحمل صورة أحد الفراعنة، وهو شطط فني لا يوجد في الحقيقة.
يبدو أسلوب الفنان أقرب إلى الكاريكاتير، نظراً للمبالغة في نِسب الشخصيات، ومفردات اللوحة، وطريقة رسم الوجوه. كذلك مخالفة السائد في مثل هذه اللوحات فالفتيات على سبيل المثال يستعرض قدراتهن في الرقص بالسيف ــ سيف أبو زيد ــ وكأن الرجال وإن اكتفوا بتركه وشماً، فالمرأة جديرة بأن تحمله في العديد من اللوحات. البساطة هي النغمة التي ينطلق منها مصطفى رمزي، بساطة واعية، بلا تعقيد أو تعالي، قريبة من وعي المتلقي وذاكرته البصرية، لكنها في الوقت نفسه قادرة على إثارة دهشته الدائمة.
تعايُش
وهو اسم المعرض المشترك للفنانين فتحي علي ورضا خليل، والمقام حالياً في غاليري «آرت كورنر». وهو ليس المعرض المشترك الأول لهما. ورغم تباين التجربتين تقنية وأسلوباً، إلا أنهما يشتركان في الرؤية الفنية والجمالية نفسها، فأبطال أعمالهما دوماً يبدون شخوصاً مهمومة، وبعيدة عن المألوف، قد نراها أو نطالعها في الموالد والأزقة الشعبية، أو في ألعاب البهلوانات في هذه الأماكن، إضافة إلى حِس مأسوي يبدو كإطار عام للأعمال ككل.
مخلوقات فتحي علي
ينحاز الفنان فتحي على إلى البورتريه في أغلب لوحاته، ويتمثل شخوصاً معروفة في الوعي الشعبي، كالولي والمتصوف الأقرب إلى المجذوب، وهؤلاء نجدهم بكثرة في رحاب جامع السيدة زينب والحسين. هذا العجوز صاحب العمامة الخضراء والمسابح الطويلة المُعلّقة في رقبته، وهذه الابتسامة التي تدل على الزهد والكثير من معرفة، إلا أنها ليست ابتسامة الأبله، ولكنها ابتسامة العارف لا المُستسلِم، لذا نلحظ بعض من ذكاء واستهانة بما يشغل الأغلبية من الناس. ومن الرجل الذي على باب الله إلى النقيض .. البلياتشو أو المهرج. ورغم الخط الواهي بينهما، إلا أن الأخير يبدو دائماً صاحب الوجهين، فرغم أنه يثير الضحك، ويمتلك وسائل الإبهار، إلا أنه لا يمكن الوثوق به، فهو يضحك ويبكي ويجيد العزف على عدة آلات موسيقية في الوقت نفسه، فهو خلف مساحيقه هذه يجيد لعب جميع الأدوار، إلا أنك لا تستطيع أبداً معرفة حقيقته. نرى كذلك أجواء الريف المصري كالمرأة الجالسة أمام الفرن البلدي، أو بعض بائعي الأغنام وهم يلتقطون أنفاسهم قبل مواصلة السير في شوارع المدن مستعرضين بضاعتهم.
الألوان المائية هي المادة التي يستخدمها الفنان في لوحاته، وهي غاية في الصعوبة، خاصة وهو يظهر الكثير من التفاصيل في اللوحة، إضافة إلى التنوع اللوني والتكوين في ما بين خلفيات اللوحات وشخوصها.
عوالم رضا خليل
لا يستكين الفنان رضا خليل إلى شخصية واحدة تتواصل من خلالها تجربته الفنية، أو الحالة الفنية التي أرادها، فدائماً هناك مجموعات من الشخوص، وفي حالة فعل دائم أقرب إلى الدراما. كذلك تبدو الألوان من الوهلة الأولى أنها مألوفة من حيث الشخوص والبيئة، إلا أنها تختلق بدورها عالماً غير مألوف ومثيرا للقلق، أقرب إلى المدرسة التعبيرية، إضافة إلى إضاءة اللوحة وتكوينها.
ففي لوحة بائع الورد «تاجر السعادة» تبدو المفارقة في العجوز الجالس وحيداً، بينما تحيطه الأزهار من كل جانب، فهو وإن كان يبيع ما يخلق حالة من حالات السعادة، إلا أنه بدوره يبدو بعيداً عنها. هناك تأس واضح في جلسة الرجل وملامحه، وهي حالة رومانتيكية معهودة عند معالجة هذه الشخصيات، وهي في الأغلب تخضع لرؤية الفنان فقط، دون أصحاب هذه المهن.
ثلاثة شخوص وشاهد قبر. بجوار أحد القبور يجلس المُقرئ غارقاً في التراتيل، بينما يغرق أصحاب المتوفى في أحزانهم. صورة معهودة تماماً، لكن إضاءة اللوحة وتكوينها، وشاهد القبر الدال على حضور صاحبه بقوة في المشهد، يجسد الحالة المعهودة ويتعداها إلى التأمل واكتشافها من جديد. ومن أجواء المقبرة إلى مرتعبي وباء فيروس كورونا، حيث الكمّامات تعلو الوجوه، ونظرات الفزع هي الباقية، ألوان خضراء داكنة ورمادية تغطي الجميع، كحلم مُفزع يحاولون الاستيقاظ منه بلا جدوى. ويأتي تكوينهم ككتلة واحدة في مقدمة الكادر، تاركين مساحات واسعة في الخلفية، لتبدو المدينة باهتة ومهجورة، وكأن الشخوص تقترب من المتلقي وتكاد تلاحقه، فلا مفر من محنتهم، ولا مفر من إطار اللوحة، الذي يصبح بدوره إطاراً لما نعيشه نحن أيضاً.