معرض بانكسي في زيورخ: الجدار العازل والغُبن السوري

إسماعيل كرك
حجم الخط
0

في ثمانينيات القرن العشرين كانت منطقة بارتون هيل في بريستول جزءاً مخيفًا من المدينة، حيث سكنتها غالبية من البِيض ولم يكن هناك أكثر من ثلاث عائلات ذات أصول أفريقية ممن ينتمون إلى الطبقة العاملة ولم يكن مُرَحَّباً بهم كغرباء، لذلك عندما قرر بانكسي الذهاب في أول «غزوة» له هناك، كان متوتراً ومضطرباً حسب ما رواه لزميله فنان الغرافيتي والمؤلف فيليكس براون: «لقد تعرَّضَ والدي للضرب المبرح هناك عندما كان طفلاً.» وقتها كان بانكسي يجرب العديد من الأسماء الحركية، وأحياناً يُوَقِّع باسم روبن بانكس الذي سرعان ما تطور إلى بانكسي بعد أن استقر عليه باعتباره أسهل في الكتابة على الحائط. في هذا الوقت تقريباً، استقر أيضاً على أسلوب (استنسل) في الكتابة على الجدران وهو أسلوب سهل لأن الرسم به يعني استخدام ورق بلاستيكي شفاف يشبه ورق الأشعة السينية بحيث يكون كل ما على فنان الغرافيت فعله هو التلوين فقط، فهذا الأسلوب لا يتطلب موهبةً بالرسم، ولكنه يحتاج إلى تنسيق جيد للألوان بالإضافة إلى مهارة في استخدامها، لكن تقنية الاستنسل لها تاريخ إضافي بسبب استخدامها لبدء الثورات ووقف الحروب. من هذا الباب الكبير دخل بانكسي إلى عالم الغرافيت الذي غير حياته.
يُعتَبر شعاره المميز «حقوق الطبع والنشر للخاسرين» عنواناً عريضاً لكل أعماله، فهو ناشطٌ منذ سنة 1990 لكنه وصل بعد ثلاث عشرة سنة إلى الشهرة عندما تجاوزت أعماله حدود سوق الفن وذلك منذ بداية مسيرته الفعلية سنة 2003. ليست له أية مقابلة إعلامية تُظهر تفاصيل وجهه، لكنه عَبَّر عن حضوره بهولوغرام أسود داكن يتحدث بصوت أجش غامض يتلوى في حلم ممسوح الهوية. إنه غامضٌ كما عالَم اليوم، طويلٌ كصبر الشعوب، وقصير كمفتاح صغير يفتح حقائب الوقت المُهمَلة ليرى كل ما يجري.
خلال حياته المهنية، تأمل بانكسي وأعاد النظر في نقده للرأسمالية وللنزعة الاستهلاكية، وهذا بالفعل موضوع العديد من مطبوعاته ذات الإصدار المحدود: كعربات التسوق، والباركود، والتي تُستَخدم على نطاق واسع كرموز للمادية التي تؤدي إلى تجاوزات الثقافات الغربية الحديثة على وسائل الإعلام المختلفة!
كما يُنظر إلى بانكسي تدريجياً على أنه ذروة فن الشارع الحديث، لأن قدرته على تلخيص قصة أو أسلوب تفكير في صورة والتشكيك فيها بشكل مثير للسخرية، خَلقتْ إشارات في جميع أنحاء العالم.
يكتب موقع آرت ستوري: «استطاع فنان الغرافيت الإنكليزي بانكسي أن يصبح أحد أشهر الفنانين في العالم، بينما ظَلَّ مجهول الهوية نسبياً مع الحفاظ على وفائه لمعتقدات فن الشارع، فقد قام ببناء مجموعة أعمال مشهورة دائمة وغير دائمة، تَستخدم السخرية والتخريب، الفكاهة السوداء والمفارقة، لتمرير رسائل اجتماعية سياسية وإنسانية للجماهير على المستوى العام وأضحى أسلوبه مألوفاً عالمياً، وقد تأسس على جمالية حوَّلتْهُ من مجرد رجل بعلبة رذاذ إلى فنان مبدع للغاية».
في زيوريخ-أورليكون يتم تقديم أعماله في بيئة مرحة ومبهجة تتكيف مع الموضوع، وتقفز أعماله فوق سطوح العالم، شوارعه وأزقته الفقيرة لترسل ذبذباتها المستمرة من خلال «ميكروفونات تشكيلية» رأسمالها ليلٌ، شارعٌ رئيسي أو ميترو أنفاق، وبوهيمية البخاخات ضد رياء الواقع وما اتُّفِقَ على تسميته بالوقائع!
لأول مرة في سويسرا واعتباراً من 24/02/2023 وحتى 31/05/2023 تعرض الصالة 622b أكثر من 150عملاً فنياً من أعمال بانكسي في زيوريخ-أورليكون، فتُقدِّمُه صالة العرض كنجم شارع شهير بعنوان غرائبي مثير: «لغز بانكسي – عقل عبقري».  ليعيد المعرض الكبير إنتاج رسوماته الغرافيتية والصور الفوتوغرافية، المنحوتات، تركيبات الفيديو والمطبوعات على مواد مختلفة مثل القماش، النسيج، الألمنيوم، الفوركس، والبليكسيغلاس معاً وبطريقة مبتكرة.
عند الدخول إلى صالة العرض سيمر الزائر بطريق مِلْتَوية ليرى عامل الاستقبال قرداً بِبِزَّة ورديَّة يقف على حقيبتَي سفر، ويحمل جرساً بيده اليمنى مشيراً إلى اسم فندق بانكسي أو «فندق الجدار العازل» وهو الفندق الذي أنشأه بانكسي قرب الجدار العازل على الحدود الفلسطينية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
في مدخل المعرض وعلى الجهة اليمنى يقف عمل بانكسي «زيارة تاريخية إلى فلسطين» التي تُظهِر برج مراقبة من بقايا الحرب بمُفصَّلاته، وقد فَتحَ نوافذ «عينيه» ورُسِمَتْ قلوبُ حُبٍّ وأزهارٌ على جزئه السفلي بينما استمتع الأطفال بدورانهم الدائري كمركز جذب للمتعة، لتأتي عبارة بانكسي فتفضح هذا الزيف عندما يكتب أسفل الملصق عبارةً بخط اليد تحت اللوحة: «الجيش الإسرائيلي يحبهم كثيراً لدرجة أنه لا يحبهم أبدا!».
في عمل آخر على الجانب الأيسر في القاعة الأولى، وبحلقات طوق كبير مصنوع من الأسلاك الشائكة (رمز تقسيم القدس)، يقف مُلصَق فلسطين والذي أنجزه بانكسي سنة 2018 وهو عبارة عن قطعة أخرى من»Walled Off Hotel فندق الجدار العازل، الذي يَظهر كمُلصَق إعلاني كلاسيكي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، كان شعار «زوروا فلسطين» جزءاً من إعلان حملة لتعزيز السياحة بنسخة بانكسي المُبتكَرة!
على عكس الملصقات القديمة، لا تبدو المناظر الطبيعية جذابةً، حيث يَعْبُر عمل بانكسي إلى الضفة الغربية من خلال الجداريات على طول حائط الفصل العنصري، جدار القدس وبيت لحم وعلى المباني المدمرة، إلى فندق في بيت لحم، ثم إلى حملة إعلانية تتضمن فيديو سياحياً يعلن بسخرية عن فلسطين كوجهة «جذابة» للعالم الغربي! بعض الأعمال أُنتجَتْ في أوائل عام 2003 وتم رسمها مرة أُخرى من قبل فنانين آخرين. من خلال فنِّهِ يسلط بانكسي الضوء على مسألة الحرية ومعاناة الفلسطينيين من القمع العسكري الذي يحدث تحت إشراف العالم، فيمتد «الجدار العازل الإسرائيلي» على طول الخط الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية، ويمتد الجدار في الغالب إلى أمكنة أخرى تتقطع فيها السُبل بالعائلات والمجتمعات وطرق التنقُّل. وعلى الرغم من أن الجدار العازل غير قانوني بموجب القانون الدولي- وفقًا لـمحكمة العدل الوطنية – يستمر البناء حتى يومنا هذا! خلال 21 عاماً، أي منذ بدأت إسرائيل في بناء الجدار العازل، استخدمه الفنانون القادمون من عدة دول كسطح أبيض يرسمون عليه رؤاهم السياسية التي تُخَلِّدُ جدران فلسطين المقاوِمة والتي أصبحت رمزاً ناقلاً لرسائل الأمل، ويبدو الجدار العازل من جهة الجانب الفلسطيني وقد التفَّتْ عليه الأسلاك الشائكة واخترقت طائرة حربية خريطة فلسطين وعبرت فوق ذلك الجدار لتلقي بحمولتها الثقيلة من القنابل على الأراضي الفلسطينية.
في القاعة الثانية من المعرض، تقف لوحة قتال الوسائد التي أنجزها بانكسي سنة 2017 ويظهر فيها شرطيُّ حدود إسرائيلي بزيه العسكري وفلسطينيّ ثائر وهما يتشاجران بوسادتين داخل إحدى غرف فندق الجدار العازل، تلك الغرفة التي تُعتَبر أحد المعالم البارزة والمعروفة باسم «غرفة بانكسي»، حيث يُمضي الضيوف ليلتهم في سرير بحجم ملكي تحت أعماله الفنية.
في المعرض أيضاً، تقف لوحة «التغطية الإعلامية» والتي أنجزها بانكسي سنة 2006 ومن خلالها تتكرر صور الأطفال الفلسطينيين أثناء الحروب التي تشنها إسرائيل بقوتها التدميرية لينقل من خلال تلك اللوحة نفاق وسائل الإعلام بطريقة استفزازية للغاية، حيث تقف فتاة وحيدةً تنزف من أنفها وفمها في كومة من الأنقاض وتمسك يدها بإحكام بـ«دبدوبها» بينما يتم منع المُسعِفين من الاقتراب للمساعدة كيلا يشتتوا انتباه الصحافيين عن التركيز على المعاناة، فيضطر المشاهد إلى النظر إلى ما هو أبعد من ذلك فيظهر الإعلام ويتعامل بشكل مباشر مع الحرب والدمار!
المشهد الفلسطيني ليس بعيداً عَمّا جرى في سوريا، ففي مقطع فيديو يصمم بانكسي تركيب فيديو حزيناً لطفلةٍ سورية تمسك بخيط رقيق بالوناً أحمر وتصعد إلى السماء بابتسامة بريئة بعد أن طبع بانكسي على خلفية غرافيتية بيضاء منقطة بنقط حمراء صغيرة، وبعربية واضحة عبارة: «هناك دائماً أمل»، تتبعها دمعة ساخنة خائفة عندما يحل المساء وهي ترى بالونات حمراء أُخرى، فتنظر إلى الأسفل ويتزايد خوفها وتنهمر دمعتها، تستأنس بطفل آخر يطير ببالون مماثل ليتبعها، يبتسمان لبعضهما لكنهما يطيران إلى أعلى وتلحق بهما أمّ وطفلها، ما تلبث بعدها أن تُغطَّى الخلفية الغرافيتية البيضاء بأعداد هائلة من أمهات يصعدن مع أطفالهن إلى السماء بمشهدٍ مُنَقَّطٍ بالأحمر والأسود وتتخلل تركيب الفيديو عبارات مكتوبة بالإنكليزية عن الحرب في سوريا وإحصائيات الموت و الهجرة القسرية.
بانكسي شخصية فريدة من نوعها يفضل البقاء مجهولاً لأنه يعتقد أن رؤيته الفنية يجب ألا تتأثر بهويته، ومع ذلك يشعر الكثيرون بالحيرة من السمة المميزة للفنان، ويحاولون التعرف على اسمه الحقيقي بناء على الموقع الجغرافي لعمله، لأنه من غير المألوف أن يختار فنانو الشوارع البقاء مجهولين، فمن ناحية يجب أن نتذكر أنهم كثيراً ما يرسمون بشكل غير قانوني على الجدران من أجل إنشاء أعمالهم الفنية، ومن ناحية أخرى فَهُم يمارسون حريتهم التعبيرية، والتي غالباً ما يتغلغل فيها المشهد اليومي المُرّ والذي يعتمد على مبادئ ثابتة تُمَيِّز بين القاتل والضحية ولا تفصل بين الفقير والمسروق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية