معرضا «وجوه ومقاهي» و«جذور»: الطقسي واليومي في حياة المصريين

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تتباين مفردات الحياة في مصر وفق البيئة، التي تضم العديد من الجماعات المتنوعة، فالشعب المصري ليس كتلة واحدة متشابهة يمكن الحديث عنها بثقة واطمئنان، كما يفعل البعض، بداية من الشمال والجنوب، والساحل والصحراء، والمدينة والريف. وسيظل الفن بشكل عام يقدم حيوات هؤلاء الشخوص، وفق سياق البيئة التي يعيشونها، يؤثرون فيها ويتأثرون بها بالطبع. ويبدو الفن التشكيلي هو الفن الذي يتعامل مباشرة مع الحياة المصرية، من خلال اللوحة، بغض النظر عن موجات التغريب والتجريب، التي تُنتج أعمالاً تبدو وكأنها معلقة في الفراغ، ولا تنم من قريب أو بعيد عن روح وطبيعة هذا الشعب. ولا يعني ذلك أن يكون الفن موجهاً أو مباشراً، فيصبح إلى الدعاية الفجة أقرب.
ومن التجارب اللافتة، والتي تزامنت بالمصادفة، تجربة الفنان عمر الفيومي في معرضه «وجوه ومقاهي» المقام في غاليري (بيكاسو) وكذلك معرض الفنان عمر عبد الظاهر، والمعنون بـ»جذور» المقام في غاليري (سفر خان) في القاهرة.

عن المقهى ووجوه الفيوم

لا يمل عمر الفيومي من تكرار ثيمات بعينها في العديد من المعارض التي أقامها مؤخراً ـ دون استثناء معرضه الحالي ـ حتى إن المتلقي يشعر بأن الرجل يُعيد رسم وإنتاج لوحاته، ومع تغيير بعض التفاصيل الصغيرة يتم تجميع عدد من اللوحات، ثم إطلاق معرض جديد!
وبعيداً عن هذا التكرار الذي أصبح معهودا ومعروفا سلفاً، نجد الفنان يستحضر دوماً عالم مدينة القاهرة، وبالأخص منطقة وسط البلد الشهيرة، وقد اختار (المقهى) موضوعاً للعديد من لوحاته. والمقهى في المدينة عالم متكامل، يضم العديد من الشخوص، الأصدقاء والغرباء، حتى إن المقاهي تُعرف من خلال روادها، والغريب والزائر العارض يمكن معرفته للوهلة الأولى.
يختار الفيومي مقاهي بعينها في وسط المدينة، أو الشهيرة بـ(مقاهي المثقفين) ربما أشهرها (مقهى الحرية) ومن خلال بعض التفاصيل الصغيرة يمكن اكتشاف المقهى، ومن خلال جلسات البعض في أماكن بعينها، يمكننا أيضاً الاستدلال على الشخوص أنفسهم.
في المقهى يصنع الفيومي كرنفالاً لا ينتهي، ووفقاً لحالة الرواد، وبعد تناول عدة كؤوس، لنا أن نصدق ببساطة ونبتسم من استدعاء السماء إلى داخل المقهى، بل إن المكان تظلله الملائكة، حتى إن أحد الملائكة يقوم بدور النادل بالنسبة للرواد.

ريشة الفنان عمر الفيومي

يجسد الفيومي أيضاً من خلال جلسات رواد المقهى المختلفة ـ توجد لوحة تضم هذه الجلسات ــ حالات هؤلاء وعلاقاتهم ببعضهم بعضا، فرغم أن المكان بطبيعته يُعد المكان الأمثل للتجمعات والصداقات، إلا أنك من السهل أن تكتشف حالات العزلة التي يعانيها البعض، إضافة إلى عالم المقهى، فالفنان لا يختلقه في فراغ، بل يضم إليه بعضا من تفاصيل المدينة، يبدو ذلك في خلفية اللوحة، حيث البيوت القديمة، وشرفاتها المرتفعة، وبعض من سكانها.

الوجوه

أطلق الفيومي على معرضه اسم (وجوه ومقاهي) وأفرد عدة لوحات لبعض الوجوه، التي أيضاً تأتي تكراراً للوحات وتجارب سابقة، حيث تقترب هذه الوجوه كثيراً بما يُعرف بـ (وجوه الفيوم) وهذه الملامح التي تقترب من الأيقونات القبطية، فما الإضافة من رسم هذه البورتريهات، وما التجديد الجمالي ـ ولو على سبيل المعارضة ـ للوحات الأصلية التي تتفوق على هذه التجارب الباهتة والمنحولة؟

جذور

ونأتي إلى معرض الفنان عمر عبد الظاهر، الذي يتخذ من البيئة المصرية في الجنوب موضوعاً للوحاته، والفنان سواء من خلال هذا المعرض أو معارضه السابقة، لا يحيد عن الحِس الشعبي المصري وطقوس فلاحي الجنوب، فنرى الرجل والمرأة وسط هذه البيئة، وكذا الحيوانات المستأنسة التي تساعد في تشكيل هذا العالم، هنا تبدو حالة التناغم مع الطبيعة ومخلوقاتها، الأشجار، النيل، الزراعة، الصيد، صنع الخبز في المنزل الريفي، الباعة في السوق ـ وهو المختلف تماماً عن السوق في المدينة ـ كذلك طقوس الأفراح وما شابه، دون نسيان تسجيل بعض العبارات على الجدران، وهو الشائع في هذه البيئة، كالاحتفاء برحلة الحج على سبيل المثال، لكنها تصبح بعضا من عبارات الغزل، وكأنها حالة أو احتفال لا ينتهي.

ريشة الفنان عمر عبد الظاهر

المصري القديم

ويحاول الفنان أن يخلق حالة من التواصل بين شخوصه وتاريخها الضارب في القِدم، رغم ظهور البعض في ملابس عصرية، إلا أن وضعية الجسد، وتوزيع الشخوص وأكسسواراتها في اللوحة يقترب كثيراً من رسوم جداريات المعابد المصرية، تأتي هذه التكوينات دون تكلف أو اصطناع.

الألوان

ولا يخرج الفنان في تكويناته اللونية عن ألوان الطبيعة التي تحيط شخصياته، فالملابس تتنوع ألوانها مع ألوان البيئة، الزرع والنيل والصحراء.. الأخضر والأزرق والأصفر، إضافة إلى بعض تركيبات لونية تتشابه وألوان المصري القديم. وفي الأخير تبدو المقابلة بين عالم المدينة الكبيرة وعالم الجنوب أشبه بالحكايات الكثيرة التي نطالعها في الأدب من خلال القصص والروايات، وتكشف مدى التباين الذي يرسم صورة أقرب للشعب المصري.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية