تأتي الدورة الحادية والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، مُحمّلة بعدة أفكار تجمع بين التاريخي والجغرافي، حيث يبرز الجانب الأهم في استغلال الثقافة كظهير أساسي لمعالجة المشكلات المزمنة، فقد فطن القائمون على الملف الثقافي إلى أهمية تفعيل الثقافة كمرطب للعلاقات بين دول الجوار داخل المحيط الافريقي، باعتبار مصر جزءًا أصيلاً في حركة التنوير وداعماً قوياً للعنصر الثقافي في القارة السمراء، ومن ثم كان من الضروري تضمين بعض المحاور التي تترجم التقارب الفكري بين الشعوب الافريقية في الدورة الجديدة للمعرض، الذي يستضيف هذا العام دولة السنغال، ضيف شرف، وهو ما يعكس حتمية الربط بين الثقافة والجغرافيا، في ضوء هذا التوجه، لاسيما أن الشعار المرفوع هو ثقافة التنوع، انطلاقاً من وحدة الموقع والمد التاريخي والمعرفي بين أبناء القارة الواحدة.
وقد استدعيت بموجب التوظيف الجغرافي للثقافة أو التوظيف الثقافي للجغرافيا إسهامات العالم الجغرافي جمال حمدان لتكون مسوغاً وسياجاً لعملية التثقيف وآليات التفعيل، المدروسة بمنهجية لا تخرج عن استثمار البعدين الرئيسيين، الجغرافي والثقافي، لتجنب الأزمات وتقريب وجهات النظر، للحيلولة دون حدوث خلافات حول ما يُستجد من ملفات سياسية وقضايا بالغة الأهمية والتأثير بالنسبة لدول حوض النيل. ويعد الاستثمار الثقافي في المنطقة الافريقية خطوة جديدة ونوعية، تختلف في نتائجها عن المساعي التقليدية، حيث لا يكون الحوار فيها مباشرا، وإنما يأتي التفاهم على خلفية التناغم بين المشتركات الثقافية، وما تجتمع عليه الشعوب مهتدية ببوصلة الثقافة والتنوير، والبحث في مكامن الأزمنة والتواريخ عن التوافق في المزاج العام بين المثقفين والسياسيين وعوام الناس.
ويعد الاستثمار الثقافي في المنطقة الافريقية خطوة جديدة ونوعية، تختلف في نتائجها عن المساعي التقليدية، حيث لا يكون الحوار فيها مباشرا، وإنما يأتي التفاهم على خلفية التناغم بين المشتركات الثقافية
وتماشياً مع الملامح السياسية والتاريخية والجغرافية للدورة 51 للعرس الثقافي الكبير في قاهرة المُعز، تتجه الترتيبات الأولية للحدث الذي بدأ في 23 يناير/كانون الثاني وينتهي في الرابع من فبراير/شباط ، إلى تثبيت الهوية الافريقية، ضمن مُسلمات الانتماء، لتصبح موازية للانتماء العربي كنوع من التجانس الطبيعي بين ثقافتين، تحتملان الدمج والتطوير، وتصلحان لمواجهة المتغيرات والتحديات، وهو ما يعتبر رهانا آخر على وحدة الجغرافيا، لضمان التماسك الإقليمي، وتأكيد صلة الثقافة المصرية به كعضد ودعم، ومن هنا يصبح من السهل قراءة المشهد الثقافي السياسي المشترك، وأسباب التوجه للقبلة الافريقية في المعرض الدولي للكتاب.
وقد شجع الانفتاح على الثقافة الافريقية العديد من الدول على المشاركة، فتزايد العدد ليصل إلى 38 دولة، بزيادة 3 دول عن العام الماضي، مُمثلة في 398 دار نشر، يتعدد نشاطها ما بين إصدار الكتب الدينية والتراثية وأدب الأطفال، بخلاف41 مكتبة إضافية لبيع الكتب القديمة في سور الأزبكية، وهو واحد من الأسواق المهمة في حركة البيع والشراء والرواج الثقافي والمعرفي، ناهيك من دور النشر الإلكترونية والصــــوتية، ويبلغ مُجملها نحو 7 دور تهتم بنشر الثقافات النوعية، كإصـــدارات تعـــلم الطـــهي ومحو الأميـــة ومبـــادئ اللغات الأجنبــــية والشعر وغيرها من مصنفات الكتابة والإبداع.
ومما يؤكد التوازي بين الثقافة العربية والافريقية، الحضور القوي لدور النشر العربية بنسبة تشير إلى تزايد المعدلات، فهناك 256 دار نشر عربية، تتسابق في ما بينها على تصدير وبيع المنتج الثقافي العربي، ما يُعزز من قيمة وأهمية الكتاب العربي، كمنافس رئيسي داخل أسواق المعرض، التي تحتوي على 808 أجنحة بواقع 900 دار نشر وزيادة 86 جناحا عن الدورة الذهبية في العام الماضي، التي بدأ منها نقل الفعاليات الثقافية إلى أرض المعارض بالتجمع الخامس، وهي الأزمة التي كان يُخشى على معرض الكتاب منها لبُعد المسافة وصعوبة انتقال الرواد إلى المنطقة شبة النائية.
٭ كاتب من مصر