معرض «سكة حديد» للمصري أحمد بيرو: عن عالم القطار وذاكرة رواده

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يمثل عالم القطار حياة متكاملة، سواء بالنسبة للعاملين فيه أو رواده. ومن خلال قضبان السكك الحديدية، التي تتداخل وتتقاطع وتتشابه مجازاً مع مصائر البشر المختلفة، يبدو العديد من اللحظات الفارقة في الحياة الإنسانية، حالات كثيرة يمثلها القطار في حياة الناس، انتظارا، استعجال الوصول، الخوف من الرحلة، اللقاءات المتوترة. فمن المعروف سلفاً أن مصر هي ثاني دولة في العالم تم إنشاء السكة الحديد فيها، بعد إنكلترا مباشرة، والأولى في افريقيا والشرق الأوسط.
ربما اختلف الأمر الآن بعد انتشار وسائل المواصلات وتنوعها، إلا أن السفر عبر القطار لم يزل هو الوسيلة المُثلى للكثيرين. وعلى سبيل استدعاء هذا العالم مرّة أخرى، تاكيداً لذاكرة عدة أجيال من المصريين يأتي معرض الفنان أحمد بيرو ـ مواليد عام 1978 ـ المقام حالياً في آتيليه القاهرة بعنوان (سكة حديد) يستعرض من خلاله مسيرة القطار وعالمه وحكاياته. وهي النغمة نفسها التي يواصل من خلالها الفنان مسيرة الحفاظ على الذاكرة المصرية، بعد عدة معارض تحمل عناوين.. «بوستة» «حكاية جنية مصري» و«توكتوك».

فكرة التأريخ

تتنوع اللوحات مُستعرضة مسيرة القطار المصري وتحولاته، كيف كان شكل هذه العربات الضخمة، وكيف اختلفت الآن. المتروهات الشهيرة في شوارع مصر، التي اختفت الآن، وقد حل محل بعضها مترو الأنفاق، أو انتقلت تماماً إلى متحف (السكة الحديد) لتصبح من بعض آثاره ومقتنياته.
يقول الفنان في لقاء معه بمناسبة افتتاح معرضه.. كنتُ أسكن في منطقة شعبية في القاهرة، ومن فوق سطح البيت كنت أرى القطارات تروح وتجيء، باندفاعها وصوتها القوي. وعندما ذهبت إلى محطة مصر رأيت هذا المخلوق/الوحش عن قرب، شاهدت الناس وشاهدت ضخامة هذه الآلة مقارنة بأجسادهم المتكتلة فوق أرصفة المحطات. وظلت هذه المشاهد في ذاكرتي، قبل أن أعرف أني سأصبح فناناً، وأحاول تسجيلها في لوحات.

لك أن تتذكر هذه الأيام

من ناحية أخرى هناك علاقة وثيقة بين محطات القطار وطبيعة كل منها مع إيقاع وعلاقات الرواد، فهناك فارق كبير بين قطارات بحري وقطارت الصعيد، ففارق الساعات الطويلة ينسج بدوره إيقاعاً مختلفاً عن سفر لا تتجاوز مدته عدة ساعات. وبما أن هذه الآلة (القطار) كانت دوماً تمثل مظهراً للرهبة لضخامته وسرعته، فيصبح موروثاً مصرياً ومثلاً شعبياً دليلاً على الاندفاع والقوة (داخل زي القطر). كذلك فالرحلات المتكررة للكثيرين، للدراسة أو العمل، خلقت بدورها مناخاً اجتماعياً يتذكره هؤلاء، فكم من العلاقات نشأت وتوطدت، وكذلك الخصومات وتصفية الحسابات كان القطار شاهداً عليها.

التجربة

يقول الفنان إنه استمر لأكثر من عام في البحث وزيارات متكررة إلى متحف السكة الحديد، نتج عنها الكثير من الاسكتشات، وعن طريقها تولدت الأفكار وتطورت. ومن خلال هذه الرحلات البحثية اكتشفت أن قطار (الملك فاروق) يشبه كثيراً قطار (المونوريل) الحديث، شكلاً فقط، دون قدراته الحديثة بالطبع. من ناحية أخرى كانت الدول تنافس بعضها بعضا في تصنيع القطارات، كما هو الحال في تصنيع الدبابة والطائرة. فهناك فروق واضحة بين القطار الروسي والأمريكي والكندي والإسباني، وهكذا. مع ملاحظة أن القطارات تأتي بألوان مختلفة حسب بلد المنشأ أو الصناعة، لكن في السنوات الأخيرة تم طلاء أغلبها بألوان علم مصر.

الجماليات

وتتنوع أساليب اللوحات، دون الاقتصار على أسلوب فني بذاته. يقول بيرو.. إنه استمد هذه الجماليات من روح القطار وعالمه، وقد نوّع في الأساليب الفنية، من كلاسيكية للإحساس بروح الشيء، ثم الفن المعاصر (المفاهيمي) فاللوحة كلها ضبابية والقطار هو المتصدر المشهد بوضوح، كذلك توضيح فكرة الحركة واندفاع القطار من خلال زوايا مختلفة. كذلك جاءت القطارات القديمة تحت تأثير الأبيض والأسود، بخلاف الحديثة التي جاءت بالألوان. مع ملاحظة أن القطارات التي انتهت صلاحيتها أو مدة خدمتها، هي أيضا لها جماليات لا تخفى عن عين الفنان. وأرجو ألا تعدم هذه القطارات، بل تنضم إلى مثيلاتها في المتحف، لأنها ثروة تاريخية وفنية لا تقدر بثمن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية