بيروت – «القدس العربي» : المفتاح حقيقة ملموسة، حمله اللاجئون منذ النكبة، وبات موروثاً وحكاية، دخلته مفاتيح جديدة للبيوت المُدمّرة في غزّة.
في معرض «من باب الاحتياط» كانت للفنان تيسير البطنيجي رؤاه البليغة لمفتاح رمز رفيق المقتلعين، ورافق المهددين بترك منازلهم من هذه المنطقة إلى تلك من غزّة. مفاتيح جديدة ومعاصرة أضافها الفنان تيسير البطنيجي إلى مساحته الإبداعية. إنها مفاتيح المنازل المدمّرة، والسيارات المسحوقة في غزّة، ولبعضها اسماء وحكايات تروى.
مفاتيح النكبة كانت وما تزال ولاّدة أفكار في شتى أنواع التعبير الفني، ولتيسير البطنيجي روايته الخاصة عنها. في معرض «من باب الاحتياط» يشغل المفتاح مكانته المركزية، حيث يبدو التاريخ وكأنه يسترجع صداه. «من باب الاحتياط» عنوان لعمل أنجزه تيسير البطنيجي عام 2024، وعُرض لأول مرّة في بينالي ليون في فرنسا. إنها سلسلة من صور مفاتيح تعود لسكّان غزّة وعددها 252. وكل مجموعة منها تعود لمكان ولشخص محدد. يعرّف بها مقطع نصيّ مكتوب بخط اليد في أسفل كل صورة، ومنها ما يعود لأقارب البطنيجي. وثمة صور لمفاتيح حملت تعريف «معلومات غير متوفرة». «من باب الاحتياط» عمل يلتقط آثار حيوات ومنازل مفقودة أو مهجورة أو مُدمّرة. هو استحضار لويلات الحالة الإنسانية ومصائبها.
بين المفتاح الرمز وسرديته التي لا تملّ من أن تزداد ثراء، فتح تيسير البطنيجي مسار تواصل مع قصيدة محمود درويش «أحمد الزعتر». تواصل افضى لـ20 مفتاحاً لمنازل اُفرغت من ناسها في النكبة. صُرر من قماش الخام، تَرَكت على اعلاها المفاتيح رسماً خطه الصدأ. أين المفاتيح؟ لا جواب. قد تكون في الصرّة.
يتتبع تيسير البطنيجي الأثر. أثر من مروا ومن رحلوا. تتبع أمضى معه سنوات حيث يعيش في فرنسا. مجموعة من أقلام الحبر الجاف كانت من بين ما التقطه من الشوارع. في زمن الإبادة سعى لعلاج ذاتي، ولتمرين تأملي، سمح له ولو نسبياً إشاحة النظر عن الحقائق المرّة. تمرين أثمر عدّة لوحات بعنوان «ألوان مشرّدة»، بعضها لم يُغط اللوحة بالكامل، فاللون المشرّد قد نفُذ.
يبدو أن الزمن والوقت بين الماضي والحاضر شكّلا رابطاً سرياً بين مجمل الأعمال في معرض «من باب الإحتياط». سعى لالتقاط اللحظات العابرة عبر ثلاث لوحات أوحت بها التشوهات التي تنتجها شبكة الإنترنت الرديئة في غزّة. هي ألوان متدرّجة غالباً بالأسود والأحمر والأصفر.
وانطلاقا من رمزية مكان الولادة الأول وهو غزّة، ورمزية المكان الذي يعيش فيه تيسير البطنيجي حالياً وهو باريس، تدفقت الرمال من صندوقين يحكيان الأرض والوطن والألم المستوطن في أعماله. هو يردد مع محمود درويش «مضت الغيوم وشردتني.. ورمت معاطفها الجبال وخبأتني».
وفي ركن منعزل بدت زهرة الدحنون وكأنها تتوارى من العيون. رسمها تيسير البطنيجي بمسارات متنوعة وعبر اللون المائي الشفاف. مجموعة تتالى وكأنها تحكي شوق راسمها لحقول بلاده وأرضه. أو تحكي آلام تلك الأرض التي لونتها دماء اهلها وناسها بلون الدحنون.
في غاليري صفير زملر في منطقة المرفأ – بيروت معرض «من باب الاحتياطي» لتيسير البطنيجي يستمر إلى 29 الشهر المقبل.