معرض «أحوال» للمصري عماد رزق: الحياة كرحلة تصوّف

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة «القدس العربي»: يعيش الإنسان المصري حياة تجمع الكثير من التناقضات سياسياً واقتصادياً ودينياً، وقد يتغاضى رغماً عنه عن السياسي والاقتصادي، وربما هو تغاضٍ مزمن ارتبط بوجوده على أرض مصر، ولكن التناقض الصارخ يأتي على مستوى الدين، وهو بذلك انتهج نهج التدين الشعبي البعيد عن التعصب ورفض الآخر، فالله في النهاية رحمن رحيم، ولعل المقولة الشعبية المصرية، تلخص الأمر بعيداً عن تعقيدات مذهبية وفقهية مستوردة من الصحراء، فـ»موسى نبي وعيسى نبي، ومحمد نبي، وكل مَن له نبي يُصلي عليه». فهناك في النهاية ربّ للجميع، ينتظرون عدالته، التي وإن لم تتحقق في الحياة الدنيا، فهي بكل يقين ستتحقق في الآخرة، التي هي خير وأبقى.
تحت عنوان (أحوال) أقام مؤخراً الفنان عماد شفيق رزق معرضه في قاعة (صلاح طاهر) في دار الأوبرا المصرية في القاهرة. ومن العنوان الذي يخص حالات الصوفية، أو حالات الحِس الصوفي ينسج الفنان عالم لوحاته، الذي يُعبّر من خلاله عن هذه الأحوال أو المقامات، دون أن يفصلها عن الواقع، أو يُغيّبها عن المُعاش على الأرض، فهذه الأحوال في النهاية تنبع من التجربة الحياتية للمصريين، وهي في الأخير فكرة رومانتيكية عن الشعب الذي لوّثه الغباء السياسي لحكامه لعقود مضت، ولكن للرجل الحق في التمسك بجوهر الإنسان المصري، الذي قد يختبئ، ولكنه يظهر على حقيقته من حيث لا نتوقع.

الواقع

تتنوع اللوحات بين مجموعتين أولهما الحواري والشوارع في الأحياء العريقة لمصر الإسلامية قلب القاهرة التي يتم محوها الآن وهي أماكن بطبيعتها قريبة من مقامات الأولياء، وهنا تظهر فكرة التديّن الشعبي التي يعيش من خلالها المصريون، شواع عتيقة ومهن عتيقة، رجال وأطفال ونساء، وفي لفتة ذكية نرى النساء دون حجاب، وكأن الفنان يعود إلى الروح المصرية الذي كان، هنا لا تصبح لتفاصيل الوجوه قيمة، فجميع مَن ينتمون لهذه الفئة متشابهون في حياتهم وهمومهم اليومية، حيث حكايات البيع والشراء، وأنواع السلع، وكذا جغرافية المكان وتفاصيله.

الفن

بينما المجموعة الأولى من اللوحات تتمثل الواقع وتفاصيله، تأتي المجموعة الثانية لتسمو بهذا الواقع، أو تنتقل به إلى (حال) آخر، وهو ما يتخذ من فناني التنورة ورقصات الصوفيين، حتى تكتمل الدائرة دائرة الحياة وسيلة أخرى للتواصل مع المطلق، ومن التنورة التي هي فن مصري صرف، ورقصات الدراويش الشبيهة بالأتراك الصورة الذهنية القريبة لرقصات المتصوّفة يمكن ملاحظة ومشاركة تصاعد هذه الحالة، من أفعال وتفاصيل يومية، وصولاً إلى الأمل في الصعود إلى السماء.

الأسلوب واللون

تراوح الأسلوب الفني في اللوحات ما بين التعبيرية والتأثيرية، للإيحاء بالحالة واختلافاتها من اليومي وصولاً إلى الفني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إلى جانب الأسلوب نفسه في جميع اللوحات يأتي اللون، ليؤكد الصلة بين العالمين، وأنه لا اختلاف مطلقاً، رغم ما يبدو في الظاهر من اختلاف الأجواء، حيث سيطرت الألوان الحارة، كالأحمر ومشتقاته، وهو ما يؤكد مدى التفاعل والرغبة، والقليل من الأزرق، وكأنه يمثل حالة الهدوء المرجوّة في النهاية، ولكنها رحلة شاقة لا تهدأ، ما بين فكرة الرقص المستمر في دائرة، وفكرة السعي في الحياة، فلا فارق ولا عزلة، فالتجربة هي الأساس، بغض النظر عن تنظيرات وأقوال فلسفية، من هنا كان الربط أسلوباً ولوناً بين التجربة المُعاشة والمصير المأمول.. ربما.
ورغم عمق الفكرة والنزول بها إلى أرض الواقع أو الصعود بها إلى السماء، إلا أن الفنان لم ينتهج تغريباً، أو هرولة وراء تهويمات الأشكال الصوفية المنحولة في أكثرها، وإن جاز التعبير فهي صوفية شعبية نراها في الموالد وتجمعات الذِكر والإنشاد الديني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية