معرض الكتاب الدولي في القاهرة ذكريات -1

خمسون عاما مرت الآن على معرض الكتاب الدولي في القاهرة. كان المعرض في بدايته عام 1969 بقرار من ثروت عكاشة وزير الثقافة، وبإدارة سهير القللماوي رئيسة الهيئة القومية للكتاب في منطقة الجزيرة، على مشارف حي الزمالك، وكان تعداد مصر لم يصل إلى ثلاثين مليونا، وكانت القاهرة لا تصل إلى مليونين، أما الإسكندرية حيث كنت أعيش فلم يكن تعدادها يصل إلى مليون. كانت شوارع مصر الملكية على حالها تقريبا، والبيوت فيها متناسبة في الارتفاع مع عرض الشارع، وكل شيء حولي واسع، ولم يكن حدث كل هذا الخراب.
لم أكن حضرت إلى القاهرة غير مرة واحدة في رحلة مدرسية عام 1964، ورغم أن الرحلة كانت مهتمة بزيارة الأهرامات والمتحف المصري، كان اهتمامي أنا بحي الجمالية والشوارع التي كتب عنها نجيب محفوظ رواياته. ولهذه الرحلة حديث يطول أبرز ما فيه أنني لم أعد مع زملائي إلى المدرسة، وظللت في القاهرة أنام في جامع الحسين لعدة أيام، وبحثت عن عمل عازما ترك الدراسة لأعيش في شوارع ياسين وكمال وخديجة وعيشة والسيد أحمد عبد الجواد والست أمينة ورشدي وحميدة وزيطة صانع العاهات، وكل رجال ونساء نجيب محفوظ، ثم نفدت نقودي فعدت إلى الاسكندرية وأكملت تعليمي.
كان افتتاح معرض الكتاب الأول حديث الإعلام، وكان لا بد أن أحضر لشراء كتب ربما لا أجدها في الإسكندرية. حضرت ومعي سبعة جنيهات لا غير، وعدت بعدد كبير جدا من الكتب، فلم يكن سعر أكبر كتاب يزيد عن خمسة وعشرين قرشا. كانت هناك كتب مهمة بخمسة وعشرة قروش. لم تنقطع عادتي في الحضور إلى المعرض، حتى عشت في القاهرة، فلم يعد الأمر يحتاج إلى سفر.

كانت هناك كتب مهمة بخمسة وعشرة قروش. لم تنقطع عادتي في الحضور إلى المعرض، حتى عشت في القاهرة، فلم يعد الأمر يحتاج إلى سفر.

في الفترة من 1980 إلى 1985 شهد المعرض مظاهرات لنا، حيث كانت هناك لجنة في حزب التجمع تسمى «لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية» فيها أعلام من السياسيين والكتاب تعارض الوجود الإسرائيلي في المعرض، الذي بدأ بعد كامب ديفيد، وأذكر أن شخصيات مثل لطيفة الزيات وفريدة النقاش وعواطف عبد الرحمن وفتحية العسال قبض عليهن في مرات متوالية بالتهمة الشائعة منذ العهد الناصري، وهي الانتماء إلى أحزاب شيوعية سرية، حتى كان عام 1985 فقبض على عدد كبير من الكتاب كنت بينهم، وفي أول يناير/كانون الثاني كالعادة بالتهمة نفسها الـــتي لا معنى لها. كنا نعرف أنه لا تهمة ولا يحزنون، لكنه معرض الكتاب ومحاولة للترهيب في معارضة وجود إسرائيل لا أكثر ولا أقل. بالمناسبة كانت هذه آخر مرة تشارك فيها إسرائيل في المعرض.
أمضينا شهرا واحدا وحصلنا جميعا على البراءة، البعض خلال الشهر والبعض في نهايته. كان معنا الكاتب الإسباني جوردي ستيفا الذي جعل لنا حضورا في صحافة إسبانيا وصحافة أوروبا، وكان هو مصورا ويعمل في الإذاعة المصرية الإسبانية وتم ترحيله من مصر، ولم ألتقِ به إلا بعد عشرين سنة في مصر، وهو بالمناسبة كاتب لكتاب رائع عنوانه «عرب البحر ـ من موانئ الجزيرة العربية إلى جزيرة زنجبار» ترجمة طلعت شاهين. ساهمت مرتين في ندوتين عنه في القاهرة، إحداها في المقهى الثقافي منذ سنوات لمحبتي للكتاب الذي يعيد أمجاد العرب في البحار، ومحبتي لصاحبه الكاتب والفنان رفيق الحبس. في أواخرالثمانينيات طلبني سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب التي تقيم المعرض، وكان المعرض قد انتقل من أرض الجزيرة التي صارت مقرا للأوبرا بعد احتراق الأوبرا القديمة في ميدان العتبة، إلى أرض المعارض في العباسة ـ انتقل هذا العام إلى التجمع الخامس – طلبني سمير سرحان وطلب مني الإشراف على مقهى ثقافي في المعرض يعقد ندوات وحوارات مع الكتاب الجدد قبل غيرهم. قال لي إن الفكرة عرضها عليه فاروق حسني وزير الثقافة، وكان أيضا الفنان التشكيلي الراحل عدلي رزق الله قد اقترح إقامة ندوات في المعرض. حدثني سمير سرحان أن في المعرض صالة كبيرة ستكون للندوات العامة، وسيكون المقهي خيمة للشباب، أو حول الكتب الجديدة المهمة مصرية وعربية.

في هذه السنين العشر حدثت أمور كثيرة لا أنساها، سواء في المقهى أو في صالة الندوات الرئيسية، أو في لقاء المثقفين مع الرئيس حسني مبارك عند افتتاح المعرض.

وافقته وظللت أديرها حتى عام 2000 اعتذرت بعده لانشغالي ولوجود شباب وكتاب كانوا يعملون معي مثل حسن سرور وشعبان يوسف، يستطيعون الاستمرار في العمل. الحقيقة أنني منذ عام 2000 ابتعدت عن كل عمل ثقافي منظم. في هذه السنين العشر حدثت أمور كثيرة لا أنساها، سواء في المقهى أو في صالة الندوات الرئيسية، أو في لقاء المثقفين مع الرئيس حسني مبارك عند افتتاح المعرض. الطبيعي أن تمر الأمور بشكل عادي مهما كانت القضايا التي تثار في الندوات، وطبيعي أيضا أن يعترض بعض المثقفين من الشباب على يوم ندوتهم، أو عدم اختيارهم، لكن هذا الأمر لم يحدث إلا مرتين أو ثلاث مرات في عشر سنوات. في معرض عام 1991 وكانت أمريكا على أبواب تحرير الكويت. أقمت في المقهى الثقافي لقاء لنوال السعداوي عن أعمالها. حوار بينها وبين الجمهور. كنت أعرف أنه سيكون لقاء ساخنا لتردد شباب وكتاب الإخوان المسلمين على المعرض، لكن الذي حدث كان غير ذلك تماما. لم تتم الندوة وكان السبب قدريا ومن أغرب الاسباب. المعرض في العشرة أيام الأخيرة من يناير دائما، وفرصة المطر قائمة وإن كانت قليلة بعد انتهاء أصعب النوَّات في أواخر ديسمبر/كانون الأول وأوائل يناير. جاءت نوال السعداوي وكانت الندوة في الساعة الثانية ظهرا والمقهي الثقافي كما هو خيمة وليس بناء. كنت أنا من أدير الندوة طبعا تقديرا لها. بعد أن قدمتها لجمهور الجالسين بدأت تتحدث لكن ليس عن أعمالها ولا عن قضايا المرأة، بدأت تتحدث عن الحرب المحتملة في الكويت والعراق وأهالت النقد لأمريكا، ثم انتقلت إلى انتقاد الموقف المصري الموافق على الحرب، وانتقلت من الانتقاد إلى الاتهامات الواضحة والصريحة لحسني مبارك بالعمالة، بل كانت تنفعل وتصفه بالفاظ فظيعة. أشار لي مساعدي الشاب ذلك الوقت حسن سرور أن أخرج لأتحدث معه لدقيقة، خرجت أعرف ماذا سيقول وبالفعل قال لي أن انتبه ففي المقهى رجال من الأمن ومخبرون، قلت له هذا عادي نعرفه في كل الندوات. قال لي أن أهمس لها أن تنتقد بلا ألفاظ جارحة حتى يمر اليوم بسلام عايزين نتعشي مع ولادنا النهاردة. ابتسمت وقلت لا أستطيع، ثم نظرت إلى السماء وكانت هناك غيمة تتحرك فوقنا وقلت الحل عند الله ربما تزداد الغيوم وتمطر السماء وتغرق الخيمة على من فيها وتنتهي الندوة. وتركته وعدت وما إن جلست جوار نوال السعداوي حتى هطل مطر فظيعا جعل من في الطريق يدخلون الخيمة بسرعة للاحتماء وتزايدوا في ثوانٍ حتى وقع الناس من فوق مقاعدهم بسبب الزحام العشوائي، ولم نعد نعرف من هم أمام نوال السعداوي ممن خلفها، وكدت أقع أنا وهي على الأرض رغم جلوسنا، ثم تسرب المطر من الخيمة علينا جميعا في لحظات، وكادت الخيمة تقع وملأ البرق والرعد الفضاء وغرقنا جميعا في ثوان في الماء فانتهت الندوة، وجريت أنا وحسن نضحك تحت المطر إلى الصالة الرئيسية التي هي مبنى وليست خيمة لنحتمي بها وهو يقول لي «ولي من أولياء الله» وأنا أقول له ضاحكا الحمد لله حنتعشى مع ولادنا النهاردة.

٭ روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية