معرض الكتاب الدولي في القاهرة: ذكريات ـ 2

■ اليوم بعيدا عن المقهي الثقافي لكن في صالة الندوات الكبرى أو في لقاء المثقفين مع مبارك. نبدأ باليوم الذي تقرر فيه تكفــــير وقتل المفكـــر فرج فودة. كانت هناك مناظرة ضمن فعاليات معرض الكتاب في عام 1992، تحت عنوان «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، كان فرج فودة، ومحمد أحمد خلف الله، في مواجهة محمد الغزالي، الأزهري عضو جماعة الإخوان السابق، ومأمون الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان وقتها، ومحمد عمارة الذي بدأ حياته يساريا ينشر بحوثه في مجلة «الطليعة» اليسارية المصرية وتحول تحولا كبيرا إلى اليمين..
قبل اللقاء كان فرج فودة جالسا معي في المقهى الملحق بخيمة المقهى الثقافي. كان متحمسا جدا للمناظرة التي ستكون مبارزة حقيقة. كنت أخشى أن ينتهي الأمر بكارثة بسبب الحشود الإسلامية والسلفية التي ملأت الشارع أمام قاعة الندوات الكبرى. لقد حدث أن هيئة الكتاب وضعت مكبرات صوت ليصل صوت المشاركين في الندوة إلى الحشود في الخارج، وكان مشهد الحشود مخيفا. كان فرج فودة شجاعا وذهب إلى اللقاء بسرعة شاب ولم أحضر أنا اللقاء، وبقيت في المقهى الثقافي أمارس عملي حتى انتهي اللقاء، ورأيت عمال الهيئة يقومون بتنظيف المكان الذي كان ممتلئا في الشارع بالإسلاميين، مما أكلوه أو شربوه وكانوا قد اختفوا تماما في سرعة وصمت، فعرفت أن الهزيمة تحققت للإسلاميين وجعلتهم يخرجون في غضب وسرعة اليائس. ولم يمر يومان وعرفنا بنبأ تكفيره الذي انتهى إلى مقتله بعد ذلك. ندوة واحدة لم يتحملوها. كان هذا هو أسوأ ما جرى في المعرض عبر خمسين سنة، رغم أهمية المناظرة.
أعود إلى لقاءات حسني مبارك. كانت هذه اللقاءات غنية جدا بالحوار والآراء، لكن إعلام صفوت الشريف لم يكن يذيع اللقاء كاملا. كان يتم تسجيل اللقاء ثم يذيعون منه في المساء نصف ساعة لا أكثر، وكلها مطالب عادية لبعض المثقفين وافق عليها الرئيس، موافقة تزيد من قيمة الرئيس، مثل موافقته على وقف الحكم بالحبس على الكاتب علاء حامد بسبب رواية «مسافة في عقل رجل» والحاج مدبولي أشهر ناشر لتوزيعها وصاحب المطبعة الكاتب فتحي فضل.

الحكاية الأولى مع مبارك، التي أحب أن أحكيها هنا كانت مع يوسف إدريس. كان ذلك عام 1991، كنت متعودا مع إبراهيم أصلان ومحمد البساطي أن نجلس في الصفوف الأخيرة حتى ننام أو نتكلم براحتنا. في ذلك العام وأنا أدخل الصالة ـ كان دخولنا قبل وصول الرئيس بساعة، حتى يتفقد المعرض ولدواعي أمنية طبعا ـ ناداني المرحوم سيد حامد النساج، وكان جالسا في الصف الثالث. كان إلى جواره مقعد فارغ وكان يريدني في أمر ما. حدثني في أشياء لدقائق ورأيت يوسف إدريس داخلا. وقف بالباب ينظر إلى الصف الأول في غضب. كانت المقاعد ممتلئة بالوزراء. أدركت سبب غضبه، فتحركت إليه طالبا أن يجلس مكاني. رفض فقلت له أنا حاجز لك المكان وأقسمت له، وقلت له أنت تعرف إنني متعود على الجلوس بعيدا. المهم أقنعته وجلس. جاء مبارك وبدأ اللقاء فوقف يوسف إدريس يقول أريد الكلام أولا، فأذن له مبارك. قال يوسف إدريس نحن نراك مرة واحدة في العام وهؤلاء الوزراء يرونك كل أسبوع، وربما كل يوم، فلماذا يأتون في يومنا ويجلسون في الصف الأول. العام المقبل إما أن لا يأتوا أو يجلسوا في الصف الأخير. ودوت القاعة بالتصفيق.

كان فرج فودة شجاعا وذهب إلى اللقاء بسرعة شاب ولم أحضر أنا اللقاء، وبقيت في المقهى الثقافي أمارس عملي حتى انتهي اللقاء.

الحكاية الثانية كانت عام 2006 في قصر العروبة يوم افتتاح المعرض، وليس في المعرض نفسه وكانت مع المفكر الماركسي محمد سيد أحمد. كان مبارك معتادا أن يطلب السؤال منه قائلا: «قوم يا دكتور محمد قل لنا السؤال الصعب». وكان مبارك يبتسم دائما ولا يجيب إلا بكلمة «حاقعد معاك لوحدك ونناقش الموضوع» كان هذا يتكرر كل عام تقريبا لكن محمد سيد أحمد الماركسي ابن العائلة البورجوازية المثقف والمتعلم، كان يخجل أن يرد طلب الرئيس في الكلام. محمد سيد أحمد لمن لا يعرف أحد أقطاب الحركة الشيوعية المصرية، رغم أنه ابن باشا، وكان يكتب مقالا أسبوعيا في جريدة «الأهالي» لسان حال حزب التجمع الوطني. كانت لغته صعبة جدا، وكنا ندرك أن هذه الصعوبة في استخدام المصطلحات السياسية سبب أن يقول له مبارك ذلك ونبتسم. في ذلك اليوم توخي محمد سيد أحمد البساطة المتناهية فقال له» يا سيادة الرئيس كانت هناك من قبل قوتان في السياسة في العالم. الاتحاد السوفييتي وأمريكا. الآن هناك قوتان في الاقتصاد هما الشمال والجنوب. الشمال غني والجنوب فقير. وفي مصر هناك شمال غني وجنوب فقير، وكان يشرح ذلك بسهولة جدا جدا لأول مرة، حتى أن مبارك كان يبتسم لدهشته من البساطة التي لم يتعودها منه، ثم كان الطلب في نهاية السؤال «نريد يا سيادة الرئيس أن نقرب اقتصاديا بين الشمال والجنوب في مصر» لم يكن هناك أسهل من فهم السؤال هذه المرة، وانتظرنا رد مبارك الذي لم يطلب منه الانتظار للقاء خاص، فالسؤال سهل. نظر مبارك إلى رئيس الوزراء الجالس جواره وكان عاطف عبيد وقال له «يا عاطف. إعمل لهم أسانسير» ودوى الضحك وجلس محمد سيد أحمد ساكتا في غيظ.

الحكاية الثالثة كانت فيها ليبيا ذلك الوقت قد جعلت شرطا لدخولها أن يكون مع المصري ألف دولار. لا أذكر من طلب من مبارك أن يطلب من القذافي أن يجعل دخول المصريين بلا شرط مالي فقال له «ما تشغلش بالك المصريين بيتصرفوا. فيه ناس واقفة جنب الحدود من ناحيتنا بيدوا المصري الداخل ليبيا ألف دولار ويكتّبوه إيصال أمانة ويدخل ويلف وييجي من السلك يديهم الألف دولار وعليها خمسين ويكمل سكته في ليبيا». وكان هذا حقيقيا. أما أنا ومبارك ففي عام 1979 اختيرت روايتي «لا أحد ينام في الإسكندرية» كأحسن رواية في العام. كان من يتم اختيار كتابه يتوجه لمصافحة مبارك، وتقدم إليه هيئة الكتاب ووزراة الثقافة شهادة تقدير. ذلك العام كان معي الشاعر وعالم الأحياء أحمد مستجير مصطفى جلست جواره هذه المرة وبيننا الصحافي والكاتب سمير غريب. سألني سمير ضاحكا كيف ستصافح الرئيس بدون كرافتة، البروتوكول لازم كرافته. قلت له لا أحبها. قال لي الأفضل طبعا لو كانت معك. وإذا بأحمد مستجير يقول لي إن الكرافتة التي معه يحملها استك حول عنقه يمكن أن تضعها حول عنقك بدون حاجة لفك ورباط، وان اسمه بعدي بثلاثة أسماء أكون خلالها وصلت وجلست وأعيدها إليه. أخذتها ووضعتها حول عنقي وصعدت وصافحت الرئيس وعدت وفي الطريق نادوا على أحمد مستجير مباشرة خلفي. وقف وتوجه بدون كرافتة فوقفت أمامه وخلعت الكرافته ووضعتها حول عنقه ودوت القاعة بالضحك. ويكفي هذا حتى معرض الكتاب المقبل إذا كان في العمر بقية. بالمناسبة مات يوسف إدريس بعد أسابيع من اللقاء ولم يحضر اللقاء في العام التالي وظل الوزراء في الصف الأول. وكذلك مات محمد سيد أحمد بعد أسابيع. والحمد لله نفدنا.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية