القاهرة ـ «القدس العربي»: أقيم مؤخراً في غاليري بيكاسو في العاصمة المصرية معرض بعنوان «أمواج» للفنان الأردني خالد الحمزة ـ مواليد عام 1955 ـ تجربة الحمزة طويلة ومتنوعة الخبرات، وباحثة دوماً عن التجديد وعدم الامتثال أو السكون إلى تكرار أسلوبي أو جمالي محدد، إضافة إلى تقديمه العديد من الدراسات والترجمات في الفن التشكيلي. عدم الاكتفاء برؤية وتجربة فنية واحدة هو ما جعل لوحاته تعكس دوماً حالة من الحركة ـ فكرية بالأساس ـ ما جعلها تتجلى في أعماله الفنية في بساطة وعمق جرّاء وعي حاد، يتحقق من خلال الوسيط الفني الذي يعمل من خلاله.
التجريد والواقع
الملاحظة الأولى على اللوحات هي عدم الانجراف إلى تهويمات تجريدية مغلقة، تماشياً مع الموضة، بل هي تجريد مُعقلن يقع على تخوم الواقعي، أو ما يُفترض بدوره أن يكون واقعياً. هنا تبدو الشخوص في حالة من التناغم مع الطبيعة بكل ألوانها.. طيورا، أشجارا، حيوانات، ما يشكل جسداً واحداً إن جاز التعبير، فضلاً عن حالة دائمة من الحركة والتحول وعدم الاستقرار بين الشخوص والأشكال، فلا يُعرف أيهما جزء من الآخر، الإنسان أم الطبيعة، وفي ظل التحولات الدائمة هذه، يمكن أن يتحول كل منهما إلى الآخر. محاولة الاتحاد الكوني هذه يتم التعبير عنها في بساطة، ودون مرجعيات بصرية مألوفة تجسد مثل هذه الرؤية، فلا نجد الدراويش المعهودين وصلاتهم الدائرية، حالة التصوف هنا ـ التصوف الفكري والفني ـ يمكن الاستعاضة عنها من خلال حركة دائرية تسبح فيها الشخوص مع الكائنات الآخرى في تناغم حر، يخرج بهم عن إطار المكان والزمان، فيتجسد عالما خياليا، مفرداته ألوان وتكوين من الواقع.

الوحدة والتناقض
سمة أخرى من سمات البحث عن الكمال الكوني تتحقق على مستوى التقنية، فيُراوح الفنان ما بين السطوح الملساء والخشنة، التي تتبادل ما بين الشخوص والمخلوقات والأشياء، ومنها يمكن الشعور بصعوبات روحية تصيب التجربة، وأنها لم تكن بالدرجة المتوقعة من السهولة أو البساطة ـ مغامرة مستمرة ـ فهناك صراع دائم وخفي ـ نفسي في المقام الأول ـ تحاول هذه الشخوص تجاوزه، وتجاهد في الخروج منه منتصره على ذاتها، بأن تتحول هذه الخشونة، على سبيل المثال، إلى سطوح ملساء في لوحة أخرى، وكأنها حالة من حالات مجاهدة النفس، يتمثلها التدرج في الشعور والوعي. هناك مساحات لونية شاسعة، تبدو في بعض اللوحات متجاوزة لإطار اللوحة، وما الإطار إلا حد وهمي يختلقه الإنسان لحياته وتجربته، لكن الأمر لا يبدو كذلك في الحقيقة، وتتمثل حالات متواترة من الصعوبات والأمل في التجاوز، وصولاً إلى حالة التناغم الدائم. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، وربما تتمثل عظمة الإنسان في محاولاته المستمرة للحفاظ على هذه الحالة، حالة التكرار أو الأمواج التي لا تنتهي.
ووفق هذا المنطق أو الرؤية، نجد تكراراً لبعض الأشكال أو الأجساد، بعضها في حالة رقص، والآخر يحاول اللحاق بشيء، كما أن التكوينات نفسها توحي برسومات شخوص الكهوف، وكأنها العودة إلى بدائية نقية كانت محاولة توحدها مع الطبيعة هي ملاذها الآمن الوحيد.
٭ ٭ ٭
خالد الحمزة.. حاصل على دكتوراه في تاريخ الفن والعمارة من جامعة أوهايو الأمريكية عام 1993، وعميد كلية الفنون الجميلة السابق في جامعة اليرموك. أقام العديد من المعارض الفردية في دول عربية وأوروبية. كما أصدر عدة مؤلفات مهمة، منها.. هذا هو الفن، الفن والزمن، الدعاية للفن والدعاية الانتخابية، وقف قنصوه الغوري ومؤسساته في القاهرة، وجهات غربية حديثة في تاريخ الفن، وصورة المدينة في التصوير العربي الحديث.