معرض «خرج والمفروض يَعُود»… تجارب مأزومة وحيوات مؤجلة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: «خرج والمفروض يَعُود.. عن هجرة المصريين للخليج» عنوان معرض يُقام حالياً في (مركز الصورة المعاصرة) في القاهرة. فكرة تبعات هجرة المصريين إلى الخليج وأثرها في المجتمع المصري، تناولها العديد من المؤلفات البحثية ـ اجتماعياً واقتصادياً ـ وصولاً إلى الأعمال الفنية من أدب وسينما ومسرح، وجميع فنون الدراما التي رصدت وجسدت (وباء) السفر إلى دول الخليج. فلا توجد عائلة في مصر إلا ولها قريب أو صديق سافر إلى هناك، وعاد في زيارات متكررة أو جاء ليبقى، أو ظن أنه سيبقى، لكنه بالفعل انتفى وجوده عندما رحل أول مرّة، إلا مَن رحمه ربه واستعصم بوعيه، وهم قِلة قليلة لا تُذكر، ولا يمكن القياس عليها.

حكايات الفقد الدائم

خطابات متبادلة بخط اليد، صور فوتوغرافية شخصية وعائلية، جوازات سفر، قطع أثاث، ملابس، شرائط كاسيت، لوحات، مادة مصوّرة يتم عرضها لحالة بعض الشخصيات. كل ما سبق يمثل حالة من الذكرى الباهتة أو التذكّر المفروض، الذي يود صاحبه نسيانه. فكرة النسيان المقصود هذه لتلك الفترة التي قضاها العارضون تمثل القضية أو الأزمة، فالماضي يجب نفيه والحاضر غريب وغائب لا يمكن التفاعل معه بسهولة، أما المستقبل فهو مشوّش وغير مفهوم. من هنا نلحظ أن معظم الأعمال تمثل حالة من الفقد الدائم، فقد الوجود بالعودة إلى مصر، خاصة أن العارضين من فئة مختلفة غير الفئة المعهودة التي تناولتها الدراما، بداية من كونهم عاشوا طفولتهم في هذه البلاد، التي مهما اختلفت يُطلق عليها مجازاً (الخليج) فهم لم يذهبوا شباباً للعمل مثل الآباء، وبالتالي هناك وجهة نظر مختلفة عن الجيل الذي ذهب بعدما تم تكوينه الروحي والثقافي في مصر.

الخيبة

تنوعت الأعمال المعروضة ما بين الصور الفوتوغرافية التي تستعرض حياة الشخصيات العائلية، أو تجهيزات في الفراغ يؤول الحالة ويوحي بما تشعر به الشخصية أو تعيشه وتعانيه، ثم عروض بصرية تمثل مراحل من حياة هؤلاء بوجهة نظرهم الآن، لنلمح سخرية سوداء تصل حد التأسي، فلا الذي ذهب سنوات عاد، بل دُفن هناك في (الغُربة) كما يُطلق على أي مكان بعيد عن مصر. هناك إحساس دائم بالخيبة، وأن الرحلة مهما كانت مكاسبها، فإن أصحابها ضحايا الاستقرار والوجود. فالبيت الذي اجتهد صاحبه وقايض حياته حتى يتم البناء على هواه، لا يسكنه ولا يراه عند اكتماله، وقد رحل عن العالم بأكمله. كذلك.. الأشياء دائماً تُرسل في صناديق كرتونية مغلقة، تحمل أسماء أصحابها المرسلة إليهم، الأشياء دائماً مُكدسة في المنزل الجديد أو القديم حتى في انتظار عودة أصحابها.. أثاث وملابس وأجهزة كهربائية لا يستعملها أحد، وكأنها شواهد قبور لأصحابها، والجميع ينتظر العودة والاستقرار واستخدام هذه الأشياء/الحياة المدفونة في صندوق/نعش.
هذه الرؤية التراجيدية تحاول الأعمال تأكيدها، وأن يواجهها المُتلقي، ويحاول بدوره استشعار حالة أصحابها الواقعة دائماً بين المؤقت والمُنتَظَر.

الفئة المختلفة

بالنظر إلى العارضين على اختلافهم، نجد أنهم يمثلون فئة مختلفة ـ الفئة المتوسطة العليا ــ وأن العبارات التي تصاحب هذا العمل أو ذاك تحمل الكثير من سفسطة وتفلسف لا محل له من الإعراب. من قبيل.. «يهدف هذا المشروع إلى إنتاج معرفي أنثروبولوجي بصري حول تجربة هجرة مؤقته، والأعمال الفنية المتنوعة هي نتاج ورشة عمل حول تجربة الهجرة من خلال مواضيع مثل.. الذاكرة، الموت، الأبوة، الطبقة، ديناميكيات الأسرة، والانتماء والطموح من خلال السرد الشخصي… كما يسرد المعرض فى كينونته حلم نزول الجميع والاستقرار فى مصر.
كذلك.. «عن الخلل الذي يجعل الحياة في أثناء تلك التجربة تبدو مُعَلّقة ومضطربة اضطراباً زمانياً يخلق تفكيكاً مكانياً. الأمر الذي يجعل الوجود في حد ذاته ذا صفة مُعارة».
وفي الأخير .. «يضم المعرض تركيباً من الأعمال الفنية ذات الوسائط المختلطة، التي تتفاعل مع جوانب مختلفة من هذه التجربة. بالإضافة إلى برنامج ديناميكي يهدف إلى فتح المجال لإجراء مناقشات أكبر مع الجمهور، بالإضافة إلى مطبوعة تشاركية يساهم محتواها الفكري والإبداعي في الأدبيات المتعلقة بهجرة المصريين للخليج». تستشعر أن العبارات مُترجمة من خلال (غوغل) ولن نستغرب لأن هذه العبارات نفسها هي القادرة على جذب الدعم ـ ولو دعماً جزئياً ـ وقد حصل المشروع بالفعل على منحة الاتحاد الأوروبي. ناهيك من الدعاية العجيبة في الصحف والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. فالكثيرون يشيدون بالإعجاز الإبداعي.
ملحوظة أخيرة.. من أهداف المعرض، أن يشعر المتلقي بأنه انفصل عن الزمان والمكان وسط هذا العالم، وبالفعل تم ذلك، خاصة أن اللغة الإنكليزية هي المسيطرة على المكان، إضافة إلى أشكال المثقفين المعهودة ـ الحركة المتوترة، الالتفات الدائم هنا وهناك، وكأننا في مصحة نفسية ـ ثم فكرة التبرع للمكان وفعالياته، فالمطبوعة بـ 100 جنيه، ومع بعض الإضافات ـ شوية صور بقى ـ تصل إلى 250 جنيه. كذلك ومن قبيل الدعم ممكن تشارك ببعض المشروبات، يعني تجيب الشاي والبن معاك. مش مهم، المهم عند مغادرتي المكان ـ عمارة عتيقة من عمارات وسط البلد ـ وجدت شاباً مشرداً يجلس أمام أحد المحال، يحتضن (قطة) صغيرة، مصابة ببعض الجروح، يمسك بأنبوب كريم ويضع منه فوق الجرح، وهي مستسلمة تماماً. جاءت فتاة ومعها صديقتها، وعرضا عليه بعض النقود، فصرخ.. «أنا لأ .. بس لو عاوزين تجيبوا حاجة للقطة ماشي». ذهبت واحدة وظلت الأخرى، وجاءت بعبوّة لبن للقطة، فشكرهما، وعاود الانشغال بصديقته الأليفة. وفي هذا المشهد غير المقصود نجد الرد على عزلة المثقفين اللي فوق. وبالتوفيق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية